الأنباط -
تكافؤ الفرص وضغوط الجغرافيا
د. علي أحمد الرحامنة
يؤدّي الموظف العام، أو الموظف الحكومي، كما يسمى أحيانا، أدوارا عديدة، في الأداء المباشر للمهمة الموكل إليه تنفيذها، أو في الصورة الكلية للمؤسسة التي يعمل فيها أيضا، وصولا إلى توصيف الأداء الحكوميّ في مجمله، إذا ما أُخذ الانطباع العام عن أداء الموظفين مقياسًا، وإلى طبيعة علاقة الحكومات بالمواطنين. فالانطباع العام عن أداء الحكومات ومصداقيتها وشفافيتها، يمكن التعبير عنه بالمحصلة الكلية لأداء الجهاز البشري الذي يشغل مختلف المواقع في الوظائف العامة. وفي هذه الشبكة، يبرز دور القيادات الحكومية في الوظائف القيادية. ومن المتفق عليه أن كوادر الوظائف القيادية وشاغليها يمثلون، بشكل أو بآخر، صورة السلطة التنفيذية بمجملها. ولا يمكن تصوّر حكومة شفّافة ونزيهة وتحظى بثقة المواطنين الذين تخدمهم، دون وجود آليات عادلة لاختيار أفضل الكفاءات لشغل تلك المواقع القيادية في جهاز الإدارة العامة.
وإذا ما حصل خلل أو تجاوز في هذه الاختيارات، فإن النتائج والتبعات لا تتوقف عند شخوص من يتمّ تعيينهم، وغيظ من تمّ "تجاوزهم" لمصلحة من هم أقلّ كفاءة، بل تطال شبكة واسعة من الارتدادات وأنماط العلاقات والعملية الإدارية للدولة برمّتها، وهو أمر حرج الأهمية. والملاحظ في تجربتنا الأردنية على هذا الصعيد، أن هناك مصادر خلل واضحة في اختيار أو تعيين شاغلي هذا الموقع القيادي أو ذك. فمن الجغرافيا واتجاهاتها من شمال وجنوب ووسط وغيرها من "جهات"، إلى العشيرة ونفوذهـا، و"المصالح" وخباياها، وصولا إلى التدخّلات والمحسوبيات والواسطة، التي تصل في بعض الأحيان إلى حدّ الإسفاف، وضرب أبسط معايير تكافؤ الفرص والعدالة، وهو أمر يتعارض بوضوح مع الدستور والقوانين والأنظمة والتعليمات. و"لكن المثير للدهشة والتعجّب" أنه، وكلّما زاد حديثنا عن الشفافية والنزاهة والحوكمة وتكافؤ الفرص وخطط التطوير الإداري، تزداد على أرض الواقع مثل هذه الخروقات الفجّة، والشواهد على ذلك كثيرة، بل وأصبحت في كثير من الأحيان من مشاغل المواطن وموضوعات "تندّره المحزن" ...
وكل ّذلك يتعارض، بل ويتناقض مع التوجّهات والتوجيهات الملكية، والتي تبرز في كل كتاب تكليفٍ سامٍ، وبرزت بكل وضوح تشديد في الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك، تأكيدا لنص وروح المواد 6 و22 من الدستور. يقول جلالة الملك في الورقة النقاشية السادسة: "لا يمكننا الحديث عن سيادة القانون ونحن لا نقرّ بأن الواسطة والمحسوبية سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقا يحول دون النهوض بالوطن، بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه؛ وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة وهي الأساس لتطور أي مجتمع" ...