الأنباط -
كتب _ خلف القرعان
في نقاش يتجدد بين الحين والآخر داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية، يعود إلى الواجهة مقترح إعادة هيكلة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بحيث تتحول إلى هيئة مستقلة تُدار بنموذج أقرب إلى البنك المركزي الأردني. وبين مؤيد يرى في الفكرة خطوة إصلاحية، ومتحفظ يخشى تبعاتها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام ضرورة أم مغامرة؟
من حيث المبدأ، يطرح المؤيدون حُججًا تبدو مقنعة. الاستقلال المؤسسي قد يحرر قرارات الضمان من التعقيدات الإدارية والتأثيرات السياسية قصيرة المدى، وهو ما يُفترض أن ينعكس على كفاءة إدارة أموال المشتركين. كما أن وجود مجلس إدارة مستقل يضم خبرات متخصصة يمكن أن يعزز من جودة القرارات الاستثمارية، خصوصًا في ظل حجم الأموال التي يديرها الصندوق. ويرى البعض أن هذا النموذج قد يرفع من مستوى الشفافية والمساءلة، ويعيد الثقة لدى شريحة من المواطنين الذين يتساءلون عن مستقبل مدخراتهم التقاعدية.
لكن في المقابل، لا تخلو الفكرة من مخاوف حقيقية. فاستقلالية الضمان، إن لم تُضبط بإطار تشريعي واضح، قد تفتح الباب أمام تراجع الرقابة الحكومية المباشرة، وهو ما قد يثير تساؤلات حول من يملك الكلمة الأخيرة في القرارات المصيرية. كما أن مقارنة الضمان بالبنك المركزي ليست مطابقة تمامًا؛ فالأول مؤسسة ذات بعد اجتماعي بامتياز، بينما الثاني يركز على الاستقرار النقدي، ما يجعل نقل النموذج بحاجة إلى حذر شديد.
هناك أيضًا قلق من أن تتحول المؤسسة، تحت شعار الاستقلال، إلى كيان يميل أكثر نحو منطق الربح والاستثمار، على حساب دورها الأساسي في الحماية الاجتماعية. فالمعادلة هنا حساسة: كيف يمكن تحقيق عوائد استثمارية جيدة دون المساس بحقوق المشتركين أو تعريض أموالهم لمخاطر غير محسوبة؟
في الشارع، تختلف الآراء. البعض يرى أن أي خطوة تعزز الشفافية وتبعد "الواسطة” عن إدارة الأموال هي خطوة في الاتجاه الصحيح. في حين يعتقد آخرون أن الضمان يجب أن يبقى تحت مظلة الدولة بشكل مباشر، باعتباره صمام أمان اجتماعي لا يحتمل التجارب.
في النهاية، لا يبدو أن القضية تتعلق فقط بشكل الإدارة، بل بجوهر الدور الذي تؤديه المؤسسة. فالإصلاح، إن حصل، لن يُقاس فقط بمدى الاستقلال، بل بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وبين هذين الحدّين، سيبقى الجدل قائمًا، بانتظار قرار يُقنع الجميع… أو على الأقل، يطمئن الأغلبية.