اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الملك يبحث في شنغهاي فرص توطيد التعاون السياحي والثقافي مع الصين مسؤول إعلامي مغربي: أحداث سبتة فضحت النوايا المغرضة لبعض الإعلام الإسباني أين مكانها على خريطة السياحة الداخلية؟ "المشلشلة "بلا طريق ... أين "السياحة"؟ مذكرة تفاهم بين المستقلة للانتخاب ومركز التوثيق الملكي العموش يقود مذكرة نيابية موقعة من 65 نائبا لتيسير إجازات أطباء وممرضي وزارة الصحة ماكدونالدز الأردن تشارك في " كرنفال إربد 2026 " وتقدّم الهدايا للعائلات والأطفال 2.5 مليار دولار حوالات المغتربين الأردنيين خلال النصف الأول من العام رئيس الديوان الملكي يلتقي وفدا شبابيا من لواء وادي السير ووفدا من أبناء عشيرة أبو دية البدوي حين اشتعلت النار في الأقصى ، بقي العهد الهاشمي رئيس هيئة الأركان المشتركة يستقبل وزير الدولة في وزارة الدفاع الألمانية الجامعة الأردنيّة توقّع تمويلًا بواقع 40 منحةً للتّبادل الأكاديميّ ضمن برنامج +Erasmus مع جامعة تونتي الهولنديّة خلال المؤتمر الصحفي للفحيص33ايمن سماوي : ستقدم دورة متميزة تجسد السردية والتاريخ الاردني. الملك يفتح الأبواب ... فمن يدخل منها؟ JOCIF: توسيع مشاركة النساء والشباب يجب أن يبقى في صلب تطوير الإدارة المحلية الملك يلتقي عمدة مدينة شنغهاي ‏ هل ادخلت سوريا وتركيا إسرائيل في فخ؟ كُلُّ يَوْمٍ مهِم: مَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ أورنج الأردن ترعى البطولة الوطنية للسومو روبوت تعزيزاً لتميز الشباب في مجالات التكنولوجيا والابتكار "النواب" يوافق على تعديلات "الأعيان" بشأن "تنظيم العمل المهني" مستقبل أبنائنا ليس حقلًا للتجارب...

حين اشتعلت النار في الأقصى ، بقي العهد الهاشمي

حين اشتعلت النار في الأقصى ، بقي العهد الهاشمي
الأنباط -
د.يزن ياسين المعايعة

في الحادي والعشرين من آب عام 1969، لم تكن القدس على موعد مع حريق عابر كانت على موعد مع جريمة هزّت وجدان العالم الإسلامي، حين امتدت ألسنة النار إلى المسجد الأقصى المبارك في مشهد بدا وكأن النار تستهدف ذاكرة أمة كاملة، لا جدران مسجد فحسب.

كان المشهد قاسياً دخان يتصاعد من رحاب أولى القبلتين، ونيران تلتهم أجزاء من المصلى القبلي، والمسلمون في أنحاء العالم يتابعون بقلوب مثقلة ما يجري في واحد من أقدس أماكنهم.

لكن الذي لم تستطع النار أن تحرقه كان أكبر من الحجر، هوية الأقصى ومكانته وعهد الحفاظ عليه.

ومنذ ذلك اليوم أصبحت ذكرى إحراق المسجد الأقصى محطة سنوية لاستحضار واحدة من أخطر الجرائم التي تعرض لها هذا المكان المقدس وللتذكير بأن القدس ليست مدينة عادية في وجدان المسلمين، وأن الأقصى ليس مجرد معلم تاريخي، بل عقيدة وذاكرة وحضارة وهوية.

من بين الرماد… بدأت قصة إعمار

في مواجهة الحريق لم يكن الرد الهاشمي مجرد موقف سياسي أو بيان إدانة بل كان موقفاً عملياً عنوانه الإعمار والحماية والرعاية.

فقد تحرك الملك الحسين بن طلال رحمه الله، لإعادة إعمار ما تضرر من المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة في تأكيد واضح أن رعاية المقدسات ليست شعاراً وإنما مسؤولية تُترجم إلى عمل وتضحية وإنفاق وجهد متواصل.

وهنا تتجلى خصوصية العلاقة الهاشمية بالقدس فهي علاقة لم تبدأ في عام 1969، ولم تنتهِ بعد انتهاء أعمال الإعمار بل تمتد جذورها إلى عقود طويلة وتواصلت عبر ملوك بني هاشم جيلاً بعد جيل.

فقد كان الشريف الحسين بن علي من أوائل من بادروا إلى إعمار المسجد الأقصى ثم واصل الملك المؤسس عبدالله الأول مسيرة الاهتمام بالقدس ومقدساتها، حتى ارتبط اسمه بأحد أكثر مشاهد التضحية دلالة حين استشهد على أبواب المسجد الأقصى عام 1951.

أما الملك الحسين فقد حمل راية الإعمار والرعاية في مرحلة بالغة الحساسية، وجاء حريق الأقصى ليضيف فصلاً جديداً إلى هذه المسيرة.

ثم جاء الملك عبدالله الثاني ليواصل العهد الهاشمي تجاه القدس ومقدساتها سياسياً ودبلوماسياً وإعمارياً، مؤكداً في مختلف المناسبات أن حماية المقدسات والحفاظ على هويتها ووضعها التاريخي والقانوني ليست قضية موسمية بل مسؤولية ثابتة.

الهاشميون والقدس "علاقة أعمق من السياسة"

قد تتغير الظروف السياسية وتتبدل الخرائط وتتوالى الأزمات، لكن القدس بقيت في الوجدان الهاشمي قضية لا تقبل النسيان.

ولعل ما يميز الدور الأردني والهاشمي أن الدفاع عن المقدسات لم يتوقف عند الخطاب السياسي بل أخذ أشكالًا متعددة إعماراً وترميماً ورعاية للأوقاف، ودعماً للعاملين في المسجد الأقصى، وحضوراً دبلوماسياً متواصلاً في الدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.

ومن هنا فإن الحديث عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لا ينبغي أن يُختزل في مفهوم رمزي فهي مسؤولية لها امتداد تاريخي، وتجليات عملية على الأرض ودور مستمر في حماية المقدسات وصون هويتها.

لقد كان الأردن وما يزال يرى في القدس جزءاً أصيلاً من هويته الوطنية والتاريخية وفي المسجد الأقصى أمانة تتجاوز حدود الجغرافيا.

حريق الأقصى لم يكن نهاية القصة

كان من الممكن أن تصبح ذكرى الحريق مجرد صفحة حزينة في كتب التاريخ، لكن ما حدث كان مختلفاً.

فبعد النيران جاء الإعمار، وبعد الألم جاء العمل، وبعد الجريمة جاء التمسك بالمكان.

وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي تحملها الذكرى أن المقدسات لا تحميها المشاعر وحدها، وإنما يحميها الفعل.

فالمسجد الأقصى يحتاج إلى من يعمره كما يحتاج إلى من يدافع عن هويته ويحتاج إلى من يرمم حجاره كما يحتاج إلى من يحمي تاريخه، ويحتاج إلى من يتحدث عنه في المحافل الدولية كما يحتاج إلى من يحافظ على حضوره حيًا في وجدان الأجيال.

وفي هذه المعادلة، كان الأردن حاضراً على امتداد عقود، وكانت الرعاية الهاشمية عنواناً بارزاً في مسيرة الإعمار والحفاظ على المقدسات.

القدس في الوجدان الأردني

ولأن القدس لم تكن يوماً قضية بعيدة عن الأردن، فقد اختلطت في الذاكرة الأردنية قصص الشهداء بالقدس، وتداخلت الجغرافيا مع التاريخ، وأصبح الدفاع عن المدينة ومقدساتها جزءاً من الرواية الوطنية الأردنية.

وعلى أسوار القدس، قدم جنود الجيش العربي الأردني أرواحهم، وسقط الشهداء وهم يدافعون عن المدينة ومقدساتها.

ولهذا فإن الحديث عن القدس في الأردن لا يُقرأ فقط من خلال البيانات والمواقف الرسمية، بل من خلال ذاكرة أجيال حملت القدس في قلوبها، ومن خلال شهداء تركوا أسماءهم على تراب المدينة المقدسة.

الأقصى بين ذاكرة الحريق ومسؤولية المستقبل

بعد 57 عامًا على حريق المسجد الأقصى، ما تزال النيران حاضرة في الذاكرة ليس لأنها استطاعت أن تهزم المكان، بل لأنها كشفت حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها المقدسات إذا غابت المسؤولية والوعي.

والأجيال الجديدة التي لم تشهد ذلك اليوم تحتاج إلى أن تعرف أن الأقصى لم يصل إلى حاضرِه مصادفة، وأن خلف كل حجر فيه قصة، وخلف كل مشروع إعمار إرادة، وخلف كل موقف سياسي تاريخياً من المسؤولية.

كما تحتاج إلى أن تدرك أن القدس ليست مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، وأن الدفاع عنها لا يكون فقط باستحضار الماضي وإنما ببناء وعي يحفظ الحقيقة ويصون التاريخ ويرفض محاولات طمس الهوية.

حين تحاول النار أن تمحو الذاكرة

في كل عام حين تحل ذكرى إحراق المسجد الأقصى، نتذكر أن النار قد تحرق الخشب، وقد تسود بعض الحجر، لكنها لا تستطيع أن تحرق عقيدة راسخة في القلوب، ولا تاريخًا كتبته قرون من الحضارة، ولا مكانة مسجد ارتبط بالإسراء والمعراج.

ونتذكر ايضاً أن العهد الهاشمي تجاه القدس لم يكن وليد لحظة سياسية، وإنما مسيرة متواصلة من الإعمار والرعاية والدفاع عن المقدسات.

من الشريف الحسين بن علي، إلى الملك المؤسس عبدالله الأول، إلى الملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى الملك عبدالله الثاني، ظل خيط واحد يجمع هذه المسيرة، القدس أمانة، والمقدسات مسؤولية، والأقصى عهد لا يسقط بالتقادم.

وهكذا بقي الأقصى واقفاً وبقيت القدس حاضر وبقي العهد الهاشمي ممتداً، يقول للأجيال إن المقدسات لا تُورث بالكلمات، بل تُصان بالمسؤولية، وتحفظ بالفعل، ويُدافع عنها بالصبر والثبات.

فقد تشتعل النار مرة، لكن عهد الأقصى لا يحترق.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير