الأنباط -
ندوة في "شومان" تعاين تجربة المفكر والمؤرخ الأرناؤوط
عمان 20 نيسان- عاينت ندوة تكريمية نظمها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، مساء اليوم الاثنين، الأعمال الأدبية للمفكر والمؤرخ الدكتور محمد الارناؤوط، بحضور نخبة من الأدباء والمفكرين والمدعوين.
واستعرضت الندوة التي جاءت بعنوان "محمد الأرناؤوط: جسر بين الثقافات"، وتحدث فيها بالإضافة الى الأرناؤوط، الدكتورة هند أبو الشعر، ووزير الاتصال الحكومي السابق الدكتور مهند مبيضين، والباحث إسماعيل أبو البندورة، وأدارها الدكتور باسم الزعبي، أهم إنجازات الارناؤوط الذي يعد واحدا من أبرز الأسماء العربية في مجال الدراسات التاريخية، خصوصا فيما يتصل بتاريخ البلقان والعلاقات العثمانية الأوروبية.
وتنبع قيمة الأرناؤوط من كونه مثل جسرا معرفيا بين العربية والأبحاث العالمية، وفي كونه باحثا أعاد الاعتبار لمنطقة مهملة في السرد العربي، ومترجما نقل المعرفة لا بوصفها نصوصا، بل بوصفها أدوات تفكير.
وقال الدكتور مبيضين في مداخلته، إن الارناؤوط عرف بجهده الواضح في تقديم العديد من الأبحاث المتخصصة والترجمات، وظل ملتزما بالعطاء بعد التقاعد من الجامعات، كما أنه وضع له مكانه مرموقة في دراسات الوقف الإسلامي في الزمن المعاصر وارتباطه بالماضي.
وأشار إلى أنه أنتج العديد من الأعمال التي رسخت مكانته العلمية ونظرته الثقافية الواسعة المدى للتاريخ، مشيرا إلى أنه في سعيه لتفكيك الصورة الذهنية عن الدولة العثمانية ومؤسسة الدفشرمه وفي سيرته الثقافية، نجد نضوجًا كبيرًا في السيرة العلمية واختياراته للترجمة، مع نظرة نقدية للأعمال السابقة التي اعتاد المؤرخون تمريرها عن الزمن العثماني في لحظة النشأة والصعود والانهيار.
وقال "من بريشتينا الكوسوفية إلى دمشق واسطنبول إلى اربد، إلى المفرق وعمان، ثم إلى الولايات المتحدة، أعاد الأرناؤوط للتاريخ رؤية جديدة، بعيدة عن التداول المعهود لمؤرخينا بالتركيز على الزمن والإبطال، بل ذهب للظواهر والتقاليد والثقافة، وأكمل رحلة المعرفة بعطاء وافر من المقالات والمراجعات العلمية والترجمات، وكان للرحلات إثرها الواضح على اختياراته العلمية وإعادة مناقشة المفاصل التاريخية التي مر بها الشرق الأوسط في العصور الحديثة".
من جانبها قالت الدكتورة أبو الشعر إن "اسم الأرناؤوط أرتبط عندنا بالبلقان وألبانيا بشكل خاص، واعتمد هنا على متابعتي لأبحاثه المنشورة، والتي تمحورت حول الأوقاف، في العهد العثماني، والقدس في العهد العثماني، وموضوعات أخرى تخص العثمانيين، منوهة بإنتاجه الفكري الغزير والذي تجلى بالعديد من مؤلفاته وغالبيتها يربط بين العربية وعالم البلقان، ثقافيا ولغويا، والإسلام وأوروبا، ويبدو أن لخلفية الدكتور بدراسته للغة العربية بجامعة دمشق الدور الأكبر في دراساته، وهو ما يجعله يلتفت للجانب الثقافي والتاريخي في إطار موحد".
وقالت "كنت أتوقع دائما أن يتم الاحتفاء بجهود الدكتور الأرناؤوط في تعريفنا بالثقافة في دول البلقان، وتحديدا في ألبانيا ومكدونيا وصربيا وكوسوفو، وفي تعريف أهالي البلقان بالثقافة العربية، وتحديدا بدمشق والقدس، وأشعر الآن أنه بحصوله على جائزة الترجمة في الدورة الحادية عشرة لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، تم ايفاؤه بعضا مما يستحقه".
بدوره أكد الباحث أبو البندورة على دور الأرناؤوط حينما شغل مديرا لمعهد بيت الحكمة في جامعة آل البيت، بتحويل المعهد إلى ملتقى فكري عالمي، مستقطبا خيرة وكبار المفكرين من الوطن العربي والعالم حيث عقدت من خلاله مؤتمرات عالمية حول موضوعات هامة تخص ثقافتنا العربية ومواضيع معاصرة.
وقال "عندما انتقل الدكتور الأرناؤوط إلى كوسوفو، لم تتوقف مبادراته وتطلعاته إلى استكمال الدور الرائد الذي اضطلع به منذ البداية وسرعان ما ترأس معهدا للدراسات البلقانية وبدأ العمل على نشر العديد من الكتب والدراسات إلى اللغة العربية وجمع حوله العديد من الدارسين الألبان الذين كانوا على صلة بثقافتنا العربية ونشر لهم مؤلفاتهم في عمان واستطاع المثقف العربي الاطلاع على آداب وثقافات كان من المستحيل الاطلاع عليها مترجمة إلى اللغة العربية بدون مثل هذه المبادرات ذات الأهمية الاستثنائية.. مكتبة كاملة من الكتب الصادرة عن منطقة البلقان أسهم الدكتور الأرناؤوط بوضعها بين يدي المثقف العربي".
ومن جهته أعرب الارناؤوط عن شكره وتقديره لمبادرة مؤسسة شومان لتنظيم هذه الندوة الآن بعد فوزه أخيرا بجائزة الشيخ حمد الدولية للترجمة والتفاهم الدولي لتشمل بذلك الثقافة بمفهومها الواسع من الجانب الفكري والأدبي وحتى الأكاديمي.
وقال "أشعر بالامتنان لكوني أُكرّم في الأردن، في البلد الذي جئته عام 1989 قادما من يوغسلافيا لأعمل فيه سنتين أو ثلاثة لكني مكثت فيه ثلاثين سنة، أي أكثر مما عشت في بلد المولد (سوريا) أو في البلقان (يوغسلافيا السابقة وجمهورية كوسوفو). ويشمل هذا الأمر أيضا تكريمي بالفوز في فئة الإنجاز بجائزة الشيخ حمد الدولية للترجمة والتفاهم الدولي، حيث ان نصف ما كُرّمت لأجله أنجزتُه في الأردن والكثير مما نشرته صدر في عمّان".
واستعرض الارناؤوط نشأنه ومسيرته العلمية واهتماماته باللغة والأدب والتاريخ في العديد من الدول والمواقع التي عمل فيها.
وقال بعد مغادرتي الأردن في نهاية 2018 بقيتُ حاضرا فيه بما ينشر لي، وأخصّ هنا بالذكر وزارة الثقافة التي دعمت نشر كتابي "من الحكومة إلى الدولة: تجربة الحكومة العربية في دمشق "1918-1920" بمناسبة الذكرى المئوية لها في 2020، وأعادت نشره ضمن مشروع مكتبة الأسرة في 2025.
يشار إلى أن محمد موفق الأرناؤوط هو مؤرخ كوسوفي/ سوري، وُلد في بيئة ثقافية عربية، وأهتم منذ وقت مبكر بالتاريخ، خصوصًا تاريخ الدولة العثمانية ومنطقة البلقان، بوصفها فضاءً مركبًا تتقاطع فيه الهويات والدين والسياسة، هذا الاهتمام قاده إلى التخصص الأكاديمي في التاريخ، وإلى الانخراط في البحث العلمي المرتبط بالمصادر الأصلية، بما فيها الوثائق العثمانية والأوروبية.
نقل إلى العربية عددًا مهمًا من الدراسات الغربية حول البلقان والتاريخ العثماني، معيدا توطينها داخل السياق العربي، وفتح الباب أمام الباحثين العرب للاطلاع على مدارس تاريخية مختلفة، ومقاربات نقدية حديثة.
تتميّز كتاباته بالجمع بين التحليل التاريخي الصارم، والقدرة على تفكيك الخطابات الأيديولوجية التي أحاطت بتاريخ البلقان، ساعيا إلى تصحيح الصور المشوهة عن العثمانيين في الوعي العربي، وكذلك الصور المبسطة عن أوروبا الشرقية.
شارك الأرناؤوط في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية، وأسهم في تطوير حقل الدراسات البلقانية عربيًا. كما عمل في مؤسسات بحثية، وكان له دور في توجيه جيل من الباحثين نحو هذا المجال الذي ظل لفترة طويلة خارج الاهتمام العربي.
حاصل على جوائز دولية ميدالية الجمهورية في كوسوفو عن مجمل الأعمال عام 2012، وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتعارف الدولي عن مجمل الأعمال المترجمة من الألبانية إلى العربية عام 2025.