اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
تقرير: أسبوع من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية في الاردن الزراعة: فتح معاصر الزيتون 15 الشهر الحالي قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل جنوبي سوريا وتعتقل شابا فيسبوك يختبر واجهة جديدة تضع مقاطع الريلز في المقدمة رئيس الوزراء يوجِّه بتكثيف إجراءات الرقابة والتفتيش على المصانع والمحال التجارية المختصة بتصنيع وبيع المدافئ بورصة عمان.. المكاسب تتعزز مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي اللوزين والخنشيري والنادي والسباعنة مركز إعداد القيادات الشبابية يطلق المرحلة السادسة من برنامج «نشامى» بعنوان «التمكين السياسي» اللواء الدباس يختم مسيرته في الأمن العام برسالة مؤثرة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون توقع اتفاقية مع قمر "عربسات بدر 8" لتحسين جودة البث وتوسيع نطاق التغطية للقناتين الأولى والرياضية حين تصبح الأرضية خصمًا.. متى تنتهي قصة أرضيات ملاعب الأردن؟ وزارة الاستثمار تختتم جولة ترويجية في الهند لجذب استثمارات في قطاع المنسوجات والألبسة أمنية وريد بُل تواصلان شراكتهما لصناعة تجارب تجمع الشباب حول الرياضة والموسيقى والترفيه Umniah by Beyon and Red Bull Continue Partnership to Create Experiences That Bring Youth Together Through Sport, Music and Entertainment دوجان: حملات تفتيشية مكثفة بالتعاون مع الأمن العام لضبط العمالة المخالفة في جميع المحافظات بدءاً من الغد وزير الاقتصاد الرقمي يلتقي وفدًا من كبرى الشركات الأمريكية ويستعرض فرص الاستثمار في قطاع التكنولوجيا سلطة العقبة تحتفل باليوم العالمي للسياحة وتطلق مشاريع رقمية لتطوير تجربة الزائر ترفيع العميد رامي الدباس إلى رتبة لواء وإحالته للتقاعد Hejazeen Discusses Strengthening Public-Private Partnership with IHG Hotels & Resorts Leadership حجازين يبحث مع قيادات مجموعة فنادق ومنتجعات IHG تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص

شغف الكتابة ما بين السلم والحرب !

شغف الكتابة ما بين السلم والحرب
الأنباط -
مي صالح


الشغف في الكتابة ليس مجرد حروفا ترص على سطور الكتاب ، ولا أفكارا تسكب على أوراق الحياة ، بل هو شغف بروح نابضة تبحث عن معنى يشبع شغف صاحبها ، قد تتمثل في الشعور برعشة تثلج الصدر عند نجاح الكاتب في إصابة الكلمات والأفكار بعدما ضاق القلب وضيق على قلبه العالم ، فيمد يده إلى اليراع ( القلم ) مستنجدا به كسلاح يخرجه من عتمة المعنى إلى نور الإفصاح عنها على سطور صفحات قلبه فيزيح عن قلبه ثقل ما حمله من كلمات وعبارات ضاق بها صمت قلبه .
فالشغف في الكتابة ليس ترفا فكريا فقط ولا مجرد عادة مؤقتة وعابرة ؛إنه نار خفية بين ثنايا القلب ، تسكن أعماق الفؤاد ، فإذا اشتعلت أثارت حفيظة الحنين وأضاءت ميالك الروح ، وإذا خمدت خبا معها نبض الحياة عند الكاتب ليبقى جسدا دون روح فيموت وهج روحه رويدا رويدا .

في زمن السلم ، يكون الشغف ممزوجا عند الكاتب بنقاء التأمل وصفاء هدوئه ، هنا تكون الكتابة مرآة السكينة والطمأنينة، وهو يبحر بقلمه بسلام ، فقد تجد الكاتب يجلس إلى نافذته ، يتأمل الأفق ويصغي إلى همس قلبه والأشياء الجميلة من حوله ، فرحا بمحيط حياته التي تستحق أن تروى ، فينبهر ويبهر من يتابعه بانسياب نصوصه التي هي كنسيم عليل يلامس كل عاشق للكلمة ، لأن من نثرها فنان بريشته ، الذي يتفنن برسم ملامح الحب والسلام فيؤنس بتفاصيل زمانه الصغيرة ويسهب حتى تتعملق حبا وشوقا في قراءتها من قبل القراء بسبب قلمه المحلق في الهواء ، كريشة يقلّبها الهواء بحب وسكينة .

