مونديال كأس العالم 2026
التحكيم في مونديال 2026
الأنباط – ميناس بني ياسين
هل أصبحت العدالة التحكيمية في كأس العالم 2026 محل شك؟ ولماذا يتدخل حكم الفيديو المساعد (VAR) في مواقف، بينما يغيب عن حالات أخرى لا تقل تأثيرًا رغم احتجاجات اللاعبين والجماهير؟ وهل تخضع جميع المباريات للمعايير نفسها، أم أن آلية التدخل باتت تثير من التساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات؟
هذه الأسئلة لم تعد حكرًا على جماهير منتخب بعينه، بل تحولت إلى قاسم مشترك بين مشجعي منتخبات من مختلف القارات، بعدما شهدت البطولة سلسلة متواصلة من الحالات التحكيمية المثيرة للجدل، حتى أصبح الحديث عن الحكام وتقنية الفيديو ينافس الحديث عن النجوم والأهداف والنتائج.
ترامب يقتحم المشهد التحكيمي
وزاد المشهد إثارة عندما خرج الجدل من حدود المستطيل الأخضر إلى الساحة السياسية، بعدما كشفت تقارير إعلامية أن الرئيس الأمريكي ترامب طالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بإلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها اللاعببولغون خلال البطولة وبغض النظر عن مصير الطلب أو القرار النهائي، فإن مجرد صدور مثل هذا الموقف أثار موجة واسعة من التساؤلات داخل الأوساط الرياضية: هل ينبغي أن تبقى القرارات التحكيمية بمنأى عن أي ضغوط أو تدخلات سياسية؟ وكيف يمكن لبطولة تعد الأكبر والأكثر شعبية في العالم، والتي يفترض أن تمثل النموذج الأعلى للروح الرياضية والمنافسة العادلة، أن تجد نفسها أمام مثل هذا المشهد؟
وإذا كان هذا الحدث قد أثار علامات استفهام حول استقلالية المنظومة التحكيمية، فإن ما جرى داخل الملاعب طوال البطولة زاد من حدة الجدل، بعدما توالت الاعتراضات من جماهير ومنتخبات عدة على قرارات الحكام وآلية استخدام تقنية الفيديو، لتتحول قضية التحكيم إلى واحدة من أبرز عناوين كأس العالم 2026.
وكان المنتخب الأردني من بين المنتخبات التي صاحبت مبارياتها حالة من الجدل التحكيمي، إذ اعترضت جماهير النشامى على عدد من القرارات خلال أكثر من مباراة في دور المجموعات، ولا سيما في مواجهة الأرجنتين، معتبرة أن بعض الحالات المؤثرة استحقت مراجعة تقنية الفيديو أو اتخذت فيها قرارات لم تنل رضا الشارع الرياضي الأردني، رغم أن الاتحاد الأردني لكرة القدم لم يتقدم باحتجاج رسمي.
ولم يختلف المشهد كثيرًا بالنسبة إلى الرأس الأخضر، حيث شهدت مباراته أمام الأرجنتين موجة واسعة من الانتقادات، بعدما اعتبرت الجماهير أن بعض القرارات التحكيمية صبت في مصلحة المنتخب الأرجنتيني، لتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة للنقاش والمطالبة بمراجعة أداء الطاقم التحكيمي.
أما المنتخب التونسي فقد رافقت مبارياته أيضًا اعتراضات إعلامية وجماهيرية على بعض القرارات المتعلقة بالأخطاء والبطاقات، فيما شهدت مباريات المنتخب السعودي نقاشًا مشابهًا حول عدد من الحالات التحكيمية التي أثارت استياء الجماهير، وإن لم تتطور تلك الاعتراضات إلى احتجاجات رسمية أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وفي المقابل انتقلت الجزائر إلى خطوة أكثر رسمية، بعدما أشارت تقارير إعلامية إلى تقدم الاتحاد الجزائري بشكوى لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن التحكيم في إحدى مباريات المنتخب، في مؤشر يعكس أن الجدل تجاوز منصات التواصل الاجتماعي إلى أروقة المؤسسات الرياضية.
