الأنباط -
بقلم الدكتور ابراهيم الرواشدة
مؤسس و رئيس جمعية الأطباء الأردنيين في ألمانيا (JAD)
يُنظر إلى هجرة الأطباء الأردنيين في الغالب باعتبارها خسارة للكفاءات التي يحتاجها القطاع الصحي. وهذه قراءة صحيحة من زاوية سوق العمل لكنها لا تقدم وحدها معالجة لظاهرة مستمرة ولا تستفيد من الخبرات التي يكتسبها الأطباء الأردنيون في أنظمة صحية متقدمة.
دراسة منشورة في Postgraduate Medical Journal وشملت 1006 من طلبة الطب الأردنيين أظهرت أن 85% منهم يخططون لإكمال تدريب الإقامة خارج الأردن و63% يخططون للحصول على تدريب الزمالة خارج المملكة فيما أشار 30% إلى نيتهم مغادرة الأردن بصورة دائمة. وتعكس هذه النتائج تحدياً ينبغي أخذه في الاعتبار عند وضع سياسات التعليم الطبي والتدريب واستبقاء الكفاءات.
ليس من الواقعي بناء سياسة صحية على افتراض أن الطبيب لن يغادر كما أن معالجة الهجرة وحدها لا تعالج دوافعها المرتبطة بالتدريب والتخصص والبحث العلمي وبيئة العمل. لذلك فإن السياسة الأكثر واقعية هي التي تعمل على الاستبقاء والعودة وفي الوقت نفسه تستفيد من الكفاءات الموجودة خارج المملكة.
وتوجد في الأردن نماذج يمكن البناء عليها. فقد أظهرت تجربة مركز الحسين للسرطان أهمية الشراكات الدولية في تطوير التدريب والخدمات الطبية والبحث العلمي من خلال التدريب والاستشارات عن بُعد والإرشاد العلمي والتعاون البحثي.
من هنا يمكن طرح «البرنامج الوطني لشراكة الكفاءات الطبية الأردنية في الخارج» كإطار تنسيقي يربط احتياجات القطاع الصحي بالكفاءات الأردنية في الخارج دون الحاجة في مرحلته الأولى إلى إنشاء مؤسسة جديدة.
تعمل المنصة بالتنسيق مع وزارة الصحة والجامعات والمستشفيات ونقابة الأطباء والجمعيات الطبية. وتحدد المؤسسات احتياجاتها في التخصصات الدقيقة والتدريب وتطوير الخدمات والجودة وسلامة المرضى فيما يحدد الطبيب في الخارج مجالات الخبرة التي يستطيع تقديمها.
ويكون التعاون محدداً وقابلاً للتنفيذ مثل برنامج تدريب قصير أو زيارة علمية أو إشراف أكاديمي أو مناقشة حالات معقدة عن بُعد أو مشروع بحثي مشترك أو المشاركة في تطوير خدمة طبية متخصصة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
وفي المقابل يجب أن توفر المنظومة للطبيب الأردني في الخارج قيمة مهنية واضحة من خلال توثيق مشاركته في التعليم والتدريب والبحث العلمي وإتاحة فرص للزيارات العلمية والتعاون الأكاديمي والمهني وفتح مسارات للاستفادة من مؤهلاته وفق الأنظمة والإجراءات النافذة في المملكة دون أن تكون العودة الدائمة شرطاً للمشاركة.
وبذلك تستفيد مؤسسات الدولة والمستشفيات من الخبرات المتخصصة ويحصل الأطباء في الأردن على فرص للتدريب ونقل المعرفة فيما يجد الطبيب الأردني في الخارج مساراً مهنياً وعلمياً واضحاً للتعاون مع بلده وتكون المحصلة النهائية تحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة للمريض.
ولا ينبغي أن تتحول المنصة إلى قاعدة بيانات للأطباء في الخارج بل إلى آلية تربط احتياجاً محدداً بخبرة محددة ونتيجة قابلة للقياس.
ويمكن البدء بتجربة لمدة عام في عدد محدود من التخصصات ذات الأولوية وقياس النتائج بعدد البرامج التدريبية والأطباء المستفيدين وساعات التعليم والزيارات العلمية والاستشارات التخصصية ونسبة المبادرات التي تحولت إلى تعاون مؤسسي مستدام.
وتوفر البنية الرقمية المتنامية في الأردن فرصة إضافية لهذا النموذج خصوصاً مع توسع خدمات الصحة الرقمية والطب عن بُعد. كما أن نقاشاً مؤسسياً بهذا الاتجاه بدأ بالفعل إذ بحثت لجنة الصحة والغذاء النيابية في شباط 2026 مع جمعية الأطباء الأردنيين في ألمانيا (JAD) سبل الاستفادة من خبرات الأطباء الأردنيين في ألمانيا في التدريب ونقل المعرفة والتخصصات المتقدمة والتحول الرقمي الصحي.
ويمكن أن تبدأ التجربة من ألمانيا ثم تتوسع تدريجياً إلى الدول التي تضم حضوراً طبياً أردنياً مؤثراً.
هذه المبادرة لا تستبدل سياسات استبقاء الكفاءات أو معالجة أسباب الهجرة لكنها تضيف مساراً عملياً لإدارة العلاقة مع الأطباء الموجودين في الخارج.
فالهدف ليس فقط أن يعود الطبيب إلى الأردن وإنما أن تبقى خبرته مرتبطة به بالتدريب والبحث والتعاون وتطوير الخدمات إلى أن تتوافر الظروف المناسبة للعودة لمن يرغب.