اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الأردن يدين تجدد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين والكويت بين سهر الكبار وغناء الوطن.. هنا الأردن وهنا رجاله! الأمن الوطني الشامل: حين تكون كل كلمة معركة، وكل عقل خط دفاع أبو غزالة: «صندوق ابتكر» صندوق عربي للاستثمار في المشاريع الابتكارية الصين تصدر خطة عمل بشأن التعاون والتنمية في مجال الذكاء الاصطناعي الحكومة: تمكين شركات الأردنيين في الخارج من الاستثمار داخل المملكة المستقلة للانتخاب تختتم المرحلة الثانية من برنامج تعزيز المهارات القيادية للنساء الحزبيات وفد من المستشفى الميداني الأردني نابلس/11 يزور مقبرة شهداء الجيش العربي في نابلس م. أبو هديب: "كيمابكو" أول شركة من القطاع الخاص في المملكة تتبنى التزاماً طوعياً لخفض انبعاثات أكسيد النيتروز صناعة الأردن: أكثر من 2500 منتج صناعي أردني يصل إلى 150 دولة حول العالم شي يجدد التأكيد على دعم الصين الثابت للأمم المتحدة خلال اجتماعه مع جوتيريش مهرجان جرش يعزز تمكين المرأة والمجتمع المحلي من خلال بازار "جراسا" رواية شيركيسيا في أجزائها الثلاث للكاتبة نرين طلعت «ذاكرة شعب» القوات المسلحة الأردنية: اعتراض وإسقاط أربع طائرات مسيّرة دخلت أجواء المملكة 19.7 مليار دينار موجودات "استثمار أموال الضمان" بنهاية النصف الأول من 2026 التربية: 292 مخالفة خلال امتحان الثانوية العامة وفد عسكري أردني يزور وحدة الطائرات العمودية الكونغو/2 445 ألف رحلة للشاحنات بالعقبة خلال أربعة أشهر الإعلان عن إطلاق مرحلة جديدة لـ "أكاديمية البرمجة من أورنج" 82.5 دينارا سعر الذهب عيار 21 في السوق المحلية

الأمن الوطني الشامل: حين تكون كل كلمة معركة، وكل عقل خط دفاع

الأمن الوطني الشامل حين تكون كل كلمة معركة، وكل عقل خط دفاع
الأنباط -
الأمن الوطني الشامل: حين تكون كل كلمة معركة، وكل عقل خط دفاع

المهندس أحمد نضال عواد

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية بصورة غير مسبوقة، لم يعد الأمن الوطني مفهوماً يُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها أو مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، بل أصبح منظومة وطنية متكاملة ترتبط بحماية الإنسان والمجتمع والدولة ومصالحها العليا وقدرتها على الاستمرار والتطور والصمود والمرونة في مواجهة مختلف التحديات.

لقد انتقل العالم من مفهوم الأمن التقليدي الذي ركّز لعقود طويلة على حماية الحدود والسيادة، إلى مفهوم أكثر شمولاً واتساعاً يربط الأمن بالاقتصاد والتعليم والصحة والطاقة والمياه والتكنولوجيا والهوية الوطنية والتماسك المجتمعي والفضاء الرقمي. فالدول الحديثة لا تُقاس قوتها بما تمتلكه من إمكانات دفاعية فقط، بل بقدرتها على بناء مجتمع واعٍ، واقتصاد قوي، ومؤسسات كفؤة، وبيئة وطنية مستقرة قادرة على مواجهة المتغيرات واستشراف المستقبل.

وفي الفكر الاستراتيجي الحديث، لم يعد الأمن الوطني مسؤولية قطاع بعينه، بل أصبح نتاجاً لتكامل عناصر القوة الوطنية الشاملة الأمنية و السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والإعلامية. فكل عنصر من هذه العناصر يشكل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني، وأي خلل أو ضعف في أحدها ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في حماية مصالحها الوطنية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

واليوم، وفي ظل ما تشهده منطقتنا والعالم من أزمات وصراعات وتحولات متسارعة، أصبحت التهديدات أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى. فالحروب لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل باتت تُدار أيضاً عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي وشبكات المعلومات. وأصبح التضليل الإعلامي، والشائعات الممنهجة، والهجمات السيبرانية، والحروب المعرفية، ومحاولات التأثير على الرأي العام، أدوات تستخدمها بعض الجهات لإضعاف الدول وزعزعة استقرار المجتمعات دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة.

إن أخطر ما في هذه التهديدات أنها تستهدف الوعي قبل أن تستهدف البنية التحتية، وتستهدف الثقة الوطنية قبل أن تستهدف المؤسسات. فحين يفقد المواطن ثقته بمؤسسات دولته، أو تنجح الشائعات في تعميق الانقسام المجتمعي، يصبح الخطر مضاعفاً مهما بلغت قوة الدولة في المجالات الأخرى.

ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي بوصفه أحد أهم أدوات الأمن الوطني في العصر الحديث. فالمواطن الواعي لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح مطالباً بتمحيصها وتحليلها والتحقق من مصدرها قبل تصديقها أو إعادة نشرها. والسؤال البسيط: "من أين جاءت هذه المعلومة؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من نشرها؟" قد يكون أحياناً أكثر أهمية من المعلومة نفسها.

إن الوعي بخطورة الأخبار المضللة، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين الوقائع والشائعات، وبين التحليل والتأويل، يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل والتشكيك والاستقطاب. كما أن الرجوع إلى المصادر الرسمية والجهات المختصة ووسائل الإعلام المهنية الموثوقة يجب أن يكون قاعدة ثابتة في التعامل مع أي حدث أو أزمة أو معلومة متداولة.

وفي المقابل، فإن التماسك المجتمعي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الوطني الشامل. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار دائماً بسبب قوة أعدائها، بل قد تضعف عندما تتآكل عوامل وحدتها الداخلية. لذلك فإن تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون، واحترام التنوع، ونبذ خطاب الكراهية والإقصاء، تشكل جميعها عناصر قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي عنصر آخر من عناصر القوة الوطنية.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمع المتماسك أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والتحديات الأمنية والسياسية. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ثقافة وسلوك وممارسة يومية تعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وتدعم الاستقرار والتنمية وتؤكد دور كل فرد في المجتمع في تعظيم قيم المواطنة والانتماء التي يترجمها العمل والإنتاج والالتزام بالمسؤولية.

ولا يكتمل الحديث عن الأمن الوطني الشامل دون التطرق إلى الأمن الاقتصادي، الذي أصبح أحد أهم مرتكزات الاستقرار الوطني. فتعزيز الاستثمار، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتمكين الشباب، وتطوير التعليم والتدريب، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقة، لم تعد ملفات تنموية منفصلة، بل أصبحت مكونات أساسية للأمن الوطني. فكلما ازدادت قدرة الدولة على توفير حياة كريمة لمواطنيها وتعزيز تنافسية اقتصادها، ازدادت قدرتها على مواجهة الضغوط والأزمات والتحديات الإقليمية والدولية.

وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم "الصمود الوطني" باعتباره أحد أهم المفاهيم الحديثة في الدراسات الاستراتيجية. فالدول الناجحة ليست تلك التي لا تواجه أزمات، بل تلك التي تمتلك القدرة على التكيف معها والتعافي منها وتحويل التحديات إلى فرص. والصمود الوطني يبدأ من جاهزية المؤسسات، ومرونة الاقتصاد، وكفاءة منظومات التعليم والتدريب والصحة، وقدرة البنية التحتية على الاستمرار، وينتهي بوعي المواطن وثقته بوطنه وقدرته على المشاركة الإيجابية في مواجهة مختلف التحديات.

وقد أثبت الأردن خلال العقود الماضية نموذجاً متقدماً في الصمود الوطني رغم محدودية الموارد وكثرة التحديات الإقليمية المحيطة. فقد تمكن من المحافظة على أمنه واستقراره ومؤسساته واستمرار خدماته الأساسية في ظروف إقليمية شديدة التعقيد، وهو ما يعكس قوة الدولة الأردنية وتماسك مجتمعها وحكمة قيادتها ووعي أبنائها.

كما أن استشراف المستقبل أصبح اليوم جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن الوطني الشامل. فالدول التي تكتفي بإدارة الحاضر قد تنجح مؤقتاً، أما الدول التي تبني قدراتها على قراءة المتغيرات واستباق المخاطر وصناعة الفرص فهي الأقدر على حماية مصالحها الوطنية وتعزيز مكانتها في عالم سريع التغير. لذلك فإن الاستثمار في المعرفة والابتكار والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني للدولة.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأمن الوطني مسؤولية الأجهزة الأمنية المختصة وحدها. فالحقيقة أن الأمن الوطني الشامل مسؤولية جماعية تشترك فيها جميع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمراكز الأكاديمية والمواطنون على حد سواء. فالمعلم الذي يبني الوعي، والطبيب الذي يحمي صحة المجتمع، والمهندس الذي يساهم في التنمية، ورجل الأعمال الذي يخلق فرص العمل، والإعلامي الذي ينقل الحقيقة بمسؤولية، والموظف الذي يؤدي واجبه بإخلاص، والطالب الذي يستثمر علمه لخدمة وطنه، جميعهم شركاء في بناء منظومة الأمن الوطني.

إن الأمن الوطني الشامل ليس مشروعاً أمنياً فقط، بل هو مشروع تنموي وحضاري متكامل، يقوم على توظيف جميع عناصر القوة الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية في سبيل حماية الدولة وتعزيز استقرارها وتحقيق التنمية المستدامة لأبنائها.

وفي الأردن، حيث شكلت القيادة الهاشمية على الدوام نموذجاً في الحكمة والاعتدال واستشراف المستقبل، يبقى الحفاظ على الأمن الوطني مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً دائماً، ويقظة مستمرة، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، وإيماناً راسخاً بأن قوة الوطن لا تُبنى بالمؤسسات وحدها، بل تُبنى أيضاً بعقول أبنائه ووعيهم وانتمائهم وإخلاصهم.

إن الأمن الوطني يبدأ من فكرة، ويتعزز بسلوك، ويترسخ بثقافة، ويتحول إلى قوة عندما يصبح مسؤولية الجميع. فالأوطان لا تُحمى بالقوة وحدها، بل تُحمى بالوعي، وتُبنى بالعمل، وتستمر بالثقة المتبادلة بين الدولة ومواطنيها. وعندما يدرك كل فرد أن نجاحه الشخصي مرتبط بنجاح وطنه، وأن استقرار الوطن هو الضمانة الحقيقية لمستقبل الأجيال القادمة، يصبح الأمن الوطني ثقافة مجتمعية راسخة ومشروعاً وطنياً مستداماً يحفظ الدولة ويصون مكتسباتها ويعزز قدرتها على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة فرص المستقبل.

حمى الله الأردن، قيادةً وشعباً ومؤسسات، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعله دائماً نموذجاً في الصمود والوعي والتماسك الوطني والازدهار، فالنجمة السباعية في علمنا الأردني تستحق منّا جميعاً الأفضل دائماً.

ودائماً فلنتذكر قول اللّه عز وجل:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ صدق اللّه العظيم.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير