اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
لماذا لا نعيد التوجيهي العلمي والأدبي؟ الشهداء .. ذاكرة وطن وقيمة لا تموت لقاء في دارة بلدية السلط الكبرى لبحث احتياجات عدد من البيوت التراثية الأمن: القبض على 201 شخص بقضايا "كريستال" مخدر. مندوبا عن الملك وولي العهد... العيسوي يعزي الكرادشة والطوال المركز الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي يبحثان آليات تفعيل تنفيذ توصيات التقرير السنوي بالتَّزامن مع انطلاقة العام الدِّراسي الجديد وانطلاقة مشروع النَّقل المدرسي في البادية الجنوبيَّة، مجلس الوزراء يوافق على إنشاء خمس مدارس تقنيَّة جديدة بكلفة 25 مليون دينار لتضاف إلى 86 مدرسة جديدة تمَّ إنشاؤها خلال أقلّ من عام في مختلف محافظات المملكة وزير الخارجية يلتقي نظيره الصيني "الصمت حين يصبح ما لا نقوله أكثر صدقا مما نقول" وزير التربية: مشروع النقل المدرسي خطوة نوعية في دعم قطاع التعليم الأردن يبحث التحضيرات للمشاركة بمؤتمر إنهاء العنف ضد الأطفال كامل القاضي ينعى الشيخ جهاد عبد الحميد النعيمي إلى متى يُترك مقام النبوة مستباحاً لألسنة العابثين؟ الجامعة الأردنيّة تناقش توثيق التاريخ وتعزيز الوعي الوطني في ندوة "السّرديّة الأردنيّة: الشّباب والهُويّة والذاكرة الوطنيّة" الجامعةُ الأردنيّة تتصدَّر منصّات التّواصل الاجتماعي في تخريجِ فَوج الهواشم رئيس الديوان الملكي يلتقي وفدا من أبناء عين الباشا ومخيم البقعة انطلاق الدورة 22 من ملتقى الشارقة للسرد في عمَّان بعد تجربة جديدة لعلاج السرطان .. هل نقترب من عصر يتحول فيه إلى مرض عابر؟ .. منصور يجيب توقيف "دكتور فود" بعد ساعات من احتفال "صن شاين" بانفصالهما الأردن يفوز بعضوية المجلس الاستشاري للمنظمة العالمية للترقيم

لماذا لا نعيد التوجيهي العلمي والأدبي؟

لماذا لا نعيد التوجيهي العلمي والأدبي
الأنباط -


التطوير في التعليم ضرورة، والاستماع إلى الناس قوة، والتراجع عن قرار لم يحقق أهدافه ليس ضعفًا
نفتخر ونعتز بكل محاولة جادة لتطوير وتحديث امتحان الثانوية العامة في الأردن، لأن التعليم ليس شأنًا لوزارة أو مؤسسة فقط، بل هو قضية وطنية تمس كل بيت وكل أسرة، وتشكل مستقبل أبنائنا وبناتنا، ولذلك فإن أي تغيير في نظام الثانوية العامة يستحق الحوار المجتمعي الواسع، والاستماع إلى الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والجامعات والقطاع الخاص.
وقد تابعنا خلال العامين الماضيين تطبيق نظام الحقول، ونرى أن من حق المجتمع أن يناقش تجربته بكل موضوعية وهدوء، بعيدًا عن الدفاع المسبق عن أي قرار أو رفض أي تغيير.
ومن خلال متابعة آراء المواطنين والطلبة وأولياء الأمور، وما يطرح في المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن هناك حالة من القلق والتذمر لدى نسبة لا يستهان بها من الأسر والطلبة، خصوصًا فيما يتعلق بتحديد مسار الطالب مبكرًا، وإمكانية انتقاله لاحقًا إلى تخصصات جامعية مختلفة.

لماذا لا نعيد التوجيهي العلمي والأدبي؟

لقد أثبت نظام التوجيهي العلمي والأدبي، على مدى سنوات طويلة، قدرته على منح الطالب مساحة أوسع في اختيار مستقبله الجامعي، وأصبح شهادة وطنية ذات مصداقية معروفة.
فالطالب الذي يدرس المسار العلمي، مثلًا، يستطيع أن يختار لاحقًا بين عدد واسع من التخصصات، بينما يملك طالب الأدبي كذلك خيارات جامعية تتناسب مع دراسته وقدراته وميوله.
أما عندما نضع الطالب في حقل محدد، ثم نكتشف بعد ذلك أن ميوله أو طموحه الجامعي مختلف، فإن تغيير المسار قد يصبح أكثر صعوبة، وقد يضطر الطالب إلى إعادة دراسة مواد أو إعادة التوجيهي، وهذا يعني عبئًا إضافيًا على الطالب والأسرة، ماليًا ونفسيًا وزمنيًا.

وهنا يجب أن نسأل سؤالًا بسيطًا:
هل من العدل أن نطلب من طالب في عمر 16 أو 17 عامًا أن يحسم مستقبله الجامعي في وقت مبكر، ثم نحاسبه لاحقًا إذا اكتشف أن ميوله وقدراته مختلفة؟

الحقل الصحي مثال واضح
يلاحظ أن هناك إقبالًا كبيرًا من الطلبة على الحقل الصحي، وهذا أمر مفهوم؛ فالأسر تنظر إلى تخصصات الطب والصيدلة والتمريض والمهن الصحية باعتبارها تخصصات مهمة ومرغوبة.

لكن إذا تركزت أعداد كبيرة من الطلبة في مسار واحد، فإن ذلك قد يؤدي إلى ضغط كبير على المقاعد الجامعية في التخصصات الصحية، وقد يدفع بعض الطلبة إلى البحث عن جامعات خارج الأردن.

وهذا لا يترتب عليه أثر تعليمي فقط، بل آثار اقتصادية واجتماعية على الأسر، فضلًا عن أن بعض الطلبة قد يواجهون صعوبة في الالتحاق بتخصصات أخرى بسبب المواد التي لم يدرسوها في المرحلة الثانوية.

لذلك فإن الحل ليس فقط في تحديد نسب للالتحاق بالمسارات، وإنما في توسيع حرية الاختيار مع تقديم توجيه مهني حقيقي للطلبة.

التعليم المهني لا ينجح بالقرارات وحدها

أنا مع التوسع في التعليم المهني والتطبيقي، وأرى أنه ضرورة وطنية لسوق العمل والاقتصاد الأردني.
لكن التعليم المهني لا يمكن أن ينجح بمجرد إصدار قرار يحدد نسبة معينة من الطلبة للالتحاق به.
الطالب لا يمكن إجباره على اختيار تخصص مهني ثم نتوقع منه أن يبدع فيه.
النجاح الحقيقي يأتي من التوجيه والإقناع والقدوة والإعلام والشراكة مع القطاع الخاص.
ومن واقع تجربتي الطويلة في العمل الإعلامي والأكاديمي، أؤمن بأن الإعلام الوطني المهني يستطيع أن يؤدي دورًا كبيرًا في تغيير الصورة النمطية عن التعليم المهني.
نحتاج إلى برامج إعلامية مستمرة، وإذاعات مدرسية صباحية، وزيارات ميدانية للمصانع والشركات والمؤسسات، واستضافة خريجين ناجحين من التعليم المهني، وتعريف الطلبة بالرواتب وفرص العمل والتطور الوظيفي في المهن المختلفة.

عندما يرى الطالب أن خريج التعليم المهني يستطيع أن يصبح صاحب مشروع ناجح أو فنيًا متخصصًا أو مديرًا أو خبيرًا في مجاله، عندها يصبح الاختيار مبنيًا على القناعة، لا على الإجبار.

لماذا لا نستفيد من التجارب الدولية؟

هناك دول نجحت في بناء منظومات قوية للتعليم المهني والتطبيقي، لكنها لم تصل إلى ذلك بقرار مفاجئ، وإنما من خلال منظومة متكاملة تبدأ منذ السنوات الدراسية الأولى، وتقوم على التوجيه المهني المستمر، وربط التعليم بسوق العمل، وإعطاء التعليم المهني مكانته الاجتماعية والاقتصادية.

فالاختلاف بين الدول مهم، وما ينجح في دولة قد لا ينجح بالطريقة نفسها في دولة أخرى.
ولذلك فإن استنساخ أي تجربة خارجية دون مراعاة طبيعة المجتمع الأردني وثقافته واحتياجاته وسوق العمل فيه قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة.

الحل: العودة إلى العلمي والأدبي أو جعل الحقول أكثر مرونة
من وجهة نظري، فإن إعادة نظام التوجيهي العلمي والأدبي يمكن أن تكون أحد الحلول التي تعيد الطمأنينة إلى الطلبة والأسر، وتمنح الطالب مساحة أكبر لاختيار مستقبله.
وإذا كان الإبقاء على نظام الحقول هو الخيار المطروح، فأرى ضرورة تطويره ليصبح أكثر مرونة.
ومن المقترحات العملية أن يسمح للطالب، عند التقدم للقبول الجامعي، بالتقدم إلى تخصصات خارج الحقل الذي درسه، على أن تحدد الجامعات مواد استدراكية واضحة ومحدودة يدرسها الطالب قبل بدء التخصص أو خلال السنة الجامعية الأولى.
فمثلًا، يمكن لطالب الحقل الصحي الذي يرغب في دراسة تخصص هندسي أن يتقدم لذلك التخصص، شريطة دراسة مواد استدراكية تحددها الجامعة، وكذلك الأمر في الاتجاهات الأخرى.

وبذلك نحقق معادلة مهمة:

نحافظ على نظام الحقول، ولكن لا نجعل الحقل سجنًا أكاديميًا يغلق أبواب المستقبل أمام الطالب.

الجامعات أيضًا يجب أن تكون جزءًا من الحل
أي تغيير في الثانوية العامة ينعكس مباشرة على الجامعات.
فإذا انخفضت أعداد الطلبة في بعض التخصصات، فقد تتأثر كليات وأقسام وأعضاء هيئة تدريس وإداريون، وقد تصبح بعض البرامج في وضع مالي وأكاديمي صعب.
ولذلك يجب أن يكون هناك تنسيق حقيقي  بين  الجامعات،( ووزارة التربية والتعليم تنمية الموارد البشريه) بحيث لا يتم النظر إلى الثانوية العامة بمعزل عن منظومة التعليم العالي.
كما أن الجامعات الأردنية مطالبة بتطوير برامجها وتسويقها عالميًا واستقطاب الطلبة الدوليين، والتوسع المدروس في برامج الدراسات العليا، وتطوير البرامج التطبيقية التي يحتاجها سوق العمل.

الإدارة الناجحة تسمع وتراجع وتصحح

الإدارة الناجحة ليست التي تتمسك بكل قرار لمجرد أنها اتخذته، وإنما التي تستمع إلى الناس، وتقرأ النتائج، وتقيس الأثر، ثم تراجع القرار إذا تبين أنه يحتاج إلى تعديل.
التراجع عن قرار لم يحقق أهدافه ليس ضعفًا، بل شجاعة إدارية.
والإدارة الواثقة من نفسها لا تخشى أن تقول: جربنا، ودرسنا النتائج، واستمعنا إلى المجتمع، ووجدنا أن هناك حاجة إلى التعديل.

وهذا ما يجعل الناس يثقون بالإدارة ويشعرون أنها قريبة منهم وتستمع إلى صوتهم.
وأقترح خطوة عاجلة
وقبل إعلان نتائج القبول الجامعي، يمكن دراسة السماح لطلبة نظام الحقول بالتقدم إلى عدد أوسع من التخصصات الجامعية، وفق أسس واضحة، مع اعتماد المواد الاستدراكية اللازمة.
وقد يكون هذا الإجراء خطوة عملية تخفف القلق لدى الطلبة والأسر، وتمنح نظام الحقول فرصة ليكون أكثر مرونة وقبولًا.
إن الهدف ليس الانتصار لنظام قديم أو جديد، وإنما الانتصار للطالب الأردني.
نريد تعليمًا يفتح الأبواب ولا يغلقها، ويوجه ولا يجبر، ويقنع ولا يفرض، ويستمع إلى المجتمع ولا يكتفي بإصدار القرارات.
وفي النهاية، فإن مستقبل أبنائنا وبناتنا أكبر من أن يكون موضوعًا للتجربة دون تقييم مستمر.
فإذا كان التوجيهي العلمي والأدبي قد حقق على مدى سنوات طويلة قدرًا كبيرًا من المصداقية والمرونة، فلماذا لا نعيده؟ وإذا كان نظام الحقول قابلًا للتطوير، فلماذا لا نجعله أكثر مرونة؟
المهم أن نصل إلى نظام يشعر فيه الطالب والأسرة بالطمأنينة، وتجد فيه الجامعات الاستقرار، ويحقق فيه الوطن هدفه الأكبر: تعليم نوعي، واختيار حر، وتوجيه وطني واعٍ، ومخرجات تتناسب مع حاجات الأردن وسوق العمل.
وإذا كنت قد أخطأت في بعض هذا الرأي، فأعتذر؛ فالمقصد ليس إلا المساهمة في الحوار الوطني حول قضية تمس كل بيت أردني، لأنني أؤمن أن الاستماع إلى الناس ليس تراجعًا، وإنما أحد أهم شروط نجاح الإصلاح.
مصطفى محمد عيروط
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير