بقلم ديما الحسين
يوم ما سلّم طارق آخر ورقة امتحان، هبة استقبلته على باب المدرسة بحضن طويل. "خلصت يا أمي، الحمدلله خلصنا". أول يومين كانوا زي العيد، سهرة، بيتزا، أصحاب زاروه لأول مرة من شهور. هبة شعرت إنه أخيرا رجع ابنها الطبيعي. بس من اليوم الثالث، اشي بدأ يتغير. طارق صار يفحص موبايله كل شوي، يسأل "في حدا حكى شي عن موعد النتيجة؟"، ويتنرفز من أبسط الأسئلة. هبة فكرت إنه لسا متعب من الامتحان، بس اللي كانت شايفته قدامها مش تعب، كان قلق من نوع تاني، قلق الانتظار. وبهذه اللحظة اكتشفت امه إنه في اشي اسمه صدمة ما بعد الامتحان، وإنها مش لحالها في هذه التجربة.
فترة انتظار النتيجة أحيانا بتكون أصعب نفسيا من الامتحان نفسه
كل أم أردنية متخيلة نفس المشهد بعد آخر امتحان: ابنها يرتاح، ينام، يطلع مع أصحابه، وينسى الموضوع كله لحد ما تطلع النتيجة. وفعلا أول يومين أو ثلاثة بيصيروا هيك تقريبا. بس بعدها في بيوت كتير بتكتشف إنه الراحة ما كملت، وإنه مكانها إجت مرحلة توتر من نوع مختلف. هاي الفجوة بين التوقع والواقع هي بالذات اللي بتخلي كتير أمهات يحسوا بالحيرة أو حتى بالذنب. الأم بتفكر "شو سويت غلط؟ ليش مش مبسوط زي ما توقعت؟"، بينما الحقيقة إنه الأمر ما له علاقة فيها أصلا، هو بس رد فعل طبيعي لجسم ودماغ عاشوا سنتين بحالة تأهب دائم. السبب بسيط لما تفكري فيه. طارق قضى سنتين وحياته كلها مرتبة حوالين هدف واحد واضح، وهو الامتحان. لما الامتحان خلص، الهدف اختفى، بس النتيجة يلي بتحدد المصير لسا معلقة بالهوا لأسابيع. هاي المنطقة الرمادية، بين "خلصت" و"لسا ما عرف مصيره"، هي أصعب مرحلة نفسية من كتير مراحل التوجيهي نفسها، لأنه فيها مجهول كامل وما في اشي الابن بيقدر يعمله يغيّر فيه شي.
مش لازم نحطها بقالب طبي أو نلصق عليها تشخيص، لأنه كل أهل ولاده مختلفين عن بعض. بس في نمط ملاحظ كتير عند أمهات المنطقة بهالفترة بالذات: حالة من القلق المعلق، الجسم مرتاح بس الدماغ لسا بوضع تأهب، وهاي الحالة بتطلع بشكل عصبية، قلة نوم، أو حتى صمت غريب عند ابن كان أول كان يحكي معك بشكل طبيعي. في فرق بسيط بس مهم بين نوعين من القلق هون. في قلق "إنتاجي"، يعني الابن قلقان بس بيستخدم القلق هذا يفكر بخطة بديلة، يسأل عن تخصصات، يحضر نفسه لأكتر من سيناريو. وفي قلق "مشلول"، يعني القلق نفسه بيمنعه يفكر أصلا، بيضل بحلقة تفكير مكررة بدون أي تقدم، وهاد النوع الثاني هو اللي بيستهلك طاقته النفسية أكتر وبيحتاج تدخل ألطف من الأهل. الموضوع مش مبالغة أو تهويل. تقرير مفصل نشرته منصة حبر الأردنية بين إنه الاضطرابات النفسية صارت من أكبر أسباب اعتلال الصحة عند الأردنيين بعمر 10 إلى 19 سنة، وتشكل نسبة كبيرة من العبء مقارنة بمرضي الكلي في هذه الفئة العمرية. القلق تحديدا من أكتر الحالات انتشارا، وفترات الانتظار المصيرية زي انتظار نتيجة التوجيهي من أكتر المحفزات وضوحا له. وحتى على المستوى الرسمي، صار في اهتمام واضح في هذا الملف. الجامعة الاردنية اطلقت مؤخرا مشروع علمي هدفه تحسين مؤشرات الصحة النفسية عند الأطفال والمراهقين وخفض مستويات القلق عندهم، وهاد إشارة إنه حتى المؤسسات الأكاديمية عندنا صارت تشوف إنه صحة ولادنا النفسية موضوع بيستاهل استثمار حقيقي، مش رفاهية.
مش كل تغيير بمزاج ابنك بعد الامتحان معناه في مشكلة. بس في فرق بين توتر طبيعي مؤقت وبين نمط متكرر بيستمر الى اسابيع. من أكتر الإشارات اللي بتشوفها الأمهات بهالفترة بالذات:
لو لاحظت الام وحدة أو اثنتين من هاي العلامات، هاد وارد جدا ومنطقي بفترة انتظار مصيرية. اللي بيستاهل انتباه أكبر هو لما هاي العلامات تصير شديدة جدا وتأثر على أكله ونومه بشكل واضح طول فترة الانتظار. مفيد كمان ان تراقب الام الفرق بين "قلق ظاهر" و"قلق مخفي". في أبناء لديهم القدرة لتعبير عن توترهم بشكل واضح، عصبية، كلام كتير عن الخوف. وفي أبناء تانيين يلجأوا الى إخفاء قلقهم تماما، ويكونوا هادئين جدا لدرجة مريبة، وهاد النوع الثاني أحيانا أصعب من اي ام ان تلاحظه لأنه ما في إشارة ظاهرة توجهك، بس الهدوء المبالغ فيه بعد فترة ضغط طويلة ممكن يكون إشارة بحد ذاته.
الحضور الهادي من غير أسئلة عن النتيجة مريح أكتر من أي كلام
الفرق الأساسي هو الشدة والاستمرارية. ابن قلق من النتيجة، طبيعي يسأل، يتنرفز أحيانا، يفحص موبايله. هاد توتر متوقع تماما لأي إنسان مستني قرار مصيري. اللي مختلف هو لما القلق يوقف حياته اليومية بشكل كامل، يعني يرفض يطلع من غرفته، ما يقدر ينام أصلا، أو يبين عليه خوف مبالغ فيه لدرجة إنه يتجنب أي حديث حتى عادي مع العائلة. هون الموضوع مش قلق طبيعي من نتيجة، هون في حمل نفسي أكبر محتاج مساحة فهم أعمق. بنفس الوقت، لازم ننتبه نحن الامهات إنه إحنا كمان قلقانين، وأحيانا توترنا احنا بينعكس عالجو العام بالبيت أكتر مما نشعر. حكينا بمقال سابق عن السر اللي ما حدا بيحكيه عن أمّهات التوجيهي، وهذا الارهاق أحيانا بيخلينا نفسر قلق الابن بشكل أقسى مما هو فعلا.
كتير أمهات بيركزوا كل جهدهم على علاقتهم مع الابن، وبينسوا إنه جو البيت كله هو اللي عم يشكل شعوره بالأمان في هذه الفترة. الأب، الإخوة، حتى الجدة اللي بتزور حفيدها كل يومين، كلهم شركاء بالصورة الكاملة، وأحيانا كلمة وحدة من شخص تاني بالبيت تلغي كل جهد الأم في الأسبوع. لو الأب مثلا بيسأل بشكل يومي "شو الأخبار؟" بنبرة فيها ترقب وقلق، الرسالة اللي بتوصل لطارق إنه حتى أبوه مش مطمن، وهاد بيرفع التوتر ولا يخففه. أهم اشي تحكيه أيتها الأم لباقي أفراد البيت إنه أفضل مساعدة الآن هي عدم السؤال، مش كثر الاسئلة. الإخوة الأصغر كمان ممكن يعملوا فرق كبير من غير ما يقصدوا. مقارنات بسيطة زي "أنا لما كنت بالتوجيهي..." أو حتى مزح بريء عن النتيجة ممكن يوصل لطارق نوع من انواع الضغط الإضافي بلحظة هو أصلا حساس فيها. أفضل شي تعمله الأم إنها تحكي بهدوء مع باقي الأولاد قبل ما الموضوع يصير مصدر توتر جماعي، وتشرحلهم إنه أخوهم محتاج مساحة هلق أكتر من أي وقت تاني.
دور الأم مهم جدا، بس في اشي كمان الابن نفسه يقدر يعمله يخفف عنه، ومفيد الأم تشجعه عليه بلطف من غير فرض.
في خط فاصل واضح لازم كل أم تعرفه. لو القلق وصل لدرجة إنه ما بينام أبدا لأيام متتالية، أو رفض كامل للأكل، أو نوبات هلع واضحة، هون الوقت المناسب إنه تفكري باستشارة مختص نفسي، مش لأنه "في مشكلة كبيرة"، بس لأنه أحيانا وجود شخص محايد بيساعد الابن يعبر عن قلق ما بيقدر يحكيه لأهله مباشرة، خصوصا لما يكون خايف يخيب ظنهم. ما تخافي من الخطوة هاي ولا تشوفيها وصمة. الاهتمام المؤسسي اللي صار موجود حاليا بالأردن بموضوع الصحة النفسية للمراهقين يدل إنه الموضوع صار جزء طبيعي من ثقافة الاهتمام في الابناء، مش استثناء. وإذا كنتي مترددة كيف تفتحي الموضوع معه، ما في داعي تحكيله "بدنا نروح لدكتور نفسي" بشكل مباشر ومباغت، لأنه هاي الصياغة وحدها ممكن تخوفه أو تخليه يحس إنه في اشي غلط فيه. أبسط طريقة إنك تحكيله "شو رأيك نحكي مع حدا متخصص يساعدك تنظم أفكارك في هذه الفترة، مش لأنه في مشكلة، بس عشان يكون عندك مكان تفرغ فيه اللي جوا راسك". الصياغة هاي بتخفف من حدة الفكرة وبتخليها تبدو خيار طبيعي مش حكم عليه.
هبة وقفت تسأله عن النتيجة يوميا، وبلشت بس تسأله "شو حابب تاكل اليوم؟" و"يلا نطلع نمشي شوي". ما علقت لما شافته يفحص موبايله كل شوي، وما حاولت تطمنه بجمل جاهزة. بعد أسبوعين تقريبا، طارق نفسه جلس جنبها مساء وقالها "ماما، خايف أخيب أملك". هاي الجملة كانت كافية إنها تعرف إنه القلق يلي كانت حاسيته مش كسل ولا دلع، كان خوف حقيقي محتاج بس مكان آمن يطلع منه. وهون فهمت إنه أهم شي قدرت تعطيه إياه مش الطمائنينة الجاهزة، كان الوجود الهادي اللي خلاه يحس إنه مقبول مهما كانت النتيجة. هبة ما غيرت شي كبير بتصرفها، بس غيرت الزاوية يلي كانت شايفة منها ابنها. بدل ما تشوفه "قاعد ما بيسوي شي"، صارت تشوفه "عم يمر بمرحلة محتاجة وقت". وهاد التغيير البسيط بطريقة تفكيرها هو اللي فتح الباب لطارق إنه يحكي، لأنه حس إنه مش لازم يتظاهر إنه الامور تمام قدامها. وهاي بالضبط رسالة المقال كله، مش إنك تجملي القلق أو تلغيه، هاد مش بإيدك أصلا. بس إنك تكوني المساحة الآمنة يلي ابنك يقدر يحط فيها حمله لحظة بلحظة، لحد ما توصل النتيجة وتفتح باب جديد كامل.
هل كل الطلاب بيمروا بتوتر انتظار النتيجة بنفس الشدة؟
لا، مش كل الأبناء بيمروا فيه بنفس الشدة. في طلاب بيرتاحوا نسبيا خلال فترة الانتظار وينسوا الموضوع، والفرق بيرجع لشخصية الابن ومستوى الضغط اللي عاشه خلال السنة.
كم المدة الطبيعية لفترة انتظار النتيجة؟
غالبا التوتر بيكون أعلى خلال اول اسبوعين وبعدها يخف تدريجيا حتى لو ما طلعت النتيجة بعد. إذا ضل بنفس الشدة طول الفترة، يفضل التفكير باستشارة مختص.
هل أسأله عن النتيجة ممن اجل الإطمئنان عليه؟
الأفضل لأ. سؤالك المتكرر يولد له التوتر من جديد. خليه هو يفتح الموضوع لما يحس إنه جاهز يحكي.
شو أسوي لو رفض يحكي معي عن قلقه؟
ما تجبريه يحكي. خليه يعرف إنك موجودة لما بيحتاجك، وركزي على الأفعال الصغيرة بدل الأسئلة المباشرة، زي إنك تقعدي جنبه بدون أي سؤال عن اي شيء.
هل دور الأب مهم بنفس دور الأم في هذه الفترة؟
أكيد. جو البيت كله بيأثر على شعور الابن بالأمان، مش بس علاقته بالأم. أفضل مساعدة من باقي أفراد البيت هي تقليل الأسئلة المتكررة عن النتيجة، مش زيادتها.
فترة انتظار نتيجة التوجيهي مش مجرد أسابيع بتمر وبتنتهي، هي كمان اختبار من نوع تاني، اختبار للأهل قبل الأبناء. اختبار عنوانه الصبر، اختبار القدرة التي تضبط قلقنا احنا قبل ما نطلب من ولادنا يضبطوا قلقهم. ابنك مش محتاج منك حل جاهز ولا كلام يطمنه بشكل مؤقت. محتاج بس يحس إنه، مهما طلعت النتيجة، مكانه بقلبك وببيتك ثابت وما بيتغير. هاي الرسالة، لو وصلته بصدق خلال هذه الأسابيع، رح تبقى معه أطول من أي معدل ورقي، ورح تكون الأساس اللي بيبني عليه ثقته بنفسه بأي مرحلة جاية بحياته.