د. خالد العاص
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، في لحظة دولية تتزاحم فيها الأزمات وتتراجع فيها قدرة المجتمع الدولي على إبقاء القضايا الكبرى في دائرة الاهتمام المستدام، وفي هذا السياق، اختار جلالة الملك مدخلاً مختلفاً لقراءة المشهد الدولي، حين وضع "الانتباه" في قلب المعادلة السياسية، باعتباره مورداً لا يحدد فقط ما يشغل الرأي العام، وإنما أيضاً أي أزمات تحظى بجهد دبلوماسي وأي شعوب تبقى معاناتها حاضرة على جدول الأعمال الدولي.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مجرد تعداد الأزمات إلى مساءلة طريقة تعامل العالم معها؛ فالمشكلة، وفق الرؤية التي طرحها جلالته، ليست في نقص المعلومات حول النزاعات والفقر والأمن الغذائي وتغير المناخ، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على اهتمامه بهذه الملفات حتى الوصول إلى حلول مستدامة.
وفي قلب الخطاب حضرت القضية الفلسطينية باعتبارها الاختبار الأوضح لجدية النظام الدولي في تطبيق القانون الدولي وحماية الحقوق؛ فقد انتقل جلالة الملك من توصيف استمرار الصراع إلى مساءلة النهج الدولي الذي تعامل معه لعقود باعتباره أزمة قابلة للاحتواء، بدلاً من معالجة جذورها، وهذه النقطة تحمل دلالة سياسية عميقة بالنسبة إلى الأردن، الذي يرى أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس قضية إقليمية محدودة، وإنما عامل أساسي في إنتاج عدم الاستقرار وإعادة تدوير الأزمات في المنطقة.
ولذلك جاء حديث جلالته عن غزة والضفة الغربية ضمن رؤية مترابطة، ترفض الفصل بين المسارين؛ فالخطاب يرى أن ما يجري في غزة من تدمير وما يحدث في الضفة الغربية من استيطان وعنف وتهجير يساهمان في تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، كما شدد جلالته على ضرورة تسمية الممارسات التي تحدث على الأرض بوضوح، محذراً من أن الاعتياد على الانتهاكات يحول الاستثناء إلى واقع دائم.
أما التطورات في سوريا، فقد حظيت في الخطاب بموقع يرتبط مباشرة بالأمن القومي الأردني، فقد أشار جلالته إلى التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري وإلى المخاوف المرتبطة بالحدود والمياه، مؤكداً بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي يمثل بالنسبة إلى الأردن مسألة أمن قومي، وهذه الرسالة تكشف انتقال الخطاب من التحذير السياسي إلى تحديد المصالح الأردنية التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات ثانوية.
وفي الوقت نفسه، لم يقدم الأردن نفسه في الخطاب بوصفه دولة منشغلة فقط بمواجهة المخاطر المحيطة بها، بل بوصفه دولة تعمل على بناء قدراتها والحفاظ على دورها الإقليمي؛ فقد ربط جلالة الملك بين تطوير الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وحماية التنوع الديني، ودعم العمل الإنساني، والدفاع عن الصمود الفلسطيني، والحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وعليه، فإن أهمية خطاب جلالة الملك لا تكمن فقط في الرسائل التي وجهها بشأن غزة والضفة الغربية وسوريا والأمن الأردني، وإنما في الإطار الذي وضع هذه الملفات ضمنه : العالم لا يعاني فقط من كثرة الأزمات، بل من تفاوت الاهتمام بها ومن انتقائية التعامل معها، ومن هنا تأتي الرسالة الأردنية بأن العدالة الدولية لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن القانون يفقد جزءاً من قيمته عندما تطبق قواعده على أزمات وتتراجع أمام أزمات أخرى.
والرسالة الأوسع التي يمكن قراءتها في الخطاب هي أن الانتباه السياسي مسؤولية، وليس مجرد حالة عابرة؛ فحين يتوقف العالم عن الاهتمام بأزمة ما، لا تختفي الأزمة، وإنما تستمر آثارها وتتراكم، ولذلك يطرح الأردن، عبر خطاب جلالة الملك، معادلة تقوم على استمرار الاهتمام بالقضايا العادلة، والتمسك بالقانون الدولي، ودعم المؤسسات، وعدم السماح للأزمات بأن تتحول إلى وقائع دائمة لمجرد أن العالم انشغل عنها بأزمة أخرى.