الأنباط -
نضال أنور المجالي* خاص الانباط
حين يرتفع الصوت ليتحدث عن الكبار، عن قامات بحجم "وصفي" و"حابس"، علينا أن نتذكر أولاً أننا لا نتحدث عن أسماء عابرة في كتاب التاريخ، بل عن أعمدة رفعت سقف هذا الوطن بدمائها، وعرقها، وصبر رجالاتها. وعندما نرد اليوم، لا نرد بصفة كاتب ينمق الحروف، بل بصفتنا جزءاً من هذا الامتداد الأردني الأصيل، بصفتي "مجلياً" يدرك تماماً ماذا تعني الرمزية الوطنية، وكيف تُصنع الهيبة في مجالس الرجال وفي خنادق الشرف.
لقد أصبحنا، وللأسف، في زمنٍ نرى ونسمع فيه كل يوم تصريحات تخرج من بعض "رجال هذه الأيام"، تصريحات لا رصيد لها من فكر أو مسؤولية، ولا هدف لها إلا استعراض المنصات وجمع "اللايكات" وتصدر المشهد العابر. لكن المفارقة العجيبة والخطيرة هي تجرؤ هؤلاء على قامات وطنية يزن الواحد منهم أمة؛ فعندما تُذكر أسماء كحابس ووصفي، لا مكان للاستعراض، بل عليك أن تقف احتراماً وإجلالاً لتاريخٍ صُنع بالدم والبارود، لا بالشاشات والميكروفونات.
خرج من يقول بأسلوب يفتقر لعمق القراءة والتقدير: "يا زلمة وصفي كان يسهر وحابس ويألفو أغاني".. وكأن تلك الجلسات كانت مجرد تزجية للوقت أو لهواً عابراً! وهنا مكمن الخلل؛ فالكبار حين كانوا يسهرون، لم تكن سهراتهم ترفاً، وحين كانوا يغنون، لم يكن غناؤهم طرباً للذات، بل كان "غناءً في الوطن وللوطن".
كانت سهرات حابس الباشا ووصفي التل ورجالات الرعيل الأول هي "مطابخ القرار الوطني"، كانت خلوات فكرية تُصاغ فيها استراتيجيات الصمود، وتُبنى فيها عقيدة الانتماء. كان "الشعر" الذي ينظمه حابس إرثاً بدوياً أصيلاً يحمل حداء الخيل وصوت البارود، يشد به عزم الجنود على خطوط النار في اللطرون وباب الواد. الأغاني التي ولدت من عباءة حابس وروح وصفي كانت أناشيد وطنية صاغت وجدان الأردنيين، وبثت روح العزة في عروق العسكر، لتتحول الحروف إلى رصاص في وجه الطامعين.
يا هؤلاء..
وصفي لم يكن مجرد مسؤول يمر عليه المساء؛ كان يحمل همّ الفلاح في حقل السنديان، وهمّ الجندي المرابط على الحدود، وهمّ الأمة في فلسطين. وحابس لم يكن مجرد قائد عسكري؛ كان رمزاً للمؤسسة العسكرية التي سيجت الوطن بالمهج والأرواح. عندما كان يلتئم شملهم، كانت الأردن حاضراً في كل نبضة، وفي كل كلمة، وفي كل قصيدة. كانوا يغنون للأرض، للقمح، للهوية الطاهرة التي لا تقبل المساومة.
إن محاولة تسطيح هذا الإرث العظيم أو تصويره في إطار "السهر والتأليف" الساذج لغايات الإثارة، هي إساءة غير مقبولة لوعي الأردنيين وتاريخهم. الكبار لم يتركوا لنا ملاهي، بل تركوا لنا وطناً عصياً على الانكسار، ومؤسسات راسخة، وإرثاً من الكرامة لا يطاله التشكيك.
نحن أبناء هذا التاريخ، وأبناء هؤلاء الرجال، لا نسمح بأن تُقزم قاماتنا الوطنية في سياق أحاديث الفيديو العابرة. ليتعلم رجال اللحظة والـ "لايكات" حدود الكلام، ورحم الله وصفي وحابس، ورحم الله كل يدٍ سهرت لتبني، وكل حنجرة غنت باسم الأردن ليظل حراً، منيعاً، ومهاباً تحت ظل قيادته الهاشمية.
فهنا الأردن.. وهنا تُحترم الرموز، ويُصان التاريخ.حفظ الله الاردن والهاشمين