البث المباشر
شركة باب الرزق لتطوير البرمجيات تطلق منتج ( تأمينك ) كأول حل إبتكاري في مجال تكنولوجيا التأمين (InsurTech) الجامعةُ الأردنيّة تتقدّم 84 مرتبة عالميًّا وتُصنَّف خامسة عربيًّا في تصنيف الويبومتركس العالميّ لعام 2026 99.4 دينارا سعر غرام الذهب "عيار 21" محليا إعلان تحذيري هام من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للطلبة وذويهم الحيصة يفتتح ورشة عمل حول إعادة توزيع الموارد المائية في وادي الأردن مجموعة البركة ترعى ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي في نسختها ال 46 في المدينة المنورة مع اقتراب شهر رمضان المبارك" حماية المستهلك تحذر المواطنين بدائل الإيواء وجماعة جوستاف لوبون السيجارة المبتزة: حين تُغلف السموم بورقٍ أبيض تجارة الأردن توقع اتفاقيتين تعاون مع أوزبكستان وأذربيجان تجارة الأردن تشارك في اجتماعات الغرفة الإسلامية ومنتدى مكة للحلال 2026 صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي يكرّم الموظفات المتميزات لعام 2025 الضمّ الإسرائيلي في الضفة الغربية: هندسة الواقع وكسر معادلة التسوية بالصور.. دولة الكباريتي يرعى اليوم الثاني لإحتفال عمان الاهلية بتخريج طلبة الفصل الاول من الفوج 33 الفوسفات الأردنية تحقق 25.4% من مجموع أرباح الشركات والبنوك العاملة والمدرجة في بورصة عمّان لعام 2025 الملك يترأس اليوم جولة جديدة من مبادرة "اجتماعات العقبة" في لندن مدير الأمن العام يوعز بتفعيل الخطط الأمنية والمرورية الخاصة بشهر رمضان سلطة المياه: ضبط حفارة مخالفة في الازرق و اعتداءات على خطوط مياه في معان في البدء كان العرب بين "سيف" الهاشميين و"سبات" المسؤولين.. مَن يواكب الخُطى؟

بدائل الإيواء وجماعة جوستاف لوبون

بدائل الإيواء وجماعة جوستاف لوبون
الأنباط -
د. مهند العزة

يبدو أن عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون صاحب الكتاب المحوري (سيكولوجية الجماهير) في عبقرية قراءته الاستشرافية قد أوتي ما لم يؤتَ نظراؤه من المحللين ممن سبقوه ولحقوه في انسحاب قراءته لانقياد الجماهير وتأثر الفرد بالحشود بغض النظر عن حجمها على ما هو خارج نطاق السياسة والثورات. إذ تجلى ذلك وما يزال في كل مرة تقوم بها مجموعة بتسخير حساباتها على المنصات الرقمية ووسطائها على الوسائل الإعلامية للترويج لفكرة أو محاربتها.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليست بمنأىً عن تشكيل نقطة انجذاب لمجموعة من الجمهور التي ليس بالضرورة أفرادها جميعاً معنيون فعلياً بتلك الحقوق، وإنما كثير منهم ساقتهم العاطفة الجياشة والتعاطف العشوائي مع رغبة صريحة أو ضمنية بركوب الترند الذي يستجيب لسياقات الهيجان والتأجيج. ففي الوقت الذي حازت فيه شخصيات ومؤسسات جوائز عالمية مرموقة في مجالات حقوق الإنسان والعمل الاجتماعي والإنساني نتيجة جهودها الرامية لتفكيك منظومة الإيواء في العديد من الدول، كما هو الحال مع الكاتبة البريطانية J.K. Rowling صاحبة سلسلة هاري بوتر الشهيرة ومؤسسة منظمة لوموس https://www.wearelumos.org/ الناشطة في تفكيك الإيواء في أوروبا الشرقية سابقاً وفي إفريقيا ودول الكاريبي. وكذلك الأمر بالنسبة للشبكة الأوروبية للعيش المستقل https://enil.eu/ لا يجد بعض المحسوبين عندنا على التيار المنافح عن حقوق الإنسان وبعض من لهم علاقة بالتشريع غضاضةً في تبني مواقف أقل ما يقال عنها أنها تضرب في جذر مبادئ الحق ومناهضة التمييز، فتراهم على غير هدى يتبنون مواقف أصحاب الصيحات والصوت المرتفع دون حتى طرح سؤال أو طلب معلومة حول الموضوع ومحاولة التعرف على جوانبه وتفاصيله.
