الأنباط -
الأردن من فائض المسؤولية لا من فائض القوة
عبدالله الثاني يحمل راية الموقف الهاشمي إلى العالم
بقلم المستشار الصحفي عمر الصمادي
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 أيلول 2026، ليقول بوضوح : "إن ما يجري في غزة والضفة الغربية لا يمكن التعامل معه باعتباره أحداثا منفصلة، بل هو تهديد لمستقبل المنطقة بأكملها."
هذا الخطاب لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل امتداد لثوابت أردنية راسخة تجاه فلسطين والقدس وأمن الدول العربية، وقد حذر الملك من الأطماع التوسعية الإسرائيلية، مؤكداً أن القضية الفلسطينية هي قضية عدالة وقانون دولي وأمن إقليمي.
الأردن.. دولة تدفع ثمن الجغرافيا والموقف
الأردن، رغم محدودية موارده، ظل يتحمل تبعات أزمات المنطقة، ويستقبل موجات اللجوء، ويواجه ضغوطًا اقتصادية وأمنية هائلة، ومع ذلك، لم يقل يوما : "هذا شأن غيرنا"، بل تقاسم مع الأشقاء ما يملك.
فالقضية الفلسطينية ليست بالنسبة للأردن ملف دبلوماسي، بل جزء من تاريخ الدولة ووجدان القيادة والشعب، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تعود إلى عام 1924 حين تلقى الشريف الحسين بن علي البيعة من أهل فلسطين.
ما يميز الموقف الأردني أنه لم يقتصر على الكلمات، ففي عام 2025 وحده، سيرت الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية 201 قافلة إلى غزة، ضمت 8664 شاحنة مساعدات، إضافة إلى 53 طائرة إغاثة و564 عملية إنزال جوي.
وفي أيار 2026، واصل المستشفى الميداني الأردني في جنوب غزة عمله، حيث عالج الفريق التاسع أكثر من 33 ألف مريض وأجرى مئات العمليات الجراحية.
هذه الأرقام تتحدث بنفسها، وتؤكد أن الأردن لا يملك رفاهية اللامبالاة، لأن ما يحدث في فلسطين ينعكس عليه مباشرة.
الأردن لم يحصر دوره في فلسطين وحدها، ففي لبنان، سيرت المملكة في تموز 2026 القافلة الإنسانية العاشرة، وضمت 26 شاحنة من المواد الغذائية والطبية، وتشير وزارة الاتصال الحكومي إلى أن مساعدات الهيئة الخيرية وصلت منذ تأسيسها إلى 42 دولة بقيمة 665 مليون دولار.
ما اسرده ابدا ليس بحثا عن دور إعلامي، بل ثقافة دولة نشأت على المسؤولية العربية والإنسانية، فخطابات سيدنا جلالة الملك السابقة في الأمم المتحدة ركزت باستمرار على حل الدولتين وحماية المقدسات ورفض إدارة الصراع بدلا من معالجة جذوره، واليوم، جاء خطابه ليؤكد أن الأردن لا يتحدث من موقع المتفرج، بل من دولة دفعت أثمانا اقتصادية وأمنية كبيرة، واستقبلت اللاجئين، وقدمت المساعدات، وحافظت على خطاب سياسي يقوم على القانون الدولي.
"الأردن لا يتحدث من فائض القوة، وإنما من فائض المسؤولية، " هذه العبارة تختصر موقع الأردن في أخطر مرحلة تمر بها المنطقة.
كلمة أخيرة
خطاب الملك عبدالله الثاني في نيويورك وضع وثيقة تعكس موقع الأردن ودوره التاريخي، ملك يقف أمام العالم حاملا قضية فلسطين، وفي الوقت ذاته مسؤولية دولة اسمها الأردن، دولة لم تغلق بابها أمام أشقائها، ولم تتعامل مع مآسي الأمة بمنطق "ليس لنا علاقة".
وهنا تكمن دلالة الخطاب: أن الأردن يحوّل الكلمات إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل، ليبقى نموذجا مختلفا في زمن كثرت فيه الأصوات وقلت فيه الأفعال.