ولم يكن الغضب مقتصرًا على المنتخبات العربية، إذ امتد إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية؛ ففي مباراة كرواتيا والبرتغال، أثار إلغاء هدف متأخر لكرواتيا باستخدام تقنية الكرة الذكية حالة واسعة من الجدل، بعدما اعتمد القرار على لمسة طفيفة للغاية رصدتها المستشعرات الإلكترونية، في وقت رأى فيه كثيرون أن التكنولوجيا باتت تتدخل في تفاصيل دقيقة يصعب ملاحظتها بالعين المجردة، الأمر الذي أعاد النقاش حول حدود استخدام التقنيات الحديثة في كرة القدم.
كما شهدت مباراة البرازيل والنرويج واحدة من أكثر الحالات إثارة للنقاش، بعد احتساب ركلة جزاء إثر تدخل تقنية الفيديو، بينما اعتبر عدد من المحللين والجماهير أن الحكم لم يطّلع على جميع الزوايا المتاحة، وأن القرار لم يكن يعكس الصورة الكاملة للحالة، ما زاد من الانتقادات الموجهة إلى آلية مراجعة اللقطات.
وفي أوروبا أيضًا، تعرض الحكم الأوزبكي إلغيز تانتاشيف لانتقادات واسعة عقب إدارته أكثر من مباراة في البطولة، سواء من جماهير أو من محللين وحكام سابقين، الذين رأوا أن بعض قراراته أثرت بصورة مباشرة في سير المباريات، وهو ما عزز الانطباع بأن الجدل التحكيمي أصبح سمة متكررة في النسخة الحالية من كأس العالم.
متى يتدخل حكم الفيديو
كل هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: ما هي المعايير التي تحدد متى يتدخل حكم الفيديو، ومتى يكتفي الحكم الميداني بقراره؟ وإذا كانت التقنية وجدت أساسًا لتقليل الأخطاء وتحقيق العدالة، فلماذا يشعر قطاع واسع من الجماهير بأن تطبيقها يختلف من مباراة إلى أخرى، ومن منتخب إلى آخر؟
ورغم تأكيد الاتحاد الدولي لكرة القدم باستمرار أن تقنية الفيديو أسهمت في رفع دقة القرارات التحكيمية، فإن النقاش الجماهيري والإعلامي لا يزال يتركز على غياب الاتساق في التطبيق، أكثر من الاعتراض على التقنية نفسها، إذ إن العدالة لا تتحقق بمجرد وجود التكنولوجيا، وإنما بتطبيق معايير واضحة وثابتة على جميع المنتخبات دون استثناء.
فإذا كانت كأس العالم تمثل أعلى درجات المنافسة الكروية، والواجهة التي يفترض أن تجسد مبادئ العدالة والحياد والروح الرياضية، فإن أي انطباع بإمكانية التأثير في القرارات التحكيمية، سواء عبر الضغوط الإعلامية أو السياسية، يضع البطولة أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بثقة الجماهير في نزاهة المنافسة.
ويبقى المؤكد أن كرة القدم ستظل لعبة لا تخلو من الأخطاء، وأن الحكم سيبقى عنصرًا بشريًا معرضًا للصواب والخطأ، لكن وجود تقنية الفيديو كان يفترض أن يقلل مساحة الجدل، لا أن يجعلها أكبر من أي وقت مضى وبين اعتراضات الجماهير العربية، وانتقادات المنتخبات الأوروبية، والنقاشات المتواصلة حول آلية استخدام «الفار»، يجد الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه أمام مسؤولية مراجعة منظومة التحكيم بصورة أكثر شفافية، حتى تستعيد البطولة الأهم في العالم ثقة جميع أطراف اللعبة، وتبقى المنافسة فيها محسومة داخل الملعب فقط، لا في غرف المراجعة أو خارج أسواره.