اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
شي – ترامب وهندسة الطاولة (وسائط متعددة) شي يقول إن زوجين من حيوانات الباندا سيتخذان من حديقة حيوان أتلانتا موطنا لهما خلال أيام قليلة هاتفك ممتلئ رغم أنك لا تملك بيانات كثيرة .. أين اختفت المساحة؟ من يحتاج إلى لقاح الإنفلونزا ومتى يُفضل أخذه أسماك القرش تبارك أغرب طلب زواج في بريطانيا نزلات البرد تلاحق الأطفال في المدارس.. كيف تحمي طفلك؟ ‏شباب غماس لسمو ولي العهد : إحنا معك، وراك وبظهرك تحذير علمي جديد حول المصابيح الموفرة للطاقة وLED شي يقول إن الصين تعتزم دعوة 100 ألف شاب أمريكي لزيارتها بهدف التبادلات والدراسة على مدى السنوات الخمس المقبلة تركية تقتل خطيبها لرفضه الاستيقاظ مبكرًا لإتمام إجراءات الزواج الصفدي يؤكد لعراقجي ضرورة وقف الاعتداءات الإيرانية على الاردن الملف الصامت والنافذة المفتوحة : من نيويورك الى برلين .. الشبكة الخفية في غرف القرار وإعادة تشكيل السياسة الغربية الصفدي يترأس اجتماعا دوليا لحشد الدعم للأونروا علاج الجلطة الرئوية باستخدام نظام محوسب في مستشفى الملك المؤسس لأول مرة في الأردن ‏زيارة مرتقبة للزيدي إلى دمشق وملف الطاقة في صدارة المباحثات ‏شينخوا تنظم حفل تقديم كتاب "حوكمة الصين تحت قيادة شي جين بينغ "في معرض عمّان الدولي للكتاب بدء تقديم طلبات الانتقال بين التخصصات والجامعات الاثنين 97.6% أدنى معدلات قبول الطب في الجامعات الرسمية إعلان نتائج القبول الموحد رسميا قرائة لمكانة 360: من التحذير إلى المساءلة.. كيف ترددت رسائل الملك في الإعلام الدولي والفضاء الرقمي؟

شي – ترامب وهندسة الطاولة

شي – ترامب وهندسة الطاولة
الأنباط -
شي – ترامب وهندسة الطاولة
د. حازم قشوع

أن يجتمع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه اللحظة السياسية الدولية، وفي توقيت يتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة واحتفال الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على استقلالها، فإن المشهد يتجاوز في دلالاته حدود اللقاء الثنائي، ليعكس صورة عالم يعيد ترتيب موازين القوة وأدوات الاقتصاد ومفاتيح المعرفة، ويعيد هندسة الطاولة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
فاللقاء يأتي في لحظة تتداخل فيها التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مع الأمن والجغرافيا والسياسة الدولية، وتبرز فيها ملفات إيران وتايوان والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد باعتبارها أجزاء من معادلة واحدة تتصل بمستقبل النظام الدولي. 

فإيران تمثل جانباً من صراع الجغرافيا والأمن وممرات الطاقة، وتايوان تمثل عقدة المكان والسيادة والتوازن الاستراتيجي، فيما يمثل الذكاء الاصطناعي انتقالاً إلى حيز جديد لا تحكمه الجغرافيا وحدها، وإنما تحكمه المعرفة والقدرة على إنتاج المستقبل، بينما أصبحت المعادن النادرة إحدى حلقات الربط بين الجغرافيا والتكنولوجيا والصناعة حيث تكمن دلالة الاقتصاد المعرفي فهو ينقل العالم تدريجياً من صراع الحيز المكاني إلى صراع الحيز المعرفي. فالحيز المكاني كان عنواناً للصراع على الأرض والممرات والمواقع ومصادر الطاقة، أما الحيز المعرفي فأصبح عنواناً للصراع على الابتكار والتكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والقدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.

ولا تقتصر هندسة هذه الطاولة على الذكاء الاصطناعي وحده، بل تمتد إلى المعادن النادرة التي أصبحت مرتبطة بالصناعات التكنولوجية المتقدمة والطاقة والتحول الصناعي. وهنا تلتقي الجغرافيا بالمعرفة من جديد؛ فالمعدن يوجد في مكان محدد، لكن قيمته الاستراتيجية تتشكل من القدرة على استخراجه وتصنيعه وتحويله إلى منتجات وتقنيات تدخل في سلاسل الإنتاج العالمية. ولذلك فإن المعادن النادرة تمثل أحد مفاتيح الطاولة الجديدة، لأنها تربط بين أمن الموارد وأمن التكنولوجيا وأمن سلاسل التوريد، وهو ما جعلها أحد الملفات الحساسة في التفاوض الأمريكي الصيني.


حيث يأتي الذكاء الاصطناعي في قلب الطاولة، لأنه يجمع قطبي الاقتصاد المعرفي في العالم، ويضعهما أمام حقيقة جديدة مفادها أن المنافسة لم تعد تدور فقط حول التجارة والأسواق وسلاسل الإمداد، وإنما حول المعرفة والتقنية والقدرة على إنتاج المستقبل. وفي المقابل، فإن حساسية هذا المجال تفرض البحث عن ضوابط للاستخدامات الأمنية والعسكرية غير التقليدية، حتى لا تتحول الهندسة المعرفية إلى مجال جديد للصراع المفتوح.

لكن هنالك مسارات مدنية يمكن أن تفتح باباً مختلفاً، يقوم على التكامل بين الابتكار المعرفي الذي يميز الولايات المتحدة، والقدرة الصينية على الإنتاج والتنفيذ وسلاسل التوريد الواسعة. فالمعرفة عندما تقترن بالإنتاج تتحول إلى سلعة، وعندما تتسع الأسواق تصبح السلعة في متناول اليد، وعندما تتطور وسائل النقل والطيران والاتصال تصبح الحركة الجغرافية نفسها أكثر سهولة وأقل كلفة.

وهذا يعني أن أثر الاقتصاد المعرفي لن يبقى في غرف المختبرات أو على طاولات السياسة، وإنما يمكن أن يصل إلى اقتصاد المنازل وحياة الناس، عبر توسيع الإنتاج وخفض كلفة بعض السلع والخدمات وتسهيل الوصول إليها، ومع انتشار الطيران التجاري المدني وتطور وسائل الحركة والاتصال تصبح المسافات أقل حضوراً في تشكيل الحياة الاقتصادية، ويتحول العالم إلى مساحة أكثر ترابطاً.

حيث تصبح الطاولة الافتراضية أكبر من مكان انعقاد القمة؛ فهي طاولة تتجاوز حدود البيت الأبيض، لأنها تبحث في إعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والمعرفة والاقتصاد. فالقوة لم تعد محصورة في امتلاك الأرض، وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها وتحويلها إلى إنتاج وحركة وتأثير، وبالقدرة كذلك على تأمين الموارد التي تقوم عليها الصناعة المستقبلية.

ومن هذه الزاوية، فإن أي توافق أمريكي صيني، حتى وإن بقي في حدود إدارة الخلافات وليس إنهاءها، يمكن أن يترك أثراً على حالة الشد التي أنتجتها حرب غزة والحرب مع إيران؛ لأن استمرار الحوار بين القوتين يفتح مساحة لإدارة الأزمات، وفصل بعض المسارات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية عن مسارات المواجهة العسكرية. فكلما اتسعت المصالح المشتركة في التجارة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وسلاسل التوريد، ازدادت الحاجة إلى الاستقرار، وأصبحت كلفة توسع الصراع أكثر حضوراً في حسابات الاقتصاد العالمي. ولا يعني ذلك أن التفاهم الأمريكي الصيني يحسم الملفات الإقليمية، وإنما يعني أنه يضيف قناة لإدارة التوترات المتشابكة معها.

وهنا تصبح حرب غزة والحرب مع إيران جزءاً من اختبار الطاولة الجديدة؛ فالميدان يستطيع أن يفرض حالة الشد، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع النظام الذي يأتي بعدها. أما الطاولة فتبحث في كيفية الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح، ومن حماية الممرات والطاقة إلى إعادة بناء سلاسل الإنتاج، ومن الأمن التقليدي إلى الأمن الاقتصادي والمعرفي.

وفي هذا السياق تأتي زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لتبيان هذا التحول من زاوية أردنية، وفي ظل العلاقات الأردنية الأمريكية الاستراتيجية. فالتحرك الأردني لا يقوم على استبدال علاقة بأخرى، وإنما على توسيع دائرة الشراكات، بحيث تبقى العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة قائمة، فيما يجري بناء شراكات اقتصادية ومعرفية واستثمارية مع الصين وغيرها من مراكز القوة الاقتصادية العالمية. وقد بحث الملك خلال زيارته للصين توسيع الشراكة الاستراتيجية والتعاون في قطاعات الطاقة والمعادن والصناعات المتقدمة، إلى جانب الزراعة والصناعات الدوائية والغذائية والهندسية والتعليم والسياحة.

وهذا ما ينقل الدور الأردني إلى مستوى جديد؛ من تأمين العلاقات إلى بناء الشراكات، ومن التركيز على العلاقات الأمنية إلى توسيع العلاقات الاقتصادية، ومن التعامل مع الموقع الجغرافي باعتباره قيمة ثابتة إلى توظيفه كجسر بين الأسواق وسلاسل الإنتاج والمعرفة.

وتبرز أهمية استثمار الأردن لهذا التحول في الاقتصاد المعرفي وهندسة الطاولة الجديدة، مستفيداً من علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومن شراكاته مع الصين، ومن موقعه الجغرافي الذي يمكن أن يتحول من قيمة مكانية إلى قيمة اقتصادية ومعرفية. فالمطلوب ليس فقط استقطاب الاستثمارات، وإنما استقطاب التكنولوجيا والمعرفة وسلاسل الإنتاج، وربطها بالطاقات الأردنية والجامعات ومراكز البحث والصناعة والخدمات، والاستفادة من التحولات العالمية في الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والتقنيات الجديدة.
وإذا كان العالم ينتقل من صراع الحيز المكاني إلى الحيز المعرفي، فإن الأردن يستطيع أن يستثمر هذا الانتقال ببناء مساحة معرفية أردنية مفتوحة على مراكز الابتكار والإنتاج العالمية، وتحويل موقعه وعلاقاته إلى منصة للتكنولوجيا والصناعة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي والطيران والنقل.

و تتجلى قيمة الشراكة الأردنية الصينية في ظل العلاقة الاستراتيجية الأردنية الأمريكية؛ فهي تفتح للأردن مجالاً لبناء شراكات متوازنة ومتعددة، لا تقوم على تأمين العلاقات فقط، وإنما على إنتاج المصالح المشتركة. فالأردن يستطيع أن يكون حاضراً على الطاولة الجديدة عندما يحول علاقاته الدولية إلى مشاريع، وموقعه الجغرافي إلى ممر اقتصادي، وطاقاته البشرية إلى قوة معرفية، وشراكاته السياسية إلى استثمارات وفرص.
وهكذا فإن هندسة الطاولة بالنسبة للأردن لا تعني الجلوس إلى الطاولة فحسب، وإنما القدرة على صناعة موقع عليها واستثمار التحولات الكبرى التي يقودها الاقتصاد المعرفي، بحيث ينتقل الأردن من موقع المتلقي للتحولات إلى موقع الشريك في صناعتها. 

فالحرب ترسم حدود الشد، أما الطاولة فتبحث عن حدود التفاهم، وبينهما يستطيع الأردن أن يبني مساحته الاقتصادية والمعرفية، وأن يحول الجغرافيا من قدر مكاني إلى فرصة استراتيجية، تهضم البطالة، وتحرك حالة الجمود التي أصابت الاقتصاد الخدماتي في البلاد، وتوطن الاستثمارات الإنتاجية القائمة على الصناعة المعرفية والاقتصاد الإنتاجي.

ومن هنا تبرز أيضاً فرصة البحث عن المعادن النفيسة والنادرة في ربوع البلاد، من خلال شراكات دولية وبرنامج طموح يقوم على المسح الجيولوجي واستكشاف الثروات المعدنية، بما يفتح مجالاً جديداً أمام الاقتصاد الوطني، ويربط الجغرافيا الأردنية بسلاسل الإنتاج والصناعة العالمية، ويجعل من الموارد الطبيعية رافعة للمعرفة والصناعة، لا مجرد ثروة كامنة.
ولعل فرصة توقف الضغط الإقليمي القادمة، إن تحققت، تكون فرصة مهمة لالتقاط الأنفاس بعد حرب "التفكيك للتركيب” التي شهدتها المنطقة على مدى نحو خمسة عشر عاماً مضنية، عصفت بالمنطقة ضمن أشكال ونماذج متنوعة في مساربها وألوانها، لكنها حملت في مضمونها أهداف الخلخلة وإعادة التشكيل. وقد استطاع الأردن، بفضل من الله وبحكمة قيادته، تجاوز الكثير من تداعياتها، وأن يثبت أنه صخرة الأمة في الذود عن رسالتها.

فإن هندسة الطاولة الأردنية لا تقوم على انتظار ما ستنتجه التحولات الدولية، وإنما على الاستعداد لاستثمارها عبر قراءة استشرافية فالمرحلة القادمة يمكن أن تكون مرحلة انتقال من اقتصاد الخدمات إلى اقتصاد الإنتاج، ومن استهلاك المعرفة إلى صناعة المعرفة، ومن استثمار الموقع إلى صناعة الموقع، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الفرص. وعندها تصبح الطاولة الجديدة مساحة أردنية لإنتاج المصالح، لا مجرد مكان للجلوس، ويصبح الأردن شريكاً في صناعة المرحلة المقبلة، مستنداً إلى رسالته وموقعه واستقراره وقدرته على تحويل التحولات الكبرى إلى فرص وطنية.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير