اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الأرصاد الجوية تعزز شبكة الرصد بتشغيل محطة مطرية جديدة في وادي صقرة الاردن يدين الهجوم الإرهابي وسط نيجيريا الاتحادية زراعة أكثر من 18,800 شجرة ودعم 58 مزرعة.. زين ترسّخ دورها في حماية البيئة أورنج الأردن والأميرة سمية للتكنولوجيا تجدّدان شراكتهما لاعتماد شهادات خريجي أكاديمية البرمجة هيئة الطاقة الذرية الأردنية:نموذجا تنمويا ناجحا توازن الترجمة وذائقة الاختيار في "حدث في الآستانة" لأسيد الحوتري مدير الأمن العام يلتقي قائد الحرس الوطني الإماراتي الغذاء والدواء: إغلاق مركز لياقة بدنية ثانٍ لضبط حقن ببتيدية وهرمونية محظورة إرادة ملكية بترفيع 8 قضاة إلى الدرجة العليا (اسماء) “الغذاء والدواء” و”صحتي في مدرستي” تبحثان التعاون مجال تعزيز السلامة الغذائية الأردن يرحب بالإعلان عن دمج قوات "قسد" ضمن المؤسسات العسكرية السورية "شومان" تعلن القائمة القصيرة لجائزة أدب الأطفال في دورتها العشرين من ماركا إلى العقبة… حقائب مدرسية ووجبات عائلية استعدادًا للعام الدراسي الجديد إنجاز أعمال توسعة وتأهيل طريق حيان – إيدون في المفرق غرفة تجارة الأردن تبحث مع وفد اقتصادي كيني تعزيز التعاون الاقتصادي البنك الأردني الكويتي يدعم الفعالية الوطنية "مسيرتنا صحة وتراث" بالتعاون مع جمعية همتنا صحة عمان الأهليّة تهنئ الطلبة الناجحين وتُعلن عن استمرار القبول والتسجيل للبكالوريوس والماجستير للفصل الأول 2026-2027 عمان الأهليّة تهنئ الناجحين بالثانوية العامة وتُعلن عن استمرار القبول والتسجيل بكلية التعليم التقني للفصل الأول 2026-2027 ‏رفع سوريا من قائمة الإرهاب- تحول أميركي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة صندوق أبوظبي يمول 5 مدارس تقنية في الأردن بـ 40 مليون دولار ومشروعا للغاز بـ 70 مليونا

توازن الترجمة وذائقة الاختيار في "حدث في الآستانة" لأسيد الحوتري

توازن الترجمة وذائقة الاختيار في حدث في الآستانة لأسيد الحوتري
الأنباط -

 مراجعة سمر السيد
تؤدي الترجمة الأدبية دورا مهما في بناء جسور التواصل بين الشعوب؛ فهي تسهم في نقل التجارب الإنسانية والأفكار من بيئاتها الأصلية إلى بيئات أخرى قد تتقاطع معها أو تتباين عنها حضاريا، لتغدو جزءا من الوعي الإنساني المشترك. غير أن نجاح هذا المسعى يظل مرهونا بمدى توفيق المترجم في الموازنة بين دقة النقل وبين الحفاظ على المكوّن الجمالي والثقافي للنص الأصلي، ليخرج في قالب جديد بصياغة واضحة الدلالة وتراكيب نحوية سليمة، وكأنه نص أصيل في لسانه المُترجم إليه. إنّ هذه المهمة تضع على عاتقه مسؤولية تتعدى الاشتغال على اللفظ إلى الاختيار الواعي والمدروس للنتاجات الأدبية من الثقافة المنقول عنها. وتتجلى هاتان الركيزتان في المجموعة القصصية المُختارة من الأدب التركي الحديث "حدث في الآستانة"، التي ترجمها إلى اللغة العربية الروائي والمترجم أسيد الحوتري. وقد صدر هذا الكتاب عن دار الآن ناشرون وموزعون عام 2023، في 164 صفحة من القطع المتوسط.
تتبدى ذائقة الاختيار الرفيعة للمترجم؛ إذ انتقى إحدى عشرة قصة تركية حديثة لتسعة من أبرز القاصين الأتراك، قدّمت في مجموعها صورا حيّة لجوانب الحياة المختلفة في إسطنبول (الآستانة) خلال مرحلة تاريخية مفصلية بين أواخر العهد العثماني وقيام الجمهورية. ومن هنا، يقترب هذا البناء من تقنية "الرواية الكولاجية" بوصفها بنية سردية ما بعد حداثية تقوم على دمج نصوص قصصية مستقلة وتأليفها كلوحة فنية واحدة، يجمعها إطار زماني ومكاني مشترك يكون "الزمن" فيه بطلا محوريا. وقد عزز المترجم هذا النسق بـ استهلال معرفي وتوجيهي أضاء السياقات التاريخية والاجتماعية، مما أتاح للقارئ استيعابا أعمق للتحولات الجذرية التي شهدتها تلك الحقبة.
وفي هذا الإطار البنيوي، برزت منهجية المترجم كعامل حاسم في تحقيق تماسك المجموعة؛ إذ لم تكن ترجمته مجرد نقل لغوي، بل إعادة إنتاج للنصوص تتسم بالمرونة والوضوح، مستندة إلى وعي عميق بالتحولات التاريخية واللغوية. وقد أشار الحوتري في مقدمته إلى التباين الجليّ بين لغة أواخر العهد العثماني والتركية الحديثة، وهو ما فرض عليه اعتماد مقاربة تأويلية تتعامل بحذر مع البنى الأسلوبية والتاريخية، منحازا إلى "ترجمة المعنى" بوصفها خيارا إجرائيا يوازن بين نقل الدلالة والحفاظ، قدر الإمكان، على "روح النصوص" وأسلوب مبدعيها الأصليين، مع التزامه في الوقت ذاته بعلامات التّرقيم الأصلية.
وقد انعكست هذه المقاربة بشكل ملموس على الخيارات المعجمية في عملية الترجمة؛ إذ أبقى الحوتري على بعض المفردات الواردة في النص الأصلي، منها ما يتعلق بالألقاب مثل الأفندي والمواقع الاجتماعية كالخان، وأخرى تختص باللباس والزينة التقليدية مثل القلنسوة والطربوش، وبعضها الآخر بالأدوات المنزلية   مثل "السماور"، دون استبدالها بمقابلات عربية؛ حفاظا على أبعادها الرمزية ونكهة إسطنبول العثمانية. وفي السياق ذاته، تجلّى حرص المترجم على إيراد الألفاظ العامية التركية أو الأرمنية في الحوارات كما هي؛ مثل: مامان (ماما)، وتشيكا (لا يوجد)، وأحيانا جمل تركية كاملة مثل: چيويلر أجزنا باتماز مى سنين؟ (ألا تَخِزُ المسامير فمك؟)، رغبة منه في الحفاظ عليها بوصفها جزءا حيا من نسيج الخطاب الاجتماعي آنذاك.
ولضمان تدفق السرد وفهم سياقه بنهجية تفسيرية واعية، دعم المترجم انسيابية القصص بإسنادها إلى شروحات هامشية لم تقتصر على ترجمة تلك المفردات والعبارات الحوارية وتفكيك دلالاتها اللغوية فحسب، بل امتدت لتشمل أبعاداً تاريخية وجغرافية؛ إذ قدّم من خلالها إضاءات معرفية تُعرّف بالمناطق والمدن والأحياء مثل منطقة "الأناضول" (الجزء الأكبر من أراضي الجمهورية التركية) وحي "زيرَك" (حي خلاّب فقير من أحياء إسطنبول)، محيطاً بالفسيفساء العرقية للمجتمع، مثل "الغجر" وتاريخهم المرتبط بالهند والترحال. هذه الإضافات المعرفية مكنت القارئ من استيعاب السياقات العميقة للتحولات في إسطنبول (الآستانة)، محوّلة الحواشي إلى جسر يعبر بالمتلقي نحو المرحلة الانتقالية الفاصلة بين العهدين العثماني والجمهوري، وتمنحه القدرة على استحضار روح المكان وتفاصيله الدقيقة.
