البث المباشر
د. منذر جرادات يبارك للقاضي عبدالرحمن جرادات نيله الثقة الملكية السامية . الفنان العراقي عبدالله شعيب يوثق تنوع التراث المحلي في "تلعفر".. ويستعد لطرح "زمردة" المهداة للموصل لجنة الانتخابات الإسرائيلية ترفض طلب تمديد فترة التصويت ساعة المراسل الميداني… هوية الصحفي على معصمه ورسالة سلامة في الميدان. الأرصاد: زخات رعدية متوسطة وغزيرة في عدة مناطق بالمملكة حجازين يلتقي وفداً كنسياً فرنسياً لتعزيز السياحة الدينية واستقطاب الحجاج استعداداً لعام ٢٠٣٠ ارتفاع نسبة التصويت بالانتخابات الاسرائيلية الى 66.7% تحالف إنتاجي عربي لإطلاق أعمال "الميكرودراما" بين مصر وفلسطين والأردن ولبنان . العدوان : تصريحات الفراية بوجود مظاهر من التطرف مغلوطة الأمانة تكثف الجهود وتتعامل ميدانيًا مع تداعيات الحالة الجوية السعودية: سقوط شظايا باعتراض صاروخين في مدينة الرياض أورنج الأردن في سوفكس 2026: مشاركة وحضور ضخم لمزوّد الاتصالات والإنترنت الحصري الأشغال تبدأ أعمال صيانة وتعبيد على طريق المطار مساء الأربعاء إلقاء القبض على 145 شخصًا بقضايا ترويج واتجار وحيازة وتعاطي الكريستال رئيس هيئة الأركان يلتقي عدداً من الوفود العسكرية على هامش معرض سوفكس 2026 الملك يرعى انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض "سوفكس 2026" في العقبة الجامعة الأردنيّة تشارك في معرض "سوفكس 2026" بمشروعٍ للكشف المبكّر عن حرائق الغابات باستخدام الذكاء الاصطناعيّ إصابة(19) شخصاً إثر حادث تدهور حافلة في محافظة جرش مصدر: خيمة المدنيين في جنوب سوريا لم تكن هدفا للقوات المسلحة الأردنية ولم يتم استهدافها الأرصاد تحذر من السيول والعواصف الرعدية مع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي

حين يصبح المستقبل طرفا في الدستور : المانيا .. ومعركة المناخ بين الحرية والعدالة

حين يصبح المستقبل طرفا في الدستور  المانيا  ومعركة المناخ بين الحرية والعدالة
الأنباط -

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

لم يعد المناخ في " ألمانيا " مجرد قضية تتعلق بدرجات الحرارة أو بانبعاثات المصانع أو بمظاهرات الشباب في الشوارع ، حيث بدأ المناخ يطرق بابا أكثر صلابة وهو " باب الدستور " ، وحين تصل قضية ما إلى الدستور فإنها لا تعود شأنا سياسيا عابرا ولا برنامجا انتخابيا قابلا للتغيير مع تبدل الحكومات بل تصبح جزءا من السؤال الأكبر ، وهو : ما الذي تلتزم الدولة بحمايته ، وما الذي يحق للمواطنين والأجيال القادمة أن يطالبوا به؟ ، ولهذا تعود ألمانيا اليوم إلى قلب النقاش الأوروبي حول المناخ ، في لحظة لم تعد فيها الأزمة المناخية مجرد توقعات علمية بعيدة بل واقعا يمر فوق المدن والأنهار والغابات والاقتصاد ، فقد دفعت مؤخرا موجات الحر والجفاف وانخفاض منسوب الأنهار وحرائق الغابات الحكومة الألمانية إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع آثار تغير المناخ ، وقد طرح وزير البيئة الألماني " كارستن شنايدر " المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، إدخال التكيف مع تغير المناخ وحماية الطبيعة باعتبارهما مهمة مشتركة بين الحكومة الاتحادية والولايات في القانون الأساسي الألماني
 
ليأتي بذلك التحرك السؤال الأهم ، في : من يتحمل مسؤولية حماية الإنسان حين يصبح المناخ نفسه مصدرا للخطر؟ ، فالراين الذي يمثل أحد شرايين الاقتصاد الألماني شهد مستويات مياه منخفضة أثرت في حركة النقل والإمدادات ، والحرارة والجفاف والحرائق أصبحت تضغط على الزراعة والمياه والبنية التحتية ، وفي مواجهة هذه الوقائع ترى الحكومة أن الأدوات القانونية والمالية القائمة لا تكفي دائما لتنسيق الاستجابة بين برلين والولايات والبلديات ، فالدستور ليس طريقا سهلا لتغير كل ذلك ، حيث أن اي تعديل للقانون الأساسي يحتاج إلى أغلبية الثلثين في " البوندستاغ والبوندسرات " ولذلك فإن تحويل التكيف المناخي إلى مسؤولية دستورية يحتاج إلى توافق سياسي واسع لا إلى قرار من حزب واحد ، لتظهر من هنا المفارقة الألمانية ، في ان الحزب " الاشتراكي الديمقراطي " يدفع باتجاه جعل التكيف المناخي وحماية الطبيعة مسؤولية مشتركة تتيح للحكومة الاتحادية تمويل وتنفيذ مشاريع مع الولايات والبلديات ، بينما تنظر قوى في الاتحاد " المسيحي الديمقراطي/ الاجتماعي المسيحي " إلى الفكرة بتحفظ ، خشية أن تتحول إلى التزامات مالية وبيروقراطية جديدة من دون ضمان واضح لفاعليتها

وفي الخلفية من ذلك يقف حكم المحكمة الدستورية الاتحادية الصادر عام 2021 ، الذي جعل ألمانيا سابقة عالمية مهمة حين ربط حماية المناخ بالحقوق الأساسية ، وأكد أن الدولة لا تستطيع أن تؤجل عبء خفض الانبعاثات إلى المستقبل ثم تترك الأجيال القادمة أمام قيود أشد على حرياتها ، لتبدو لنا ألمانيا بذلك تنتقل اليوم من دستور يحمي المستقبل من آثار القرارات الحالية إلى نقاش حول دستور يحمي الحاضر من آثار الأزمة التي بدأت بالفعل ، وهذه بحد ذاتها نقلة فلسفية قبل أن تكون قانونية ، فالدستور في جوهره عقد بين الدولة والإنسان ، لكنه في القضية المناخية يبدو وكأنه أصبح عقدا بين ثلاثة أزمنة ، وهم : حاضر يستهلك ، ومستقبل سيدفع الثمن ، ودولة مطالبة بأن توازن بين الاثنين

الا أن السؤال الأكثر حساسية في ذلك ، هو : هل تستطيع ألمانيا أن تحمي المناخ من دون أن تجعل كلفة التحول المناخي عبئا على الصناعة والمواطن؟ وهل تستطيع أن تطالب الشركات بخفض الانبعاثات والمدن بإعادة تصميم بنيتها التحتية ، والمزارعين بالتكيف مع الجفاف ، والعمال بتحمل ظروف حرارية أقسى ، من دون أن توفر الدولة التمويل والحماية الاجتماعية اللازمة؟ ، ولهذا بناء على ذلك جاءت مطالب الوزراء الاشتراكيين مؤخرا مصحوبة بخطة لحماية السكان من الحرارة وتغييرات في قوانين التخطيط والبناء وإجراءات لحماية العاملين من درجات الحرارة الشديدة ، حيث ناقش " البوندستاغ " مقترحا لتعزيز حماية المناخ دستوريا في بادئ الأمر ، ثم بعد ذلك شهد نقاشات جديدة حول مقترحات مرتبطة بالتعامل مع آثار سياسات المناخ والطاقة ، مما يعني أن الملف لم يعد مجرد فكرة أطلقها وزير أو نقاش إعلامي بل أصبح جزءا من المعركة السياسية داخل البرلمان الألماني

الا أن ألمانيا لا تقف وحدها أمام كل ذلك ، فما يحدث فيها قد يصبح نموذجا أوروبيا ، في : هل يمكن أن تتحول أزمة المناخ من قضية سياسية إلى معيار دستوري للحكم؟ وإذا كانت الدولة مسؤولة عن حماية الإنسان من الحرب والفقر والتمييز ، فهل تصبح مسؤولة دستوريا أيضا عن حمايته من موجات الحر والجفاف والفيضانات ونقص المياه؟ ، وهذا هو السؤال الحقيقي الذي تطرحه ألمانيا على أوروبا والعالم اليوم ، لان الاحتجاج الذي يظهر في الصورة ليس مجرد مجموعة من الشباب تحمل لافتة تقول فيها : غيروا المناخ .. بل تعبير عن جيل بدأ يشعر بأن مستقبله أصبح مرتبطا بقرارات لم يتخذها ، وحين تتحول صرخة الشارع إلى نص دستوري فإن السياسة تكون قد دخلت مرحلة جديدة ، مرحلة لا يعود فيها المناخ مجرد ملف في وزارة البيئة بل يصبح امتحانا لفكرة الدولة نفسها ، ب : هل تستطيع الدولة أن تضمن حق الإنسان في مستقبل قابل للحياة؟

فألمانيا الأن تقف عند هذه العتبة ، بين اقتصاد يريد الاستقرار ، وصناعة تريد القدرة على المنافسة ومجتمع يريد حماية مناخية لا يدفع ثمنها وحده ، وأجيال لم تولد بعد لا تستطيع أن تصوت ولا أن تحتج ولا أن تدافع عن حقها ، ولذلك ومن هنا تحديدا يتم التأكيد على أن معركة المناخ الألمانية ليست في حقيقتها معركة حول الحرارة فقط ، بل إنها معركة حول من يدفع ثمن المستقبل؟ ، وحين يصبح هذا السؤال مكتوبا بين سطور " الدستور " يصبح المناخ أكثر من قضية بيئية .. يصبح قضية عدالة وقضية حرية وقضية حق لم يولد أصحابه بعد .
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير