من المصب إلى المنبع: كيف يصنع الأردن منابع
قوته الجديدة؟
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
ليست كل دولة في المصب ضعيفة، ولا كل دولة عند المنبع قوية، لكن من
يملك المنبع يملك، في الحد الأدنى، القدرة على التأثير في تدفق ما يصل إلى غيره.
في زمن النهر كان ذلك يعني الماء، وفي زمن النفط والغاز أصبح يعني الطاقة، وفي زمن
الممرات يعني التجارة. أما اليوم فقد يكون المنبع شريحة إلكترونية، أو معدنًا
حرجًا، أو مركز بيانات، أو خوارزمية، أو جامعة تنتج المعرفة. لم يعد السؤال فقط:
من يملك النفط؟ بل: من يملك تكنولوجيا استخدامه؟ ولم يعد: من يملك البيانات؟ بل:
من يملك الحوسبة التي تحوّلها إلى معرفة، والخوارزمية التي تحوّل المعرفة إلى
قرار؟ من هنا يصبح ثنائي "المنبع والمصب" أكثر من وصف جغرافي؛ إنه مدخل
لفهم توزيع القوة في القرن الحادي والعشرين.
والأردن، بهذه العدسة، حالة لافتة: لا وفرة مائية، ولا ثروة نفطية أو
غازية، وليس دولة كبرى. لكنه يقع في قلب منطقة شديدة الحساسية للمياه والطاقة
والممرات والتجارة، وله منفذ بحري عبر العقبة، وموارد بشرية متعلمة، وموقع بين
مراكز اقتصادية كبرى. وهذا يمنحه فرصة للتحول من جغرافيا تقع بين الآخرين إلى عقدة
تربطهم ببعضهم. وهنا المسألة الحقيقية: هل قدره أن يبقى في نهاية التدفقات، أم
يصبح جزءًا من صناعتها؟ إنه سؤال أكبر من الاقتصاد والتكنولوجيا، فهو سؤال عن موقع
الدولة في النظام الدولي القادم.
ويبدأ الجواب من الماء، لأن الأمن المائي في الأردن قضية سيادة لا
قضية خدمات. ومشروع الناقل الوطني ليس بنية تحتية فقط، بل محاولة لإعادة صياغة
علاقة الدولة بأحد أهم حدودها الاستراتيجية. غير أن السؤال الأعمق ليس "كيف
نحصل على الماء؟" بل "كيف نمنع أن يتحول اعتمادنا على أي مورد من أي جهة
كانت إلى اعتماد مطلق؟". وهذه القاعدة تسري على الطاقة والغذاء والتكنولوجيا
والتمويل، فالدولة التي تعتمد على مصدر واحد، أو على تكنولوجيا لا تفهمها وتطورها،
تصبح مستخدمًا دائمًا لا شريكًا. ولهذا سيكون الأمن الوطني مستقبلًا أمنَ تدفقات:
مياه وطاقة وسلع وبيانات ومعرفة. ومن هذه الزاوية يصبح موقع الأردن أكثر إثارة،
فقد يكون "مصبًا" في موارد و"منبعًا" في أخرى؛ مستوردًا
للطاقة لكنه منتج واعد للمتجددة، فقيرًا بالمياه لكنه مركز محتمل لتقنيات إدارة
الندرة، صغير السوق لكنه منصة خدمات عابرة للحدود. وقد لا يصنع الرقائق، لكنه
يستطيع أن يدخل في تصميم البرمجيات والذكاء الاصطناعي، وأن ينتج عقولًا وحلولًا
يحتاجها العالم. وهنا تنتقل المعادلة من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الموقع
والقدرة.
لقد اعتدنا قياس ثروة دول المنطقة بما تحت الأرض، لكن العالم الجديد
سيجبرنا على قياس جزء مهم منها بما فوق الأرض وبين العقول. وهذا ما يجعل الذكاء
الاصطناعي نقطة تحول جيوسياسية؛ فهو منظومة تبدأ من الرقائق والطاقة والبيانات،
وتمر بالنماذج والباحثين، وتنتهي بالمنصات والقطاعات التي تستخدمها. ومن يملك
حلقاتها لا يملك تكنولوجيا فقط، بل جزءًا من بنية القوة العالمية الجديدة. وقد
أدرك الأردن هذا مبكرًا، فأصدر سياسة الذكاء الاصطناعي عام 2020، ثم الاستراتيجية
وخطتها التنفيذية 2023–2027 التي تضم 68 مشروعًا. لكن التحدي الفعلي يكمن في
الفلسفة: إذا عُومل الذكاء الاصطناعي كـ"قطاع" جديد بقي الأردن في المصب؛
أما إذا عُومل كطبقة تمتد فوق الدولة كلها، فالقصة تختلف. عندها يجب أن يدخل الماء
قبل الشعارات، والزراعة قبل المؤتمرات، والمدارس قبل المعارض، والمستشفيات قبل
التطبيقات، والطاقة قبل الحملات الترويجية، والنقل والجمارك والموانئ وسلاسل
الإمداد قبل الحديث عن اقتصاد المستقبل.
والسؤال الأعمق ليس ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي للأردن اليوم، بل ماذا
سيحدث عندما يصبح جزءًا من تفكير الأجيال القادمة. فالجيل الذي سيدخل سوق العمل في
العقد القادم لن يعيش كما عاش جيل التسعينيات، وسيتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما
نتعامل نحن مع الكهرباء منذ عقود: بنية غير مرئية في كل شيء، من الكتابة بمساعدة
نموذج ذكي إلى إدارة المصانع بأنظمة ذاتية والتخطيط الحكومي بالخوارزميات. وسيتحول
جزء من الاقتصاد من تنفيذ الإجراءات إلى تصميم الأنظمة والإشراف عليها وتصحيحها.
وهنا يصبح التعليم قضية جيوسياسية لا اجتماعية فحسب: فتعليم ينتج حافظي معلومات
سيفقد قيمته أمام الخوارزميات، أما تعليم ينتج من يسأل السؤال الصحيح، ويفهم
البيانات، ويعرف حدود الخوارزمية، ويستطيع بناءها، فيتحول إلى رافعة استراتيجية.
والجامعة التي لا تنتج معرفة تبقى مؤسسة تدريس، أما التي تنتج براءات اختراع وشركات
ناشئة فتصبح أصلًا استراتيجيًا. ولهذا فإن إصلاح التعليم جزء من معركة الموقع
الأردني في النظام العالمي القادم، لا ملف اجتماعي منفصل عنها.
ولا يقل أهمية عن التعليم التحول في النظر إلى البيانات. فبياناتنا
بكل أشكالها أصبحت موردًا استراتيجيًا. لكن التعبير الشائع "البيانات هي
النفط الجديد" مضلل، فالبيانات الخام بلا حوسبة وخوارزمية وموهبة وحوكمة تبقى
بلا قيمة. وخطر الأردن ليس نقص البيانات بل تشتتها في جزر مؤسسية غير مترابطة. أما
حجمه الصغير فقد يتحول إلى ميزة إذا توفرت الإرادة المؤسسية، فهو يستطيع أن يجرّب بسرعة،
ويربط مؤسساته، ويحوّل قطاعات كاملة إلى مختبرات. وذلك يتطلب تغييرًا في فلسفة
الإدارة؛ فليس المطلوب أن تصبح كل وزارة "وزارة ذكاء اصطناعي"، بل أن
تصبح الدولة نفسها دولة تتعلم من البيانات. وتُعد خطوة وزارة الاقتصاد الرقمي في
2026، بتقييم جاهزية القطاع العام وتدريب أكثر من ألفي موظف، مؤشرًا جيدًا، لكن
قيمتها الحقيقية تُقاس بالانتقال من التدريب إلى تغيير طريقة اتخاذ القرار فعليًا؛
فالذكاء الاصطناعي الذي لا يغيّر القرار يبقى تجربة تقنية لا أصلًا وطنيًا.
ويقود ذلك إلى بُعد سيادي لا يمكن إغفاله، هو السيادة الرقمية. فهي
أولًا بنية ثقة: إذ تجذب الدول التي تستثمر في حوكمة البيانات وتشريعات الخصوصية
والأمن السيبراني الموثوق مراكز البيانات ومشغلي السحابة، في وقت تتنافس فيه دول
كثيرة في المنطقة بقوة على استضافة هذه البنية. والأردن، إن بنى إطارًا تنظيميًا
موثوقًا، يستطيع أن يجذب جزءًا من هذا الاستثمار بوصفه منطقة حياد رقمي بين محاور
متنافسة، كما لعبت دول صغيرة أخرى دور الوسيط المالي أو اللوجستي بين كتل كبرى.
وهي ثانيًا جزء من السيادة الوطنية لا ترف: فالخوارزمية ستبدأ في تحديد موقع
الإنسان داخل الاقتصاد، أي المهارات المطلوبة، والوظائف التي تختفي، والشركات التي
تحصل على التمويل. لكنها لا تأتي من فراغ، بل تتعلم من البيانات التي توضع أمامها.
فإذا لم نمتلك بياناتنا، فكيف نضمن أن الخوارزمية التي تشكّل مستقبلنا تفهم
مجتمعنا واقتصادنا؟ والمقصود ليس منافسة النماذج العالمية، بل امتلاك القدرة على
فهمها وتقييمها، ومعرفة متى نستخدم النموذج العالمي ومتى نحتاج نموذجًا محليًا.
وهذا هو الحد الأدنى من السيادة في عالم ستصبح فيه الخوارزميات جزءًا من البنية
التحتية للدولة.
وهنا نعود إلى الجغرافيا. فالأردن ليس جزيرة، ولا ينبغي أن يفكر بمنطق
الاكتفاء الذاتي؛ قوته المستقبلية في أن يكون دولة عقدة. وقد مرّ طريق الحرير
القديم عبر الجغرافيا وحدها، أما الجديد فيمر عبر الجغرافيا والشبكات والبيانات
معًا. وهنا تتلاقى الجغرافيا مع تكنولوجيا المستقبل.
ومن هنا يمكن للأردن أن ينتقل من سؤال "ماذا ينقصنا؟" إلى
سؤال "ما الذي نجعل الآخرين يحتاجون إلينا فيه؟". فهو لا يستطيع منافسة
الوفرة الطبيعية، لكنه يستطيع منافسة القدرة البشرية. وكل دينار يُستثمر في
التعليم النوعي والمهارات الرقمية يمكن أن يصبح أصلًا استراتيجيًا، بشرط ألا تتحول
هذه العقول إلى قوة عمل مُصدَّرة بالكامل. فالخطر أن يتحول الأردن إلى حاضنة
تُخرّج الكفاءات ثم تستورد منتجاتها وخدماتها. والسؤال الوطني هو: كيف نحتفظ بجزء
من القيمة التي تنتجها عقولنا؟ لا بمنعها من السفر، بل بجعل الأردن مكانًا يمكن
العمل منه مع العالم، إذ لا تحتاج الموهبة دائمًا إلى الانتقال جغرافيًا كي تصل
إلى السوق العالمي، ما دامت البنية الرقمية والتشريعات والتمويل والملكية الفكرية
والمؤسسات البحثية متوفرة.
غير أن كل ذلك يبقى معلقًا على شرط واحد: سرعة مؤسسات الدولة نفسها. فالتكنولوجيا تتقادم بوتيرة أسرع
من الإجراءات، والدولة التي تحتاج سنوات لاتخاذ قرار تقني قد تجد أن التكنولوجيا
التي بنت عليها قرارها أصبحت قديمة قبل اكتمال المشروع. وفي عالم كهذا تصبح الفجوة
بين التخطيط والتنفيذ فجوة استراتيجية بحد ذاتها، وتصبح الإدارة العامة جزءًا من
القدرة الجيوسياسية.
وإذا أردنا تصور الأردن بعد عقد، فلا ينبغي أن نسأل فقط عن الناتج
المحلي الإجمالي أو عدد السكان، بل: هل يستطيع إنتاج طاقته من مصادر تنافسية؟ وأن
يصبح مركزًا لخدمات رقمية متخصصة ونماذج ذكاء اصطناعي؟ وهل تنتج جامعاته المعرفة
لا الشهادات فقط؟ وهل يحوّل العقبة إلى عقدة لوجستية ورقمية، وشحَّ موارده إلى
حافز للابتكار؟ وهل يجعل أبناءه جزءًا من الثورة الصناعية الخامسة، التي نعيش
مرحلتها الانتقالية قبل نضجها الكامل، بدل أن يكونوا مستخدمين فقط لمنتجاتها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلن يحتاج الأردن إلى امتلاك ما تملكه الدول
الكبرى، بل إلى ما يجعله مهمًا لها. وهذا هو الفرق بين الدولة الكبيرة والدولة
الذكية: الأولى قوة بحجمها، والثانية قوة بموقعها وشبكاتها ومعرفتها وعلاقاتها.
والتحول من المصب إلى المنبع لا يعني الانغلاق أو إنتاج كل شيء محليًا، بل بناء
اعتماد متبادل متوازن: أن تحتاج إلى الآخرين دون أن يحوّل أحد حاجتك إلى أداة
لإملاء خياراتك. تستورد التكنولوجيا لكنك تبني قدرتك على فهمها وتطويرها، وتستورد
الطاقة لكنك تبني بدائل، وتستورد الغذاء لكنك تحمي أمنك الغذائي، وتستورد الحوسبة
لكنك تبني قدرات محلية في البيانات والنماذج، وتتعاون مع القوى الكبرى دون أن تربط
مستقبلك بمركز واحد. إنها سياسة مرونة لا مواجهة.
والخطر الأكبر أن يبقى الأردن في المصب وهو يظن أنه بلغ المنبع: أن
نشتري أجهزة ونظن أننا امتلكنا التكنولوجيا، أو نستخدم الذكاء الاصطناعي ونظن أننا
أصبحنا دولة ذكاء اصطناعي، أو نرسل أبناءنا إلى الجامعات ونظن أننا بنينا اقتصاد
المعرفة، أو نضع البيانات في قواعد إلكترونية ونظن أننا أصبحنا دولة تعتمد على
البيانات. فالمنبع ليس ما نملكه على الورق، بل القدرة التي يعتمد عليها الآخرون.
والمؤشرات الحقيقية ليست كثرة المؤتمرات، بل: كم شركة أردنية تبيع حلولها خارج
الأردن؟ وكم نظامًا محليًا تستخدمه دول أخرى؟ وكم باحثًا يقود مشروعًا عالميًا؟
وكم جامعة تنتج معرفة وبراءات اختراع؟ وكم عقدة لوجستية تمر عبرها تجارة المنطقة؟
وكم قيمة يضيفها الأردن قبل أن تصل السلعة إلى المستهلك النهائي؟