الأنباط -
الحياة لا تفتح أبوابها لمن ينتظر""
في مكان ما بين الخوف والرغبة تقف أعمار كاملة تنتظر اللحظة المناسبة. ينتظر الإنسان ان يطمئن حتى يبدأ، وان ينجح حتى يثق بنفسه، وان تتضح الطريق حتى يمشي، وكأن الحياة وعدته يوما بأنها ستأتي بلا غموض ولا خسارة ولا ريح. لكنها لم تعدنا بشيء من ذلك، ولعل أجمل ما فيها أنها لم تمنحنا خريطة كاملة، لأن الإنسان لو عرف الطريق كله قبل ان يمشيه لما احتاج إلى الشجاعة، ولما اكتشف تلك القوة التي لا تظهر إلا عندما تصبح الخطوة الواحدة فعلا من أفعال الإرادة.
نحن نؤجل كثيرا من حياتنا لأننا نبحث عن اللحظة المثالية، بينما معظم الأشياء العظيمة بدأت في ظروف ناقصة. لم تكن البدايات الكبرى دائما في الوقت المناسب، ولم تكن الطرق واضحة، ولم تكن النتائج مضمونة، لكن أصحابها امتلكوا شجاعة الخطوة الأولى. فالإرادة ليست ان تعرف كيف ستصل، بل ان تؤمن ان عليك ان تبدأ، لأن بعض الطرق لا تكشف أسرارها لمن يقف على عتبتها، وإنماجمي لمن يملك شجاعة الدخول.
وكم من فكرة بقيت حبيسة عقل صاحبها لأنه انتظر الوقت المثالي، وكم من موهبة ذبلت لأنها ظلت تقارن نفسها بمن سبقها، وكم من حلم مات بهدوء لأن صاحبه ظل يقول سأبدأ عندما تتحسن الظروف. ثم مر العمر وتغيرت الظروف، لكن الحلم بقي في مكانه. وربما لا تضيع بعض الفرص لأن الطريق أغلق، بل لأنها ظلت تنتظر منا شجاعة لم نمنحها لها.
وهنا يأتي الوعي ليفرق بين الانتظار الذي يبني الإنسان، والانتظار الذي يخفي خوفه. هناك من ينتظر ليستعد، وهناك من ينتظر حتى لا يبدأ. الأول يستخدم الوقت ليصبح أكثر قدرة، والثاني يستخدمه ليصنع مزيدا من الأعذار. والحياة لن تصبح مضمونة مهما انتظرنا، وهذه ليست دعوة للخوف، بل دعوة للتحرر، لأن المستقبل لم يكتب كله بعد، وهذه ليست فجوة في اليقين، بل مساحة للحرية.
في كل صباح تولد فرصة صغيرة لإعادة كتابة شيء ما. عادة يمكن تغييرها، فكرة يمكن تطويرها، علاقة يمكن إصلاحها، كتاب يمكن فتحه، حلم يمكن إعادته إلى الحياة. وليس ضروريا ان تكون البداية عظيمة، فقد تكون دقيقة واحدة أو صفحة واحدة أو قرارا صغيرا لا يراه أحد. فالنهر يبدأ بقطرة، والشجرة التي تملأ السماء تبدأ ببذرة، والإنسان الذي نراه اليوم واثقا وقادرا ربما كان يوما ما خائفا لا يعرف كيف يخطو خطوته الأولى.
لذلك لا تقارن بدايتك بصورة النهاية عند الآخرين. أنت ترى الثمرة ولا ترى سنوات الجذر، وترى الضوء ولا ترى العتمة التي عبرها، وترى الإنجاز ولا ترى عدد المرات التي وقف فيها صاحبه على حافة الاستسلام ثم اختار الاستمرار. ليست القوة ان تشعل العالم في يوم واحد، بل ان تحافظ على شعلة صغيرة في داخلك حتى تمر العاصفة، وان تتأخر دون ان تعتبر نفسك متأخرا عن الحياة، وان تسقط دون ان تمنح السقوط حق اختيار مكانك النهائي.
فالحياة ليست امتحانا في الكمال، بل مدرسة في التحول. الخسارة تعلمنا الامتنان، والتأخير يعلمنا الصبر، والفشل يمنحنا البصيرة، والنجاح يعلمنا المسؤولية، والعلاقات تعلمنا الاحتواء. ومع كل تجربة نكتشف ان النمو الحقيقي لا يحدث دائما بصوت مرتفع، بل قد ينمو في الصمت، مثل بذرة تشق طريقها في الظلام قبل ان ترى الشمس.
واقول انا: لم أعد أنتظر اليوم الذي تصبح فيه الحياة سهلة حتى أبدأ. تعلمت ان الطريق لا يصبح واضحا كله دفعة واحدة، وان الإنسان لا يحصل دائما على اليقين قبل الخطوة، بل يحصل أحيانا على اليقين بعد ان يخطوها. تعلمت ان بعض الأبواب لا تفتح لمن يقف أمامها طويلا، بل لمن يملك شجاعة ان يدفعها، وان ما نبحث عنه في الخارج قد يكون نائما في داخلنا منذ سنوات.
وصرت أؤمن ان أجمل بداية يمكن ان يمنحها الإنسان لنفسه ليست بداية مشروع جديد فقط، بل بداية نظرة جديدة إلى نفسه. ان يرى امكاناته قبل عثراته، والنور قبل اكتمال الصباح، والطريق فرصة لا تهديدا. أريد طموحا لا يسرق مني سلامي، وإنجازا يزيدني تواضعا، وعطاء يزيدني امتلاء، وقوة لا تفقدني الرحمة، ونجاحا لا يبعدني عن نفسي.
وفي النهاية ربما لا تكون المشكلة ان الحياة لم تفتح لنا أبوابها، وربما كنا نقف طويلا أمام باب واحد وننسى ان في الحياة أبوابا كثيرة. باب أغلق قد يكون قد حمانا، وباب تأخر قد يكون يعدنا، وباب لم نره بعد قد يكون ينتظر ان ننضج بما يكفي لنعرف قيمته. لذلك لا تجعل بابا واحدا يختصر العالم كله، ولا تجعل تأخرا واحدا يحكم على عمرك، ولا تجعل خسارة واحدة تقنعك ان الحكاية انتهت.
ما دام في القلب نبض فهناك مساحة لبداية، وما دام في الروح شغف فهناك طريق، وما دام في الإنسان إرادة فهناك شيء يمكن بناؤه. قد لا نملك ان نبدأ من جديد كما لو ان شيئا لم يحدث، لكننا نملك ان نبدأ من حيث نحن، من هذه اللحظة، ومن هذا القلب الذي عرف من الحياة ما يكفي ليصبح أكثر حكمة ورحمة وقوة.
فلا تنتظر ان تفتح الحياة أبوابها لك... اطرق بابها بقلب حي وإرادة لا تنطفئ، فقد تكون خلف الباب حياة كاملة كانت تنتظر منك فقط ان تبدأ.
بقلم 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب