الأنباط -
غرف واستديوهات.
الأحداث الكبرى في هذا العالم سريع التغير يتم طبخها بهدوء وروية في الغرف المغلقة ومقرات التحليل المعتمدة على المعلومة الصادرة من مختصين، وهذا الأمر يتعلق بالخطط سواء في الاقتصاد او السياسة او الاجتماع، وكثيرا ما تكون الخطط نابعة من استراتجيات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد ،وما يحدث من تسريبات لا يخرج عن كونه عناوين مانشتات إعلاميه تمهيدا لخطوة او حرف الأنظار عنها ،لكن الثابت ان الأمم تقود استراتجيات مطابخها بهدوء وعمق يكون العامل الفردي والشخصي فيها ذا تأثير قليل، وعلى هامش الأحداث الكبرى يتم ترك هوامش لالهاء هناك وهناك ،وفي منطقتنا لم تتغير استراتجيات الخط العريض منذ ما بعد الحرب الكونية الأولى، فشرق المتوسط وامتداده في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا ولنقل جغرافيا الحضور العربي كان وما زال مسرحا لأحداث مصدرها من خارجه ،وهدفها ضمان استمرار مشروع التقسيم ونجاح مشروع الكيان كقاعدة متقدّمة يرعاها من يقود ويوجه المنطقة خارجيا وان تعددت ألوانه وأسماءه ،وقبل قرن من الزمان كان من أهم الخطوط الحمراء الحفاظ على قنوات إتصال سرا او علنا مع ثلاث عناوين جغرافية حاسمة ،انقره شمالاً وطهران شرقا واديس ابابا جنوباً ،تبقى خطوطها مفتوحة بغض النظر عمن يحكمها لأن دورها حيوي في ضبط الإيقاع كذراع مساند تحت هذا الشعار او ذاك، ،وهذا الأمر لم يتغير مع تغير عناوين السياسة والايدلوجيا في تلك العواصم ،وعودة لاستعراض المفاصل الجوهرية في تحولات السيطرة والاستلاب مقارنة مع تموضع تلك العواصم ستجد المفارقة بأن لا تغيير في الجوهر، وما دام المشروع بحاجة للثبات والتمدد والاحتياط من لحظة تحول في المنطقة فإن الحاجة لتلك العواصم لا تنتفي ،
والتجاذب مع طهران والمناورة مع انقره والصمت على أديس ابابا يقع في هذا الإطار،
وعودة لأليات صناعة القرار في الغرف المغلقة، فإن ما نشهده من تحليلات على الفضائيات بكل توجهاتها ما هو إلا تسلية على هامش الأحداث وكل مركز إعلامي يروج لفكره ومن يخرح عن الخط لا يعود ثانية، فالتحليل ليس هواية او وتعبئة اوقات، التحليل يجب أن يصدر عن ذوي اختصاص يملكون الجرأة على تدعيم مقولاتهم بالعلم والأرقام وليس بالاعتماد على التسريبات والمعلومات الموجهة لأهدافها الخاصة ،التحليل لا تصنعه الاراء الصادرة من الفضائيات المبرمجة بالخلط بين الخبر والتقرير والتحليل والعبث في الذاكرة واللعب على العواطف وشحنها ،
فماذا لو راجعنا تحليلات من وجهوا الأحداث في الثلاث عقود الماضية على فضائيات اللسان العربي وعملنا جردة حساب لكل منهم، وإلى ابن قادوا الرأي العام وكيف ساهموا بوعي او بدونه في خدمة صناع الحدث وهم يعيدون علينا ما يسرب إليهم مترجما للعربية.
لذلك خذوها من مواطن، لن تضرب إيران ولن تصل المواجهة لكسر العظم ما لم يؤمن البديل المقبول او يكون الكيان وصل لمرحلة الأمان الحقيقي بتفتيت اكبر في الإقليم العربي وطوال قرن من الأدوار والتجاذبات لم تخرج طهران عن الخط العام إلا في محاولة رئيس وزرائها مصدق ابان حكم الشاه ولم تفلح الخطوة ووئدت غريبا ولا فرق بين تاج او عمامة لديهم سوى في منهجية إدارة الصراع ، ومع ذلك لست من انصار ضربها او العدوان عليها،
لذلك على من لا يمتلك قدرة على الفعل ان يرقب ويفهم ما يحصل ما دام خارج دائرة القرار وانتظار لحظة سياقها الطبيعي قادم لا محالة دون الولوج في التباهي بجدائل الخالات ،فعدو جدك لن يعقب لك صديق.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
المهندس عامر الحباشنة