الحقيقة أن مسارعة بل تسرع العديد من هؤلاء في تبني موقف وإطلاق تصريح أو نشر تعليق مناهض لفكرة الدمج الأسري والمجتمعي دون إظهار ولو قدر يسير من الاحترام للقضية نفسها بمحاولة الاطلاع على الأدبيات التي تعالجها والممارسات المقارنة بل ولا حتى محاولة قراءة النصوص القانونية في التشريعات الوطنية ناهيك عن اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مردّه تجذر التفكير النمطي وسيطرته عليهم بمن فيهم بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان. إذ يظن هؤلاء أنه يكفي أن يطلق عبارات مرسلة مثل: "الدمج لا يصلح للإعاقات الشديدة.. الدمج لا يجب أن يكون إجباريا.. الأسر لا يمكنها رعاية الشخص..”، لتكون الحجة في جانبهم ويقيموها على من ينادي بأسمى ما عرفته البشرية ألا وهو التنوع والتعايش والدمج. فحديث هؤلاء المستمر عن الأسر دون أن تنطق ألسنتهم ولو كلمةً واحدةً عن خيار واختيار وشعور وإحساس ونفسية الشخص ذي الإعاقة مدار البحث، يعكس بكل أسف تفكيراً نمطياً مؤداه أن من لديه إعاقة ذهنية شديدة ليس لديه رغبة ولا ميل ولا اختيار ولا أمنيات، وهذا الاعتقاد بدوره يعكس نرجسيةً غير واعية تجعلنا نرى في كل شخص لا نستطيع فهم ما يريد وما يتمناه ويميل إليه؛ أنه ليس محلاً ولا أهلاً لنستجلي رغباته وميوله.
على هؤلاء قبل أن يسارعوا ويتسرعوا في اتخاذ مواقف شعبوية غير مدروسة أن يطرحوا حزمةً من الأسئلة وسوف يجدون إجابات عليها إن أرادوا ذلك طبعا. فعليهم أن يسألوا العاملين المخلصين في المؤسسات الإيوائية عن حالات الوفاة نتيجة الاكتئاب لأشخاص ذوي إعاقة ذهنية شديدة زارتهم أسرهم لمرة ولم تعد، فامتنعوا عن الطعام ودخلوا في حالة اكتئاب شديد أفضت لوفاتهم. عليهم أن يسألوا أنفسهم أمام مرآة: هل من لا نفهم تعابير وجهه أو مكنون صيحاته وصرخاته، هو بالنسبة لنا بمنزلة الوحش الكاسر أو الحيوان الأليف في أحسن الأحوال، نستقبل صوته وحركاته بمنظورنا ومفهومنا النمطي نازعين عنه إنسانيته معتبرينه مجرد كائن حي أقصى ما يستحقه لا يتجاوز الإطعام والعلاج، أما ما دونهما من حنو ودفئ العائلة والقرب من محيطه المجتمعي فهو ليس لها أهلا؟
هل حاول هؤلاء الذين عرفوا المفاهيم دون أن يفهموها فظنوا أنهم في الإعاقة أحاطوا بمجامع العلم؛ أن يتعرفوا على إعاقات شديدة تحتضنها أسرها في الأردن بكل حب وحنان، ناهيك عن أسر مماثلة في معظم دول العالم؟ هل سأل هؤلاء كيف يمكن أن نفاخر بملفنا في مجال حقوق الإنسان ونحن نشرعن أحد أشكال الاتجار بالبشر حينما نسمح ونقبل أن يكون بلدنا ملاذاً لأسر من خارجه خجلت من أبنائها وبناتها بسبب إعاقاتهم فلفظتهم بعيداً عنها وأخرجتهم من ديارهم درأً "للوصمة”؟ هل فكر هؤلاء لماذا تقوم الجهات المعنية عندنا بتحمل هذا العناء الذي تتطلبه بدائل الإيواء سواءً كان لوجستياً أو ماليا؟ أليس الأسهل أنتضل منظومة العزل والإيداع القسر على حالها دون تكبد هذا العناء؟
هل خطر في بال هؤلاء أن يسألوا كيف كان حال من دخل المؤسسة الإيوائية وإلى أين انتهى به المآل؟ هل يعرفون شيءً عن البدائل المالية والتأهيلية والتدريبية والمتابعة؟ هل يعرفون شيءً عن التجارب التي تحولت فيها بعض الحالات الخاملة الراكدة التي كانت مصنفةً بأنها إعاقات شديدة إلى حالات نشطة دبت بها الحياة؟ هل إحدى الزميلات الحقوقيات التي صدمتني بتعليقها على الموضوع حينما جعلت من الدمج انتهاكاً للحق ومن الإقصاء حقاً واختيار يجب منحه للأسر وليس للشخص، لأنه من وجهة نظرها شديد الإعاقة فهو ليس أهلاً لذلك، هل ترى أن عالماً مثل ستيفن هوكنغ الذي كانت إعاقته تجسد أشد أنواع الإعاقات كان يجب أن يودع في مؤسسة إيوائية ويقبل يده وجهاً وقفا على نعمة الطعام والشراب؟ هل ترى أن نظيره في الإعاقة المهندس السوري خلدون سنجاب الذي بفضل الرعاية الأسرية والدمج أصبح من فوق سريره من أكبر مصممي الألعاب ثلاثية الأبعاد والمواقع الإلكترونية، كان ينبغي أن يريح ويستريح بالتخلص منه واحتجازه في دار رعاية إيوائية؟ هل تعلم الزميلة أن من أنشط أعضاء مجلس الأمناء عندنا كان وما يزال الأستاذ خالد النابلسي الذي لديه إعاقة التصلب الضموري الجانبي وهي ذاتها إعاقة ستيفن هوكنغ؟ ليتها تعلم أن من قاد ائتلاف كبير حول العالم شارك في حملات كسب التأييد أثناء صياغة الاتفاقية أشخاص من متلازمة داون الشديدة والإعاقات النفسية الشديدة أيضا. وأخيرا، ليتك زميلتي تقرئي إن وجدتِ ذلك يستحق عن ريادة إيطاليا في تفكيك الإيواء للإعاقات النفسية بما في ذلك الفصام الذهاني وغيره، ناهيكِ عن الإعاقات الذهنية.
كيف يمكن لمجموعة من الأفراد من خلف شاشات هواتفهم أو من خلف مكاتبهم أن يقلبوا الحق الدستوري في الدمج إلى انتهاك ويجعلوا من الإقصاء حقاً واختيار؟ لا شك أن الأسر تحتاج لمساندة ودعم وتأهيل نفسي ومالي وبيئي، إلا أن استمراء تغييب الشخص نفسه كلما تم طرح هذا الموضوع والحديث عنه وكأنه كابوس أو بلية يجب تخليص الأسر منها، هو عين الامتهان للكرامة الإنسانية والحق في العيش المستقل.
بعض أصحاب المراكز الإيوائية الخاصة التي تتعاقد مع سفارات بعض الدول والأسر من خارج الأردن وقليلاً من داخله لم يخفُ عدائهم الشديد على أحكام حظر الإيواء في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الخاصة ببدائل الإيواء، ومنذ صدور القانون عام 2017 لم يدخرُ جهداً لتشويه قيمة الدمج والحق فيه وتضليل الأسر والرأي العام، وتصاعد زخم هذه الحملة العدائية مفهوم مع اقتراب المهلة القانونية الخاصة بإنهاء الإيواء، كما هو مفهوم دافع أصحاب المصالح هؤلاء الذين يرون في العيش المستقل والتمكين من الاعتماد على الذات تهديداً لهم، فإذا تمكن جلّ الأشخاص ذوو الإعاقة من الاعتماد على أنفسهم والعيش باستقلالية مع أسرهم أو الأسر الحاضنة أو بمفردهم، فهذا يعني أن الزبائن شطبت والمصلحة جَبَرت، دون أن يحاول هؤلاء بدورهم مثل من يناصرونهم على غير هدى، أن يدرسوا فوائد وعوائد الاستثمار في مراكز الرعاية النهارية ومراكز مهارات العيش المستقل.
ما يتعذر فهمه هو كيف يمكن لمن أمضوا من عمرهم وعمرهن سنين في دفاع عن حقوق المرأة والطفل وكبار السن وعن حرية الرأي والتعبير؛ على أساس اتفاقيات حقوق الإنسان الأساسية ذات الصلة، أن يضربوا عرض الحائط وطوله باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي أوردت الدمج في مادتها الثالثة بوصفه أحد ركائزها الأساسية وأفردت للعيش المستقل مادةً كاملةً (19)، وألزمت في مادتها الرابعة الدول الأطراف بوجوب تحقيق ذلك. فالدمج حق للأشخاص ذوي الإعاقة وواجب على الدولة إعماله ومحاولة تعكيره و/أو تشويهه نقيصةً البراء منها عسير.
في زمن لم يتذكر فيه كثيرون ممن يصنفون أنفسهم بالمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات؛ حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلا حينما أصبحت بفعل فاعل ترند وموجة يريد الجميع ركوبها، لا أظن أن هناك عنواناً أكثر تعبيراً عن مأساة وملهاة الواقع الذي نحاول التعايش معه أكثر مما سطره البعض حينما جعل من الدمج ممارسةً غير حقوقيةً ومن الإقصاء والعزلة والإيداع القسري حقاً واختيار!
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير