اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
ولي العهد يلتقي شبابا وشابات من الكرك الملك يزور معرض فارنبره الدولي للطيران 2026 في بريطانيا حوار مع جيل وعوع الجديد حزب عزم يعقد اجتماعا لمناقشة قانون الإدارة المحلية وقانون الملكية العقارية اختتام أعمال ورشة دعم البحث العلمي ضمن مشروع التحول إلى الاقتصاد الدائري في العقبة الأرجنتين ليست خافيير ميلي! تجارة إربد: اتفاق لتعزيز الخدمات الطبية المقدمة للقطاع التجاري البحرين والسعودية تعلنان التصدي لاعتداءات جوية إيرانية الأردن يرحب بقرار هولندا حظر استيراد وشراء وبيع منتجات المستوطنات الإسرائيلية Orange Money وشركة الشرق الأوسط للتأمين توقعان مذكرة تفاهم للعمل على إطلاق خدمات تأمينية رقمية مبتكرة الطيران المدني: حركة العبور الجوي عبر الأجواء الأردنية تسير بشكل طبيعي إخماد حريق مواد كيميائية بساحة أحد المصانع في العقبة من دون إصابات الزاكي(الحارس الاسطوري )...مدرباً للنشامى أم حراسِهم..؟! الأردن يتعهد باستثمارات تناهز 3.2 مليارات دولار في الولايات المتحدة العيسوي يلتقي وفدا من جمعية "المحترفون للثقافة والتراث" غبارٌ على ركبتيَّ – مجموعة قصصية – للقاصة فوز أبوسنية المياه: استكمالا لحملة العقبة ... ضبط اعتداءات جديدة المسؤولية الاجتماعية كفلسفة بقاء.. كيف صاغ أبو هديب معادلة التنمية المستدامة في "البوتاس العربية"؟ مشروع المملكة للرعاية الصحية والتعليم الطبي يختار شركة أوار لتنفيذ أعمال المطابخ والمغاسل في حرمه الطبي والأكاديمي الأردن في المرتبة 49 عالميا والثانية إقليميا في مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026

حوار مع جيل وعوع الجديد

حوار مع جيل وعوع الجديد
الأنباط -
حوار مع جيل وعوع الجديد
د. أيوب أبودية
كنت أسير مع حفيدي ليث، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، في أحد شوارع المدينة. لم يكن ذلك مجرد نزهة عابرة، بل تحول إلى حوار عميق كشف لي جانباً من الفجوة بين جيلين؛ جيل تربى على احترام الطبيعة والمال العام والجيرة ونعمة الغذاء، وجيل نشأ في عالم سريع الإيقاع، لا يمنحه الوقت الكافي للتأمل في قيمة الأشياء خارج أسوار مدرسته وبيته وهاتفه.

وبينما نحن نسير، لفتتني ورقة ملقاة على الرصيف، فانحنيت والتقطتها، فاستغرب حفيدي، وقال:

لماذا تفعل ذلك؟ هذه ليست وظيفتك، إنها من واجبات عامل النظافة.
فابتسمت وقلت:

صحيح أن هناك من يتولى تنظيف الشوارع، لكن ضميري لا يسمح لي أن أترك هذه الورقة حتى يأتي الغد. نظافة المدينة مسؤولية كل من يعيش فيها، وليست مسؤولية عامل النظافة وحده.
لم ألتقط الورقة لأزيلها فقط، بل لأغرس في نفسه فكرة أن المواطنة تبدأ من أبسط التصرفات.

واصلنا السير، فمررنا بشجرة زيتون تتدلى منها بعض الحبات شبه الناضجة ونحن في أواخر تموز، فمد ليث يده وقطف عدداً منها، ثم أخذ يقذفها كيفما اتفق ويلعب بها حتى تناثرت على الأرض.

توقفت غاضباً وقلت:

لماذا تهدرها هكذا يا ليث؟
فأجاب باستخفاف:

إنها مجرد بضع حبات من الزيتون، وما قيمتها؟
فقلت: قيمتها أكبر مما تتصور. ففيها كل حبة ماء استهلكته الشجرة، وضوء شمس امتصته لتشكيل غذائها، وكل جهد مزارع، وتربة أرض احتضنتها، والوقت الذي استغرقته في النمو لانتاج الزيت والغذاء. ثم إن هذه الثمار ليست ملكاً لك، والاعتداء على ممتلكات الآخرين لا يقاس بحجم الشيء، بل بالمبدأ.
لم يبدُ ليث مقتنعاً تماماً، لكنني كنت آمل أن تظل الفكرة عالقة في ذهنه.

وبعد دقائق لمح طائراً يقف على غصن قريب، فانحنى والتقط حجراً ليقذفه به.

استوقفته قائلاً:

لماذا تؤذيه؟
قال ببساطة:

اعتدنا أن نفعل ذلك.
قلت:

الطيور جزء من الطبيعة، وهي لا تؤذينا. إن احترام الكائنات الحية هو دليل على رقي الإنسان وانسانيته.
وهنا تدخل ليث قائلاً:

وما قيمة الطبيعة أصلاً؟ إنها عدو لنا.
سألته مستغرباً:

وكيف أصبحت الطبيعة عدواً؟
قال:

قبل مدة كدت أغرق في البحر.
قلت:

لم يكن البحر عدوك، بل لأنك دخلته من دون أن تتعلم السباحة. لا يجوز أن نحمل الطبيعة مسؤولية أخطائنا. فالإنسان هو الذي ينبغي أن يتعلم كيف يتعامل معها باحترام ومعرفة. 
ثم قال: ألم تضر بنا الفيضانات مؤخرا؟ 
وهنا أجبته بحزم: ألسنا نحن من جعل التغير المناخي ممكنا بافراطنا في استهلاك الطاقة التقليدية والغذاء وقطع الاشجار ؟

هز برأسه قليلا، ثم واصلنا السير حتى وصلنا إلى شارع مزدحم. أراد حفيدي أن يقطعه مباشرة بين السيارات، متجاهلاً ممر المشاة.

أوقفته وارشدته الى ممر المشاة وسألته:

إذا اضطررت للمشي على طريق لا يوجد فيه رصيف، فهل تسير مع اتجاه المركبات أم بعكس اتجاهها؟
نظر إليّ محتاراً، فلم يعرف الجواب.

وفي تلك اللحظة مرت سائحة تركض بعكس اتجاه مسير السيارات.

أشرت إليها وقلت:

انظر إليها. إنها تسير بعكس اتجاه المركبات حتى ترى السيارات القادمة وتتمكن من تجنبها. أما إذا سرت مع اتجاه السير فقد تصدمك مركبة من الخلف دون أن تراها.
ساد الصمت للحظات، وأدركت أن الحوار  والتجربة العيانية الواقعية كانت أبلغ من أي محاضرة.

عدت إلى المنزل وأنا أفكر: هل المشكلة في هذا الجيل وحده؟ أم أننا نحن الكبار أخطأنا في تعليمه؟ فالطفل لا يولد محباً للطبيعة أو كارهاً لها، ولا يولد مسؤولاً أو مهملاً، وإنما يتعلم ذلك من أسرته ومدرسته ومجتمعه، ومن القدوة التي يراها أمامه كل يوم.

لقد أصبح كثير من الشباب ينظر إلى النظافة على أنها وظيفة الآخرين، وإلى الموارد الطبيعية على أنها أشياء بلا قيمة أو متجددة الى ما لا نهاية، وإلى قوانين المرور على أنها قيود يمكن تجاوزها بالشطارة والفهلوة وذكر اسم البابا.  وهذا مؤشر يدعونا جميعاً إلى مراجعة أساليب التربية البيئية والوطنية.

وبينما كنا نتابع سيرنا، أشرت إلى لافتة كتب عليها اسم أحد الشوارع، وطلبت من حفيدي أن يقرأها بصوت مرتفع. قرأها متعثراً، ثم توقف عند كلمة عربية فصيحة لم يفهم معناها. سألته عن معناها، فهز كتفيه قائلاً:

لا أعرف... نحن لا نستعمل هذه الكلمات.
ابتسمت بحزن وقلت:

وهل تعرف معناها لو كانت مكتوبة بالإنجليزية؟
فأجاب بسرعة:

نعم، ربما.
قلت له:

هنا تكمن المشكلة. ليست اللغة العربية مجرد مادة دراسية، بل هي هويتنا ووعاء ثقافتنا وتاريخنا. وحين تضعف لغتنا، يضعف ارتباطنا بتراثنا، ونفقد القدرة على التعبير الدقيق عن أفكارنا ومشاعرنا. إن الأمة التي تهجر لغتها تبتعد شيئاً فشيئاً عن جذورها كالغراب الذي حاول تقليد مشية العصفور، وعندما عاد الى مشيته الأصلية تعثر ووقع، فلا هو أتقن الجديد ولا حافظ على القديم!
صمت ليث برهة
ورد قائلاً:

لكن الجميع يتحدثون بكلمات أجنبية، والهواتف والألعاب كلها بالإنجليزية.
فقلت:

لا أحد يطلب منك أن تهجر اللغات الأخرى، بل على العكس، فإن تعلمها قوة وثروة. لكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب لغتك الأم. فالشجرة التي تنزرع جذورها عميقا في الارض تستطيع أن تمتد أغصانها لتعانق أعالي السماء، أما إذا ضعفت جذورها فلن تصمد أمام أول هبة ريح.

خلاصة ما أود قوله هو أن حماية البيئة تبدأ من تنشئة السلوك الفردي قبل الالتزام بالقوانين، ومن احترام المال العام والخاص، إنها قيم أخلاقية يجب غرسها منذ الصغر. كذلك الغذاء والموارد الطبيعية فهي  ثمرة جهد شاق وطاقة ومياه، ولا يجوز إهدارها مهما بدت قليلة.
والرفق بالحيوان واحترام الكائنات الحية، والتنوع الحيوي جزء من التحضر.
والثقافة المرورية ليست معلومات نظرية، بل سلوك يحفظ الاموال والأرواح. والحوار الهادئ والقدوة العملية أكثر تأثيراً من التوبيخ والعقاب.

وبناء عليه، فان تعزيز التربية البيئية في الأسرة ضرورة وواجب قبل التربية والتعليم في المدرسة. كذلك هو ربط حماية البيئة بالقيم الدينية والوطنية والإنسانية، وتعليم الأطفال احترام الممتلكات العامة والخاصة من خلال الممارسة اليومية، وإدخال الثقافة المرورية ضمن الأنشطة المدرسية منذ الصفوف الأولى، وتشجيع الأطفال على المشاركة في حملات النظافة والتشجير والتطوع البيئي. والأهم أن يكون الكبار قدوة في سلوكهم اليومي، فالأفعال تربي أكثر من الأقوال. فمستقبل البيئة لا يتوقف على التقنيات الحديثة وحدها، بل يبدأ من طفل يحافظ على نظافة مدينته كما يحافظ على نظافة بيته، ويلتقط ورقة عن الأرض ليضعها في سلة المهملات، ويحافظ على ثمرة زيتون، ويترك طائراً يحلق آمناً في السماء، ويعبر الطريق باحترام لقواعد السلامة العامة. فإذا نجحنا 
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير