الأنباط -
من أمن القيادة إلى استقرار الدولة : رئيس وزراء ووزير دفاع في دائرة التهديد .. فماذا تخفي الأزمة البولندية ؟
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
في حياة بعض الدول على هذه الأرض ، هنالك لحظات تتجاوز فيها الرسائل حدود الورق ، وتتحول الكلمات إلى ظلال ثقيلة تتحرك في ممرات السلطة وتوقظ في المؤسسات أسئلة كانت تظن أنها أحكمت إغلاق أبوابها ، حيث في السياسة لا تبدأ المخاطر دائما بصوت الرصاص بل أحيانا تبدأ بإشارة غامضة أو معلومة تتسلل إلى مكتب أمني أو تهديد مجهول المصدر يجعل الدولة تعيد النظر في المسافة الفاصلة بين الاطمئنان والخطر
وفي " بولندا " لم يكن الإعلان عن اجتماع أمني طارئ داخل مركز " مكافحة الإرهاب " التابع لوكالة الأمن الداخلي حدثا إجرائيا عابرا بل جاء عقب معلومات عن هجوم محتمل يستهدف رئيس الوزراء " دونالد توسك " ووزير الدفاع " فلاديسواف كوسينياك كاميش " في تطور استدعى تحرك الأجهزة المعنية ومراجعة مستوى التهديد ، الا أن الصورة على الرغم من حساسيتها لا تزال محاطة بأسئلة لم تتضح إجاباتها بعد ، لكن وراء الواقعة المباشرة تقف دلالة أعمق ، وهي : ماذا يحدث حين تصبح حماية من يديرون الدولة جزءا من اختبار قدرة الدولة نفسها على حماية استقرارها ؟ ، فالسلطة في جوهرها ليست مقعدا مرتفعا ولا موكبا تعبر خلفه السيارات المصفحة ، وليست جدارا من الحراس يفصل الحاكم عن الشارع ، إنها عقد غير مكتوب بين " المجتمع ومؤسساته " يقوم على أن القانون أقوى من الخوف ، وأن القرار العام لا ينبغي أن يخضع لتهديد فرد أو جماعة
فحين تتعرض القيادة السياسية لتهديد أمني فإن الخطر المحتمل لا يتوقف عند حدود الأشخاص المستهدفين بل يمتد إلى الثقة العامة ، وإلى قدرة المؤسسات على مواصلة عملها من دون أن تسمح للخوف بإعادة رسم حدود الحياة السياسية ، لتتجلى بذلك المفارقة الكبرى ، وهي : كلما امتلكت الدولة أجهزة أكثر تطورا ازدادت حاجتها إلى إثبات أن قوتها لا تقوم على وفرة الأدوات وحدها بل بقدرتها على التمييز بين الخطر الحقيقي والإنذار المضلل ، وبين المعلومة التي تستوجب التحرك والشائعة التي تريد أن تصنع من القلق حقيقة مكتملة ، لإن اجتماع الأجهزة الأمنية لا يثبت وحده وجود " مؤامرة " لكنه في الوقت ذاته يكشف أن الدولة لا تستطيع التعامل مع التهديدات المحتملة باعتبارها كلمات بلا وزن ، ولذلك فإن أكثر ما يستحق التأمل في هذه الواقعة هو أن الأمن الحديث لم يعد يقف عند البوابات الحديدية أو نقاط التفتيش ، فالدولة قد تكون محاطة بالحواجز بينما تظل معرضة لاختراقات تأتي من فضاء المعلومات ، ومن حملات التضليل ، ومن أفراد لا تحتاج خططهم إلى جيوش كي تثير الاضطراب ، وفي هذا العالم المتشابك اليوم تصبح المعلومة نفسها ساحة للصراع ، إذ يمكن أن تكون إنذارا ينقذ الأرواح أو أداة لإرباك المؤسسات أو محاولة لدفع المجتمع إلى رؤية الخطر في كل اتجاه
و بولندا بجغرافيتها السياسية الأوروبية تمتلك موقعا لا يضعها على الهامش ، فالدولة الواقعة على تماس مباشر مع تداعيات الحرب " الروسية الأوكرانية " تحتل موقعا مهما في حسابات الأمن والدفاع داخل حلف شمال الأطلسي ، ولذلك فإن أي اضطراب أمني يطال قمة السلطة فيها يستدعي اهتماما يتجاوز حدودها الوطنية ، ليس لأن كل تهديد محلي يحمل بالضرورة أبعادا دولية بل لأن استقرار الدول الواقعة في قلب التوترات الاستراتيجية جزء من منظومة أوسع تتشابك فيها المصالح والالتزامات الأمنية ، ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للمؤسسات البولندية لا يكمن في قدرتها على إعلان الاستنفار وحده بل في قدرتها على إدارة الأزمة بقدر من الصرامة والشفافية معا ، من خلال حماية المسؤولين من دون التضحية بالحقوق ، وملاحقة أي تهديد جدي من دون تحويل المجتمع إلى رهينة للشك ، وإطلاع الرأي العام على ما يمكن إعلانه من نتائج من دون الإضرار بالتحقيقات
فالدولة التي تواجه الخطر بالقانون تحمي نفسها ، أما الدولة التي تسمح للخوف بأن يصبح قانونا موازيا فإنها تمنح التهديد مساحة أوسع مما يستحق ، لذلك فأن السؤال الأهم ليس : من الذي أراد تهديد رئيس الوزراء ووزير الدفاع ؟ ، فهذا سؤال تتولى التحقيقات الإجابة عنه ، وإنما السؤال الذي يسبق الإجابة ويظل بعدها ، هو : هل تستطيع المؤسسات أن تحمي الدولة من الخطر ، وأن تحمي المجتمع في الوقت نفسه من أن يصبح الخوف جزءا من نظام حياته؟ ، فالسياسة حين تبلغ لحظاتها الأكثر حساسية تكشف حقيقتها العارية بأن : ليست القوة في أن يعيش الحاكم خلف أسوار لا تخترق بل في أن تبقى الدولة قادرة على العمل حين تختبر أسوارها ، وأن يظل القانون مرجعية الجميع حين تتقدم الظنون ، وأن يعرف المجتمع أن أمنه لا يقوم على غياب التهديدات بل على وجود مؤسسات تستطيع مواجهتها من دون أن تفقد بوصلتها
فقد ينجح التهديد في إيقاظ الحراس وقد يفرض على السلطة أن تعيد حساباتها ، لكنه لا يصبح انتصارا حقيقيا إلا إذا نجح في انتزاع الطمأنينة من المجتمع وإخضاع العقل العام لسلطة الخوف ، وهنا تحديدا تقاس مناعة الدول ، ليس بعدد الأبواب التي تغلقها في وجه الخطر بل بقدرتها على إبقاء أبواب الحقيقة مفتوحة حتى لا يصبح المجهول حاكما من وراء الستار ، وحتى لا تتحول الدولة وهي تحرس نفسها إلى أسيرة لما تخشاه .