 غير أن هذا التوسيع التفسيري –رغم ضرورته المعرفية– يضع "جمالية التلقي" أمام اختبار دقيق؛ يتمثل في موازنة إثراء وعي القارئ بالخلفية التاريخية والجغرافية مقابل إحاطته بتفاصيل قد تقطع أحيانا تدفقه القرائي، بيد أن المترجم تمكّن من ضبط هذا التفصيل المعرفي، فكان إضافة إثرائية لا فائضا سرديا. 
 لا تقف حدود الأمانة في الترجمة الأدبية عند نقل الأبعاد الثقافية فحسب، بل تتعداها إلى رصد الأثر الإنساني الكامن في النصوص دون الإخلال بإيقاعها وأسلوب كاتبها.  ويتجلى هذا البعد، على سبيل المثال، في قصة "الإسكافيّ"؛ إذ ينقل المترجم التحول الوجداني للطفل المغترب وهو يستمع إلى لغته الأم بعد صمت طويل، ليقول: "أصبحت وجنتاه ورديتين من الفرح، وشفتاه منتعشتين، وصوته نقيا" (الحوتري،2023، ص 39). كما يتأكد هذا الحس الجمالي في مطلع قصة "الربيع" الذي ينطوي على مفارقة حسية بين الماضي والمستقبل بما يعكس الرغبة في تجاوز رواسب الدمار التاريخي: "افتحوا النّوافذ! ليدخل الهواء! لتأخذ الرَّياح المتدفّقة رائحة الغرفة، وشبَحها، والذّكريات بعيدًا! لتدخل الشّمس! ليمحو الضّوء السّاقط ظلال الزَّوايا وليقضي عليها!" (الحوتري،2023، ص 129).
ومن جماليات ترجمة النصوص، ننتقل إلى رؤية المترجم في التنظيم البنيوي للمجموعة ذاتها؛ إذ يعتمد تقسيما ثلاثيا للفصول: الربيع الأول والخريف والشتاء، ويضم كل فصل عدة قصص تُحاكي ثيمات محددة تُظهر ديناميكية التحولات السياسية والاجتماعية في الآستانة خلال تلك المرحلة الانتقالية، بينما يتولى "الزمن" الربط بين حكايات تنتمي لفسيفساء اجتماعية وعرقية متنوعة؛ تشمل الأتراك والأرمن واليونانيين والشركس والفلسطينيين والغجر.
  وتبرز هنا ملاحظة تتمثل في غياب فصل الصيف، وهو أمر يمكن قراءته بوصفه دلالة بنيوية تعكس طبيعة التحول التاريخي المتسارع من ربيع التعايش العثماني إلى خريف التحولات الحادة، ثم شتاء الاغتراب، دون المرور بمحطة استقرار دافئة. 
وهذا النمط التنظيمي للفصول يتوازى أيضا مع طريقة ترتيب القصص؛ إذ تتصدر كل قصة عتبة نصية قائمة على اقتباس دالّ من متنها، يتبعها تقديم موجز عن مؤلفها وسيرته، بما يهيئ القارئ لقراءة واعية بالسياقين الإبداعي والتاريخي اللذين شكّلا خلفية تلك التجارب السردية. 
يفتتح المترجم المجموعة بفصل الربيع الأول الذي يستحضر أجواء التسامح والتعايش الفريدة في أواخر العهد العثماني، حيث يتسع الوطن للجميع باختلاف أصولهم؛ ويتجلّى ذلك في قصة "بون بون" لأحمد راسم، التي تختزل ملامح النسيج الاجتماعي في مشهد دافئ لطفل أرمني يشاكس والدته طلبا للحلوى على متن العبّارة العائدة إلى ميناء حيدر باشا، بينما تتقاطع هذه البراءة مع آلام الغربة في قصة "الإسكافي" لرفيق خالد كراي حيث يغدو الإسكافي التركي في فلسطين الجسر اللغوي والوجداني الذي يعيد ربط الطفل بنشأته الأولى في إسطنبول. 




وعلى نقيض هذا الصفاء العفوي، ينتقل المترجم إلى فضاء النقد الاجتماعي؛ فيستعرض في "تأثير الحزام" لعمر سيف الدين  الانبهار بهوية أخرى والتنكر للأصول، من خلال رجل تركي يتأثر بالثقافة الشركسية لدرجة التحدث بلغتها؛ وهو منحى يعمقه في قصة "الجمل" بأسلوب ساخر، راصدا محاولة رجل غجري انتحال شخصية رجل عربي  في إسطنبول، لتصدمه معتقدات شعبية حول الجمل وتقوده إلى نهاية مؤلمة تكشف زيف هويته.، كما تبرز قصة "التَّمثيل الصَّامت" لسامي باشازاده سيزائي بوصفها قطعة داكنة تكسر حدة البهجة؛ إذ تمزج قفلتها الصادمة بين فن المحاكاة ومرارة الموت الفعلي، لترسم برمزيتها الموجعة ملامح نهاية حقبة نابضة بالحياة. يعيد المترجم التوازن لروح الفصل بذكاء عبر قصة "ما أجمل الحياة" لممدوح شوكت أساندال، التي تبث الأمل والسكينة بعد أوجاع الاغتراب والموت؛ إذ يتجول بطلها "نوري أفندي" في أحياء إسطنبول متأملا تفاصيل حياتها اليومية، قبل أن يُختتم الفصل بمشهد دافئ يطل فيه على حارة شعبية، مرددا في داخله: "الحياة، يا لها من شيء جميل" (الحوتري،2023، ص 82). 
يتناول الفصل الثاني (الخريف) في قصصه موضوعات اجتماعية ونفسية متعددة تُعبر عن قضايا الفقر والحب والموت، التي عاصرت مرحلة ما بعد تأسيس الدولة التركية الحديثة. ويستعرض الفصل هذا التوجه الواقعي عبر ثلاثة نماذج: قصة "الخبز أولا" لأورخان كمال التي تُظهر الصدام المؤلم بين الأحلام الشخصية والطموح العلمي من جهة وبين ضرورات البقاء من جهة أخرى؛ وقصة "منديل الحرير" لسعيد فائق التي تبرز بؤس الواقع من خلال مراهق يسعى لسرقة منديل لحبيبته؛ وأخيرا قصة "السماور" للمؤلف نفسه التي تصور رابطة المحبة بين الشاب العامل ووالدته من خلال صوت غليان السماور، الذي يتحول فيما بعد إلى مصدر للحزن والوحشة.
وتختتم المجموعة القصصية بفصل الشتاء الذي يوثق أزمة الهوية والاغتراب اللذين رافقا تلك المرحلة الانتقالية الحرجة بين سقوط الإمبراطورية وقيام الدولة الجديدة عبر قصتي: "الربيع" لأحمد أوغلو و"الحب الأعمى" لنجدت صانتشار؛ إذ تعبّر الأولى بمرارة عن انكسار أحلام الربيع العثماني المنشود، مظهرة كيف تحوّلت وعود العدالة والحرية إلى خراب مادي ومعنوي. ومن جانب آخر، تجسّد القصة الثانية نقدا لاذعا لحالة الانسلاخ القيمي والاجتماعي في ظل الدولة الناشئة التي تبنّت نماذج غربية تجافي تقاليد الشعب الموروثة. ومع ذلك، يتسلل في ثنايا هذا التيه أمل يلوح في الأفق نحو تحقيق حياة متوازنة، أمل يمنح الإنسان شعورا بالسمو، بما يجعله يقول: "أحلًق عاليا في السماء".  (الحوتري،2023، ص 155).
وختاما، يتجلى في مجموعة أسيد الحوتري "حدث في الآستانة ذلك التوازن المنهجي في الترجمة، وحرصه على الحفاظ على روح النصوص والأسلوب الأدبي لكتّابها. كما يتبدى ذوقه الأدبي في اختيار القصص وتنسيقها؛ إذ وظّف المترجم أدواته السردية في إعادة صياغة القصص ضمن قالب بنيوي يشبه "الرواية الكولاجية". وبذلك، يبرهن هذا العمل على أن الترجمة في جوهرها ليست مجرد نقل لغوي، بل هي وساطة ثقافية عابرة للحدود، وفنّ قائم على إعادة الإنتاج والابتكار الأدبي.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير