اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
ماذا يحدث عند وضع الخل الأبيض في مكيف الهواء؟ شائعة في مشروبات الطاقة .. مادة تثير مخاوف بشأن سرطان الدم دراسة تكشف عن رابط وراثي يجمع الوسواس القهري والتوحد ومتلازمة توريت الهند .. أحرقوا جثمانه وأقاموا له العزاء .. وبعد شهر ظهر حيا في السجن! الملك يعود إلى أرض الوطن الغذاء والدواء.. العين الساهرة اللي بدنا إياها على دوانا وأكلنا ترند الثمانينات في مخيلتنا.. حنين إلى البساطة دوري الأبطال ينطلق.. صدامات قوية وبداية مبكرة لحسابات التأهل التسول .. هل تحول الى مهنة منظمة؟ بتوجيهات ملكية سامية.. إخلاء مواطن أردني مصاب إثر حادث سير في الإمارات آسيا ياغي… فراشة تحلّق رغم قسوة المقعد الأردن يدين “الدخول اللاشرعي” لنتنياهو إلى جبل الشيخ في سوريا الملك والملكة يشاركان بمراسم جنازة الملك هارالد الخامس في أوسلو بني مصطفى تتفقد جمعيات ومراكز في إربد وتفتتح مدرسة دامجة وحضانة ‏سفارة الصين في الأردن: نتابع شكاوى المستهلكين بشأن سيارة صينية ونؤكد أهمية الجودة والسلامة تكريم أوائل الثانوية العامة في الزرقاء بحضور مجتمعي مميز أمنية تواصل توسعة شبكتها وتعزز استثماراتها في المرحلة الثانية من شبكة 5G للارتقاء بتجربة العملاء والمشتركين لجنة السياسات الاجتماعية تبحث رصد اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا الاقتصادية والاجتماعية وزير الخارجية ينقل تحيات الملك للرئيس السوري أحمد الخطيب الفناطسة.. مسيرة أمنية وحضور مجتمعي فاعل في لواء ماركا

حين اشتعلت النار في الأقصى ، بقي العهد الهاشمي

حين اشتعلت النار في الأقصى ، بقي العهد الهاشمي
الأنباط -
د.يزن ياسين المعايعة

في الحادي والعشرين من آب عام 1969، لم تكن القدس على موعد مع حريق عابر كانت على موعد مع جريمة هزّت وجدان العالم الإسلامي، حين امتدت ألسنة النار إلى المسجد الأقصى المبارك في مشهد بدا وكأن النار تستهدف ذاكرة أمة كاملة، لا جدران مسجد فحسب.

كان المشهد قاسياً دخان يتصاعد من رحاب أولى القبلتين، ونيران تلتهم أجزاء من المصلى القبلي، والمسلمون في أنحاء العالم يتابعون بقلوب مثقلة ما يجري في واحد من أقدس أماكنهم.

لكن الذي لم تستطع النار أن تحرقه كان أكبر من الحجر، هوية الأقصى ومكانته وعهد الحفاظ عليه.

ومنذ ذلك اليوم أصبحت ذكرى إحراق المسجد الأقصى محطة سنوية لاستحضار واحدة من أخطر الجرائم التي تعرض لها هذا المكان المقدس وللتذكير بأن القدس ليست مدينة عادية في وجدان المسلمين، وأن الأقصى ليس مجرد معلم تاريخي، بل عقيدة وذاكرة وحضارة وهوية.

من بين الرماد… بدأت قصة إعمار

في مواجهة الحريق لم يكن الرد الهاشمي مجرد موقف سياسي أو بيان إدانة بل كان موقفاً عملياً عنوانه الإعمار والحماية والرعاية.

فقد تحرك الملك الحسين بن طلال رحمه الله، لإعادة إعمار ما تضرر من المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة في تأكيد واضح أن رعاية المقدسات ليست شعاراً وإنما مسؤولية تُترجم إلى عمل وتضحية وإنفاق وجهد متواصل.

وهنا تتجلى خصوصية العلاقة الهاشمية بالقدس فهي علاقة لم تبدأ في عام 1969، ولم تنتهِ بعد انتهاء أعمال الإعمار بل تمتد جذورها إلى عقود طويلة وتواصلت عبر ملوك بني هاشم جيلاً بعد جيل.

فقد كان الشريف الحسين بن علي من أوائل من بادروا إلى إعمار المسجد الأقصى ثم واصل الملك المؤسس عبدالله الأول مسيرة الاهتمام بالقدس ومقدساتها، حتى ارتبط اسمه بأحد أكثر مشاهد التضحية دلالة حين استشهد على أبواب المسجد الأقصى عام 1951.

أما الملك الحسين فقد حمل راية الإعمار والرعاية في مرحلة بالغة الحساسية، وجاء حريق الأقصى ليضيف فصلاً جديداً إلى هذه المسيرة.

ثم جاء الملك عبدالله الثاني ليواصل العهد الهاشمي تجاه القدس ومقدساتها سياسياً ودبلوماسياً وإعمارياً، مؤكداً في مختلف المناسبات أن حماية المقدسات والحفاظ على هويتها ووضعها التاريخي والقانوني ليست قضية موسمية بل مسؤولية ثابتة.

الهاشميون والقدس "علاقة أعمق من السياسة"

قد تتغير الظروف السياسية وتتبدل الخرائط وتتوالى الأزمات، لكن القدس بقيت في الوجدان الهاشمي قضية لا تقبل النسيان.

ولعل ما يميز الدور الأردني والهاشمي أن الدفاع عن المقدسات لم يتوقف عند الخطاب السياسي بل أخذ أشكالًا متعددة إعماراً وترميماً ورعاية للأوقاف، ودعماً للعاملين في المسجد الأقصى، وحضوراً دبلوماسياً متواصلاً في الدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.

ومن هنا فإن الحديث عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لا ينبغي أن يُختزل في مفهوم رمزي فهي مسؤولية لها امتداد تاريخي، وتجليات عملية على الأرض ودور مستمر في حماية المقدسات وصون هويتها.

لقد كان الأردن وما يزال يرى في القدس جزءاً أصيلاً من هويته الوطنية والتاريخية وفي المسجد الأقصى أمانة تتجاوز حدود الجغرافيا.

حريق الأقصى لم يكن نهاية القصة

كان من الممكن أن تصبح ذكرى الحريق مجرد صفحة حزينة في كتب التاريخ، لكن ما حدث كان مختلفاً.

فبعد النيران جاء الإعمار، وبعد الألم جاء العمل، وبعد الجريمة جاء التمسك بالمكان.

وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي تحملها الذكرى أن المقدسات لا تحميها المشاعر وحدها، وإنما يحميها الفعل.

فالمسجد الأقصى يحتاج إلى من يعمره كما يحتاج إلى من يدافع عن هويته ويحتاج إلى من يرمم حجاره كما يحتاج إلى من يحمي تاريخه، ويحتاج إلى من يتحدث عنه في المحافل الدولية كما يحتاج إلى من يحافظ على حضوره حيًا في وجدان الأجيال.

وفي هذه المعادلة، كان الأردن حاضراً على امتداد عقود، وكانت الرعاية الهاشمية عنواناً بارزاً في مسيرة الإعمار والحفاظ على المقدسات.

القدس في الوجدان الأردني

ولأن القدس لم تكن يوماً قضية بعيدة عن الأردن، فقد اختلطت في الذاكرة الأردنية قصص الشهداء بالقدس، وتداخلت الجغرافيا مع التاريخ، وأصبح الدفاع عن المدينة ومقدساتها جزءاً من الرواية الوطنية الأردنية.

وعلى أسوار القدس، قدم جنود الجيش العربي الأردني أرواحهم، وسقط الشهداء وهم يدافعون عن المدينة ومقدساتها.

ولهذا فإن الحديث عن القدس في الأردن لا يُقرأ فقط من خلال البيانات والمواقف الرسمية، بل من خلال ذاكرة أجيال حملت القدس في قلوبها، ومن خلال شهداء تركوا أسماءهم على تراب المدينة المقدسة.

الأقصى بين ذاكرة الحريق ومسؤولية المستقبل

بعد 57 عامًا على حريق المسجد الأقصى، ما تزال النيران حاضرة في الذاكرة ليس لأنها استطاعت أن تهزم المكان، بل لأنها كشفت حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها المقدسات إذا غابت المسؤولية والوعي.

والأجيال الجديدة التي لم تشهد ذلك اليوم تحتاج إلى أن تعرف أن الأقصى لم يصل إلى حاضرِه مصادفة، وأن خلف كل حجر فيه قصة، وخلف كل مشروع إعمار إرادة، وخلف كل موقف سياسي تاريخياً من المسؤولية.

كما تحتاج إلى أن تدرك أن القدس ليست مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، وأن الدفاع عنها لا يكون فقط باستحضار الماضي وإنما ببناء وعي يحفظ الحقيقة ويصون التاريخ ويرفض محاولات طمس الهوية.

حين تحاول النار أن تمحو الذاكرة

في كل عام حين تحل ذكرى إحراق المسجد الأقصى، نتذكر أن النار قد تحرق الخشب، وقد تسود بعض الحجر، لكنها لا تستطيع أن تحرق عقيدة راسخة في القلوب، ولا تاريخًا كتبته قرون من الحضارة، ولا مكانة مسجد ارتبط بالإسراء والمعراج.

ونتذكر ايضاً أن العهد الهاشمي تجاه القدس لم يكن وليد لحظة سياسية، وإنما مسيرة متواصلة من الإعمار والرعاية والدفاع عن المقدسات.

من الشريف الحسين بن علي، إلى الملك المؤسس عبدالله الأول، إلى الملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى الملك عبدالله الثاني، ظل خيط واحد يجمع هذه المسيرة، القدس أمانة، والمقدسات مسؤولية، والأقصى عهد لا يسقط بالتقادم.

وهكذا بقي الأقصى واقفاً وبقيت القدس حاضر وبقي العهد الهاشمي ممتداً، يقول للأجيال إن المقدسات لا تُورث بالكلمات، بل تُصان بالمسؤولية، وتحفظ بالفعل، ويُدافع عنها بالصبر والثبات.

فقد تشتعل النار مرة، لكن عهد الأقصى لا يحترق.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير