الأنباط -
حين يلامس التشريع "العصب الأردني”: قراءة في نقاشات قانون الضمان الاجتماعي
الانباط - فايز الشاقلدي
يشكل مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 واحداً من أبرز الملفات التشريعية المطروحة حالياً على طاولة مجلس النواب، نظراً لما يحمله من تأثير مباشر على شريحة واسعة من المواطنين، سواء من العاملين المشتركين في الضمان أو المتقاعدين الذين يعتمدون على رواتبهم التقاعدية كمصدر رئيسي للعيش. وفي هذا السياق، تأتي تصريحات رئيس مجلس النواب مازن القاضي ورئيس لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان النيابية أندريه الحواري لتسلط الضوء على طبيعة النقاش الجاري حول القانون، وما يحمله من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية تتطلب دراسة متأنية ونقاشاً موسعاً قبل الوصول إلى الصيغة النهائية للتشريع.
دعوة للدقة والموضوعية في النقاش
أكد رئيس مجلس النواب مازن القاضي أهمية التعامل مع مشروع قانون الضمان الاجتماعي بأقصى درجات الدقة والموضوعية، داعياً لجنة العمل النيابية إلى فتح المجال أمام جميع الآراء ووجهات النظر خلال مناقشة المشروع. وتأتي هذه الدعوة في ظل إدراك واضح لحساسية القانون وأثره المباشر على حياة المواطنين ومستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي.
فالضمان الاجتماعي لا يعد مجرد قانون تنظيمي، بل يمثل أحد أهم ركائز منظومة الحماية الاجتماعية في الدولة. ومن هنا، فإن أي تعديل يطرأ عليه قد ينعكس بشكل مباشر على أوضاع العاملين والمتقاعدين، الأمر الذي يتطلب مقاربة تشريعية تقوم على التوازن بين حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين وضمان استدامة النظام المالي للمؤسسة.
كما تعكس تصريحات القاضي حرص مجلس النواب على طمأنة الرأي العام بأن المجلس سيكون دائماً إلى جانب ما يخدم الوطن ويحفظ مصالح المواطنين، وهو ما ينسجم مع الدور الدستوري للمجلس باعتباره السلطة التشريعية التي تمثل المواطنين وتدافع عن مصالحهم.
دور الإعلام في تعزيز الشفافية
من النقاط اللافتة في تصريحات رئيس مجلس النواب تأكيده على أهمية حضور وسائل الإعلام ومتابعتها لمناقشات المجلس المتعلقة بمشروع القانون. فالإعلام يلعب دوراً محورياً في نقل مجريات النقاش إلى الرأي العام، وإطلاع المواطنين على تفاصيل التعديلات المقترحة وأسبابها.
إن تعزيز الشفافية في العمل التشريعي يعد عاملاً أساسياً في بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة. فكلما كانت النقاشات مفتوحة ومعلنة، ازدادت قدرة المجتمع على فهم طبيعة القرارات المتخذة وتقييمها. كما أن التغطية الإعلامية تسهم في الحد من الشائعات والمعلومات غير الدقيقة التي قد تنتشر في ظل غياب المعلومات الرسمية.
وفي هذا الإطار، يشكل حضور الإعلام في جلسات النقاش المتعلقة بالقانون فرصة لتعزيز الحوار العام حول مستقبل الضمان الاجتماعي في الأردن، وفتح المجال أمام الخبراء والمختصين لتقديم رؤاهم وتحليلاتهم بشأن التعديلات المقترحة.
قانون مفصلي يرتبط بالأمن المجتمعي
وصف القاضي مشروع القانون بأنه قانون "حساس ومفصلي” يلامس العصب الأردني ويتصل بالأمن المجتمعي، وهي عبارة تعكس بوضوح حجم الأهمية التي يحظى بها هذا التشريع. فالضمان الاجتماعي يمثل بالنسبة لكثير من المواطنين شبكة الأمان التي تضمن لهم حياة كريمة بعد سنوات طويلة من العمل.
ولا تقتصر أهمية الضمان الاجتماعي على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاجتماعي والسياسي. فوجود نظام ضمان اجتماعي قوي ومستدام يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي ويحد من الفوارق الاقتصادية بين فئات المجتمع.
وفي ظل الظروف الإقليمية والاقتصادية التي تمر بها المنطقة، تزداد الحاجة إلى تعزيز منظومات الحماية الاجتماعية، بحيث تكون قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية وتوفير الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي للمواطنين.
مسؤولية تشريعية كبيرة أمام النواب
أشار رئيس مجلس النواب إلى أن المجلس يقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة تقتضي دراسة مشروع القانون بعناية وموضوعية، وإجراء التعديلات اللازمة عند الحاجة. ويعكس هذا التصريح طبيعة الدور الذي تضطلع به السلطة التشريعية في مراجعة القوانين وتطويرها بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
فالقوانين ليست نصوصاً جامدة، بل أدوات تنظيمية تتطور مع الزمن. ومع التغيرات التي يشهدها سوق العمل وارتفاع أعداد المتقاعدين وتزايد الضغوط على أنظمة التقاعد في مختلف دول العالم، بات من الضروري إجراء مراجعات دورية لقوانين الضمان الاجتماعي لضمان قدرتها على الاستمرار في أداء دورها.
وفي هذا السياق، تبدو لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان النيابية أمام مهمة معقدة تتطلب دراسة دقيقة لمختلف جوانب القانون، بما في ذلك آثاره المالية والاجتماعية على المدى البعيد.
نقاش مفتوح تحت القبة
من بين الإجراءات التي أعلن عنها رئيس مجلس النواب بشأن مناقشة مشروع القانون، أن التصويت على مواده سيكون بالوقوف، وأن المجال سيكون مفتوحاً أمام النواب للحديث دون قيود زمنية محددة. ويعكس هذا التوجه رغبة في إتاحة مساحة واسعة للنقاش داخل المجلس، بما يسمح لجميع النواب بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم.
وقد يسهم هذا النهج في إثراء النقاش التشريعي حول القانون، حيث سيتمكن النواب من طرح مختلف القضايا المرتبطة به، سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. كما أنه يعزز من مبدأ الشفافية داخل المجلس، حيث تكون المواقف واضحة أمام الرأي العام.
قراءة في أخطاء الماضي
لفت القاضي إلى أن الالتزام الكامل بتطبيق القانون في مراحل سابقة كان من الممكن أن يجنب البلاد الوصول إلى المرحلة الحالية التي تستدعي إجراء تعديلات. ويشير هذا التصريح إلى وجود خلل في آليات التطبيق أو المتابعة خلال السنوات الماضية.
وهذه الملاحظة تسلط الضوء على أهمية الفجوة التي قد تنشأ أحياناً بين النصوص القانونية وتطبيقها على أرض الواقع. فحتى أفضل القوانين قد تفقد فعاليتها إذا لم يتم تنفيذها بالشكل الصحيح أو إذا غابت الرقابة على تطبيقها.
ومن هنا، فإن أي إصلاح تشريعي يجب أن يترافق مع إصلاح إداري ومؤسسي يضمن حسن تنفيذ القوانين ومتابعة تطبيقها بشكل مستمر.
منصة إلكترونية لإشراك المواطنين
في خطوة لافتة تعكس توجهاً نحو تعزيز المشاركة المجتمعية في صياغة التشريعات، أعلنت لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان النيابية عن إطلاق منصة إلكترونية لاستقبال آراء المواطنين والخبراء والجهات المختلفة حول مشروع القانون.
وتعد هذه الخطوة مؤشراً على إدراك اللجنة لأهمية إشراك المجتمع في النقاش حول القوانين التي تمس حياته اليومية. فالخبراء والمختصون والنقابات العمالية وأصحاب العمل يمتلكون خبرات وتجارب قد تسهم في تحسين النصوص التشريعية.
كما أن إتاحة المجال أمام المواطنين لإبداء آرائهم حول القانون تعزز من مفهوم الديمقراطية التشاركية، حيث يصبح المواطن شريكاً في عملية صنع القرار وليس مجرد متلقٍ للسياسات العامة.
ملف الرواتب التقاعدية المرتفعة
أحد أبرز الملفات التي أثارها رئيس لجنة العمل النيابية أندريه الحواري يتعلق بالرواتب التقاعدية المرتفعة في الضمان الاجتماعي. وأشار الحواري إلى أن الحكومة لم تتناول هذه المسألة في مشروع القانون المعدل، إلا أن اللجنة تبدي رغبة في تعديل مسار هذه الرواتب.
ويعد هذا الملف من أكثر القضايا إثارة للجدل في أنظمة التقاعد، حيث يطرح تساؤلات حول العدالة في توزيع المنافع التقاعدية بين المشتركين. فوجود رواتب تقاعدية مرتفعة جداً قد يثير انتقادات لدى بعض الفئات التي ترى أن ذلك يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية.
في المقابل، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب حذراً قانونياً ودستورياً، نظراً لارتباطه بالحقوق المكتسبة للمشتركين. ولهذا أشار الحواري إلى أن اللجنة ستبحث عن أساس دستوري يسمح بإجراء اقتطاعات عادلة تطبق على الجميع دون استثناء.
حوكمة مؤسسة الضمان
تناولت تصريحات الحواري أيضاً مسألة حوكمة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، حيث أبدى تحفظ اللجنة على منح محافظ المؤسسة صلاحية تعيين ستة أعضاء في مجلس إدارتها. وترى اللجنة أن هذا الترتيب قد يؤدي إلى اختلال في توازن الصلاحيات داخل المؤسسة.
وتعد الحوكمة الرشيدة من أهم العوامل التي تضمن حسن إدارة المؤسسات العامة، خصوصاً المؤسسات التي تدير أموالاً ضخمة تعود للمشتركين. فوجود مجلس إدارة متوازن يضم ممثلين عن مختلف الأطراف يسهم في اتخاذ قرارات أكثر شفافية ومسؤولية.
بين العدالة والاستدامة
في المحصلة، يعكس النقاش الدائر حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي محاولة لإيجاد توازن دقيق بين هدفين رئيسيين: تحقيق العدالة الاجتماعية للمشتركين وضمان الاستدامة المالية للمؤسسة.
فالضمان الاجتماعي يمثل شبكة الأمان الاقتصادي لمئات الآلاف من الأسر الأردنية، وفي الوقت نفسه يعتمد على نظام مالي يجب أن يكون قادراً على الاستمرار لعقود قادمة. ومن هنا تأتي أهمية النقاش التشريعي الجاري حالياً، الذي قد يحدد ملامح نظام الضمان الاجتماعي في الأردن لسنوات طويلة مقبلة.
ومع استمرار المناقشات داخل لجنة العمل النيابية وتحت قبة البرلمان، يبقى الرهان الأساسي على الوصول إلى صيغة تشريعية متوازنة تحقق مصلحة الوطن وتحافظ على حقوق المواطنين، وتضمن في الوقت ذاته استدامة واحدة من أهم مؤسسات الحماية الاجتماعية في الدولة