لكن عندما تندلع الحرب، يتغير ايقاع الحروف وتتبدل ألحان السمفونية التي كانت تتصف بالحروف الراقصة فرحا بلحن الحياة ، لتتحول إلى دراما حزينة لا لحن لها غير لحن البقاء .
في الحرب لا شغف يكتب بروح الرفاهية والفرح ، بل تغدو رسالة يجب أن تؤدّى في نثر الحقيقة على صفحات التاريخ، ونصوصا أدبية تعكس واقع الحرب لتكون شهادة وشاهدا على العصر والتاريخ ، وصرخة في وجه الظلم والنسيان ، فقد تجد الكاتب مثقلا غير قادر على التحليق كما في السلم ، لا لأن الحبر نفد ، بل لأن الألم والحزن قد فاض بما يشهده من قتل ودمار وظروف صعبة تحت صوت المسيرات والصواريخ وصافرات الإنذار وما يحيط بسطوره من ظلم ، فتصبح كل جملة موقفا أخلاقيا ومنهجا ثابتا كي يرسخ الحقيقة وسط الأكاذيب المطروحة ، ولكي لا تُمحى وجوه الأبطال من الذاكرة والأهم ، كي لا يتحول كل هذا المشهد والشهداء إلى مجرد رقم في نشرة الأخبار .
في الحرب يُعرف الكاتب المخضرم ، لأنه يكتب من رحم المعاناة لتبقى كلماته حية وسط الرماد، وقوية وسط الضعف ، ووحشا كاسرا أمام العدو التي بحروف نبض كلماته لن تموت الحقيقة أبدا ، وبالكلمة المخلصة في حق ما يراه القلب قبل العين سيصمد لا محالة أمام ضجيج المدافع وخذلان من خذل ، وقد تتشقق الصفحات بسبب الشظايا الغادرة ، لكن المعنى يظل نابضا ، لأن شغف الكتابة في جوهره ايمانا بأن للإنسان صوتا يجب أن يُسمع ، حتى لو ارتجف قلمه من توالي الضربات .
فما بين السلم والحرب ، قد تتبدل نبرة القلم ولكن ، لا ولن ينطفئ شغفه . كما في السلم ، يكتب القلم ليزهر العالم ، وفي الحرب ، يكتب كي لا ينطفئ وتموت الحقيقة . ففي الأولى يحتفي بالحياة ، وفي الثانية يدافع عنها بكل جوارح حروف نبض قلبه . وبين ذلك وذاك يبقى الكاتب شاهدا لا يساوم ، وحارسا للمعني لا ينام أو يغفل.
فالشغف نبض صادق للذين يؤمنون أن الحرف يمكن أن يكون سلاحا أقوى من كل القذائف و البوارج ، ووطنا يستحق لأجله أن يجاهد لأجله ، فالنص إذا كتب بنبض الروح الصادقة صار حصنا منيعا لا يستطيع أحد المساس بقدسية سطوره ، وأن الكلمة مهما حاصرها دخان الحرب قادرة على أن تفتح نافذة في جدار الحرب وتُخرج منها كل الصمت العالق تحت الركام لينال السواد والدمار قليلا من ضوء السلم .
وفي السلم، نصادق ونتغنى بالفكر والكلمات لأننا نملك فسحة الوقت الآمن ، نبدع بكتاباتنا بأن نتتقل بين الفلسفة والشعر ، بين التاريخ والرواية ، كما يتنقل الطائر بين أغصان الشجر ، لا خوف يلاحقنا ولا قلق يخطف حروفنا ، بل يتجلى الشغف كترف ، في طمأنينة تصنع من الانسان كاتبا فتهذب وجدانه ، وتحرك مشاعره المتفائلة بالأمل بينما حين تعصف الحروب ، ويتلاشى الأمن والأمان على أرصفة الطرق ، يتحول الشغف من ترف إلى ضرورة ملحة يجب أن يشحنها الكاتب لتنبثق منه روح المقاومة وذلك لنحفظ ما تبقى من انسانيتنا وكرامة صفحاتنا ، لتخرس كلماتنا أصوات المدافع وتبقى سطورنا الصادقة أعلى من أزيز الرصاص ليتجلى الشغف بالكتابة بتجسيده الصمود ، وروحا أقوى من الفوضى والدمار .

وأخيرا وليس آخرا ، الأمم التي تعشق الكتب في السلم ، تحسن الاحتماء بها في الحرب ، والقلوب التي تتربى على عشق الحرف والمعنى ، لا تنكسر بسهولة أمام أشرس العواصف .
وهكذا يبقى الشغف جسرا بين زمنيين :
زمن نحيا فيه ونتنوع بالكتابة بجميع الأجناس الأدبية بفرح وطمأنينة ، وزمن نقاتل فيه كي نحيا ، وتكون الكتابة ضرورة حتمية مرهونة بالواقع المحيط بالكاتب ، وفي الحالتين ، تظل الكلمة هي الوطن الذي لا يمكن لأي أحد أو شيء أن يحتله ، والملاذ الذي لا يسقط ، والنور الذي لا تنطفئ شعلته ، مهما امتد صمت السلم أو طال ظلام الحرب ، لنكتب تاريخنا بالحبر لا بالدم .

وكم أنا ممتنة لذلك الشغف الذي كان سببا في إصدار كتابي بعنوان " شهقات ثائرة " الذي وضعت على صفحاته الكثير من الوقائع والحقائق التي حدثت بالفعل في الحرب ، تنوعت فيه الأجناس من القصص والمقالة والشعر وكذلك الخاطرة ، وأغلب النصوص كانت بالفعل على لسان أصحابها من وسط الحدث ، ولا انسى ما قادني إليه الشغف في أن احتوي الاناشيد الوطنية والثورية القديمة في أحد زوايا الكتاب ، لتبقى تدق في ناقوس الذكريات ويتداولها الأجيال ، جيل بعد جيل .
فلا روح لكتاباتنا دون شغف ، ولا نبض يبلسم حروف الكاتب ليزيدها جمالا دون ذلك الشغف .
أدام الله شغف كل كاتب .
ودام نبض كلماتنا لتصبح درعا خفيا نحتمي بها أمام هول ما فاض به القلب من عبارات مكبوته وانكسارات أمام ما خلفته الحرب في حياة كل كاتب .

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير