الأنباط -
بقلم: الدكتورة إيمان الشمايلة
إنها شهادةُ تجربةٍ ومسؤوليةٍ وطنيةٍ أكتبها من موقعِ اليقين بأنَّ الكلمةَ قد تكونُ امتدادًا للفعل، وأنَّ نقلَ التجربةِ الصادقةِ هو جزءٌ من خدمةِ الوطن.
لقد كان لي شرفُ العملِ بمعيتكم لأربعِ سنواتٍ في مرحلةٍ شكّلت محطةً مهمةً في بناءِ الوعيِ المهنيِّ والفكري، حيثُ عايشتُ عن قربٍ نموذجًا في الإخلاصِ للوطن، والالتزامِ العميقِ بالقيادةِ الهاشمية، والحرصِ الدائمِ على خدمةِ الناس دون تمييز. وقد لمستُ خلال تلك التجربةِ مدرسةً في الإدارةِ تقومُ على الصلابةِ في الموقف، والدقةِ في القرار، والحكمةِ في التعامل مع القضايا، والقدرةِ على قراءةِ المشهدِ الوطني بروحٍ مسؤولةٍ تدركُ حجمَ التحديات. ومن تلك التجربةِ ترسخت لدي قناعةٌ راسخةٌ بأنَّ التشريعاتِ التي تُحصّنُ المنظومةَ الأخلاقيةَ أصبحت ضرورةً وطنيةً لا تحتملُ التأجيل.
إنَّ تعزيزَ المنظومةِ الأخلاقيةِ ليس ترفًا فكريًا، بل هو أمنُ وطنٍ، وهيبةُ دولةٍ، وحمايةُ مجتمعٍ، وصناعةُ مستقبلٍ أكثرَ استقرارًا ووعيًا.
لم يكن الأردنُّ يومًا وطنًا عابرًا في منظومته الأخلاقية، بل كان مدرسةً في القيم، وهيبةً في السلوك، واعتدالًا راسخًا في وعيه العام، جعل من الأخلاق جزءًا من مفهوم الأمن الوطني لا تفصيلًا اجتماعيًا هامشيًا.
غيرَ أنَّ التحولاتِ المتسارعة، ودخولَ بعضِ المؤثراتِ الخارجيةِ دون وعيٍ كافٍ، قد أسهمت في ظهورِ بعضِ السلوكياتِ التي لم تكن مألوفةً في المجتمعِ الأردني، ولا منسجمةً مع ثقافته الأصيلة. ومع غيابِ الوعيِ الكافي في بعضِ الحالات، وخاصةً لدى فئة الشباب، برزت ممارساتٌ وسلوكياتٌ دخيلة، يُلاحظ فيها استخدامُ أسماءِ مؤسساتٍ وطنيةٍ أمنيةٍ وغير أمنية في أحاديث أو تصرفاتٍ فرديةٍ دون إدراكٍ كاملٍ لخطورة ذلك أو لرمزية هذه المؤسسات ومكانتها، بما قد يُحدث التباسًا في الوعي العام لدى بعض الفئات ( الشباب).
وقد وصلت بعضُ الحالات إلى صورٍ أكثرَ تعقيدًا، يتم فيها ابتزازُ رجالٍ لرجالٍ عبرَ توظيفِ أسماءٍ أو صورٍ أو سياقاتٍ لم تكن منسجمةً مع قيم المجتمع، بما يمسُّ ربَّ أسرةٍ أو سندًا لأبنائه، ويُشكّلُ مساسًا خطيرًا بالعدالةِ والكرامةِ والأمنِ الاجتماعي، ويكشفُ عن فجوةٍ في الضبطِ الأخلاقي والقانوني لهذه الممارسات.
كما أنَّ مراقبةَ هذا المشهد لا تنفصلُ عن ضرورةِ تنظيمِ ملفِّ العمالةِ الوافدة، ليس من زاويةٍ اقتصاديةٍ فقط، بل من زاويةٍ ثقافيةٍ وقيمية؛ فالأردنُّ بلدٌ منفتحٌ يحترمُ الجميع، لكنَّ من يدخلُ إليه يجبُ أن ينسجمَ مع ثقافته ويحترمَ هويته، لا أن يُسهمَ في إنتاج سلوكياتٍ أو ممارساتٍ تُسيءُ إلى نسيجه الاجتماعي أو تُشوّهُ صورته العامة.
ويضافُ إلى ذلك خطرُ الفضاءِ الرقمي، حيثُ أصبحت مواقعُ التواصل الاجتماعي مساحةً لصناعةِ الوعي وتشكيلِ السلوك، وفيها تُنشرُ أحيانًا ممارساتٌ تمسُّ الأخلاقَ العامة، من ابتزازٍ وتشهيرٍ وخطابِ كراهيةٍ، وهو ما يستدعي تشريعاتٍ دقيقةً تُنظّمُ المحتوى، وتُحدّ من هذه الانحرافات، وتُعيدُ ضبطَ العلاقةِ بين الحريةِ والمسؤولية.
وهنا يبرزُ سؤالٌ وطنيٌّ عميق: أين المنظومةُ الأخلاقيةُ التي تضبطُ هذه الانحرافات؟ وأين التشريعاتُ الرادعةُ التي تحمي المجتمعَ من هذا التوسعِ غيرِ المنضبطِ في السلوكياتِ الضارة؟
وانطلاقًا من ذلك، فإنني أؤكدُ على ضرورةِ إنشاءِ هيئةٍ وطنيةٍ متخصصةٍ تُعنى بالمنظومةِ الأخلاقية، تكونُ مرجعًا تشريعيًا ورقابيًا وتوعويًا، تعملُ على تحقيقِ التوازنِ بين الحريةِ والمسؤولية، وبين الانفتاحِ والانضباط. هيئةٍ تُخاطبُ الشبابَ باعتبارهم مستقبلَ الوطن، وتحمي الرجالَ والنساءَ من أيِّ أشكالِ استغلالٍ أو ابتزازٍ أو إساءة، وتُسهمُ في حمايةِ الكرامةِ الإنسانية وصونِ النسيجِ الاجتماعي.
كما تمتدُّ مسؤوليةُ هذه الهيئةِ إلى الفضاءِ الرقمي، عبرَ تشريعاتٍ تُنظّمُ المحتوى وتُراقبُ الانحرافاتِ الرقمية، بما يضمنُ حمايةَ الوعي العام من التشوّه التدريجي، ويصونُ القيمَ التي بُني عليها المجتمع الأردني، ويمنعُ تحويلَ المنصاتِ الرقمية إلى أدواتِ ضغطٍ أو ابتزازٍ أو تشويه.
إنَّ الأردن، الذي تأسس على هويةٍ منفتحةٍ واعية، لم يكن يومًا منغلقًا، لكنه كان دائمًا يدركُ كيف ينفتحُ دون أن يفقدَ ذاته، وكيف يتفاعلُ دون أن يتنازلَ عن قيمه، وكيف يواكبُ العصر دون أن يسمحَ بإعادة تشكيل هويته خارج إرادته.
إنَّ تعزيزَ المنظومةِ الأخلاقيةِ ليس ترفًا فكريًا، بل هو أمنُ وطنٍ، وهيبةُ دولةٍ، وحمايةُ مجتمعٍ، وصناعةُ مستقبلٍ أكثرَ استقرارًا ووعيًا.