الأنباط -
في البيئات المستقرة، تُقاس قوة القطاع المصرفي بمتانة رسملته، وارتفاع مستويات السيولة، وجودة الإشراف والرقابة، وقدرته على دعم الاقتصاد الحقيقي بكفاءة واستمرارية. غير أن المراحل الإقليمية المضطربة تفرض معيارًا إضافيًا لا يقل أهمية وهو قدرة المؤسسات المالية على قراءة المخاطر قبل تبلورها الكامل، والتحرك المبكر لتحصين مراكزها التشغيلية والائتمانية والتمويلية دون إرباك السوق أو إضعاف الثقة. ومن هذه الزاوية، تبدو المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا من أن تُقرأ بمنطق المؤشرات التقليدية وحدها.
القطاع المصرفي الأردني يدخل هذه المرحلة من موقع قوي، فإن الأرضية الرقابية والمالية التي يستند إليها القطاع تعكس قدرًا معتبرًا من الصلابة المؤسسية، سواء من حيث كفاية رأس المال، أو السيولة، أو الإطار الإشرافي، أو القدرة النسبية على امتصاص الصدمات. إلا أن هذه الحقيقة، على أهميتها، يجب ألا تُفهم بوصفها مبررًا للركون، بل بوصفها فرصة للتحرك الاستباقي من موقع القوة. فالتحديات المقبلة، إذا ما استمرت الضغوط الجيوسياسية واتسعت آثارها الاقتصادية، قد لا تظهر أولًا في صورة أزمة مصرفية مباشرة، بل في صورة ضغوط تراكمية على جودة الأصول، وسلوك المودعين، وكلفة التمويل، وسلاسة المدفوعات العابرة للحدود، والمرونة التشغيلية، والأمن السيبراني.
وهنا تكمن نقطة التقدير الأهم وهي الخطر في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة خطرًا انفجاريًا، بل قد يكون خطرًا تراكميًا منخفض الضجيج وعالي الأثر. فارتفاع كلف الطاقة والشحن والتأمين، وما قد يصاحبه من ضغوط تضخمية وتباطؤ في بعض الأنشطة الاقتصادية، ينعكس بطبيعته على التدفقات النقدية للمنشآت والأفراد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى القطاع المصرفي عبر تراجع القدرة على السداد، وارتفاع الحاجة إلى إعادة الجدولة، وتغير خصائص المخاطر في محافظ التمويل، ولا سيما في القطاعات الأكثر حساسية للطاقة، والاستيراد، والطلب المحلي. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في وقوع التعثر وحده، بل في بطء اكتشافه أو التأخر في إعادة تسعيره وإدارته.
من جهة أخرى، فإن مفهوم السيولة في هذه المرحلة يجب ألا يُقارب بوصفه مسألة رقمية صرفة. فالسيولة ليست فقط وفرة موارد، بل أيضًا سلوك ثقة. وفي أوقات الاضطراب، قد تتأثر قرارات المودعين والعملاء بالتصورات بقدر تأثرها بالوقائع. وهذا يفرض على البنوك قراءة مزدوجة, قراءة مالية لمراكزها السائلة، وقراءة سلوكية لتغيرات الطلب على النقد، والعملات الأجنبية، والخدمات الرقمية، والتحويلات، وأنماط التفاعل مع الإشاعات أو الأخبار السلبية. فالمؤسسة المصرفية الناضجة لا تنتظر أن تظهر الضغوط في الأرقام النهائية، بل تلتقط إشاراتها المبكرة في السلوك قبل أن تتسع.
التطورات الدولية خلال السنوات الأخيرة أكدت أن الاستقرار المصرفي لم يعد يُختبر فقط على مستوى الائتمان والسيولة، بل على مستوى المرونة التشغيلية الشاملة. فتعطل قنوات الدفع، أو بطء التسويات، أو الاعتماد المفرط على مزود خدمة خارجي، أو اختراق سيبراني في توقيت حساس، قد يفرض على المؤسسة عبئًا يفوق في أثره بعض الضغوط المالية التقليدية. ولذلك، فإن أي مقاربة جادة للمرحلة المقبلة يجب أن تعتبر البنية الرقمية، وخطط استمرارية الأعمال، وإدارة الأطراف الثالثة، والأمن السيبراني، جزءًا من صميم السلامة المصرفية، لا ملفًا فنيًا منفصلًا عنها.
ما تحتاجه البنوك الأردنية اليوم، إذن، ليس تحولًا انفعاليًا في السياسات، بل رفعًا محسوبًا في درجة التحفظ والانضباط. وهذا يبدأ بمراجعة اختبارات الضغط على أسس أكثر واقعية للمرحلة الراهنة، بحيث تشمل صدمة سيولة، وتدهورًا تدريجيًا في جودة بعض المحافظ، واضطرابًا في المدفوعات أو التشغيل، أو سيناريوهات مركبة تجمع بين أكثر من عامل في آن واحد. كما يتطلب إعادة فرز المحافظ الائتمانية وفق حساسية القطاعات والعملاء للتطورات الإقليمية، وتكثيف المتابعة المبكرة للانكشافات المرتبطة بالطاقة، والاستيراد، والتمويل الخارجي، وسلاسل التوريد، دون انتظار ظهور إشارات متأخرة في نسب التعثر.
وفي السياق نفسه، ينبغي أن تتعامل إدارات البنوك ومجالس إداراتها مع المرحلة المقبلة بوصفها مرحلة إدارة مخاطر نوعية لا كمية فقط. فالمسألة لا تتعلق بزيادة المخصصات أو تشديد المنح فحسب، بل بإعادة ضبط شهية المخاطر، ومراجعة الاعتماد على الأطراف الثالثة، والتأكد من كفاءة خطط الاستجابة للحوادث، ووضوح خطوط القرار في حال حدوث ضغط مفاجئ في السوق أو التشغيل. كما أن الاتصال الداخلي والخارجي يكتسب أهمية مضاعفة في مثل هذه المراحل؛ إذ إن الثقة لا تُدار فقط عبر الأرقام، بل أيضًا عبر وضوح الرسائل، وتناسقها، وقدرة المؤسسة على طمأنة السوق بلغة مهنية منضبطة، بعيدة عن الإفراط في التهوين أو المبالغة في القلق.
والأهم من ذلك كله أن تتحول هذه المرحلة إلى مناسبة لإعادة تأكيد دور مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية العليا في قيادة الاستعداد، لا الاكتفاء بتلقي التقارير. ففي المراحل الحساسة، لا يكفي أن تكون لدى المؤسسة إدارات كفؤة للمخاطر والالتزام والخزينة والتقنية، بل يجب أن يكون هناك إشراف مباشر وواعٍ من أعلى مستوى على نوعية السيناريوهات الموضوعة، وسرعة تحديثها، ومدى جاهزية المؤسسة للتعامل مع تطورات قد تكون متسارعة أو متداخلة. إن أقوى المؤسسات ليست تلك التي تملك سياسات مكتوبة فقط، بل تلك التي تملك قدرة حقيقية على تحويل السياسة إلى قرار سريع ومنضبط عند الحاجة.