هلا الرشق – باحثة في العلاقات الدولية
في زمن تتسارع فيه التحالفات الجيوسياسية ، تبرز صورة لثالوث غريب: إسرائيل، إثيوبيا، وأرض الصومال (صوماليلاند). ثلاث قوى تتقاطع سياساتها الخارجية في نمط واحد مخيف: التوسع التدريجي غير الملحوظ، بانتظار لحظة الإلهاء العالمي، معتمدة على تحالفات استراتيجية تُغيّر خريطة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. هذا ليس صدفة، بل استراتيجية مدروسة.
أوجه الشبه: قضم الأراضي بالتدريج
يبدأ التشابه في النهج التوسعي . إسرائيل تُوسّع مستوطناتها في الضفة الغربية بمعدل قياسي، حيث تمت الموافقة على 41 مستوطنة جديدة في 2025 وحدها – أعلى رقم مسجل تاريخياً – مع 28 ألف وحدة سكنية، منتشرة من جنين إلى الخليل دون ضجيج إعلامي كبير، مستغلة انشغال العالم بغزة وحزب الله. إثيوبيا، بدورها، تحلم بإعادة ضم إريتريا بعد حرب 1998-2000، وتدعم تفكك الصومال لتسيطر على بونتلاند وأجزاء أخرى، كما فعلت سابقاً بتقسيم الصومال إلى اتحاد فضفاض يخدم مصالحها الأمنية والمائية على نهر النيل. أما أرض الصومال، فقد أعلنت طموحاتها لضم بونتلاند ومناطق أخرى من الصومال الفيدرالي، مستفيدة من استقلالها الفعلي منذ 1991 لتبني دولة قوية على حساب الوحدة الصومالية.
هذا التوسع ليس عشوائياً؛ إنه "جراحة دقيقة" تُجرى تحت غطاء الفرص، بانتظار أن يُلهِي الإعلامُ قضايا أكبر مثل الحوثيين أو ايران ، فيبتعد الفلسطينيون عن الصفحات الأولى في الاعلام والميديا العالمية, لان سبب من الصداع ما يكفي .
الاعتماد على إسرائيل: درع القرن الأفريقي
تتحالف إثيوبيا وأرض الصومال مع إسرائيل لمواجهة "محور القاهرة-أنقرة-الرياض" الذي يشمل جيبوتي، إريتريا، والصومال. إثيوبيا تستفيد من تكنولوجيا إسرائيل وتفوقها استخباراتيا ، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في مايو 2025، لتعزيز نفوذها أمام التحالف المعادي، وتضم دولاً أخرى في القرن مستفيدة من "الرياح الإسرائيلية" في المجتمع الدولي. أرض الصومال، المعزولة 34 عاماً، فتحت ابواب الفرص امامها بعد اعتراف إسرائيل الكامل بها في 26 ديسمبر 2025 – أول دولة أممية تفعل ذلك بعد تايوان – مما فتح التجارة البينية رسمياً، التي ولو تمت منذ زمن فقد تمت على استحياء وكما مهّد ذلك للاعتراف الدولي لاحقا ، بالاضافة لشرعية محتملة لأي تحركات قادمة ضد بونتلاند.
في الغرب، يُشاد بهذا كـ"دعوة لاسرائيل إلى البحر الأحمر"، حيث تسهّل تل أبيب الطريق لشركائها عبر اتفاقيات أبراهام الموسعة.
حضور رئيس أرض الصومال في دافوس يعزز الشراكة
يُبرز حضوررئيسأرضالصومال،الدكتورعبدالرحمنمحمدعبدالله"إيرو" (المنتخبفينوفمبر2024 وتولىالمنصبفي12 ديسمبر2024)، مؤتمر دافوسالاقتصاديالعالمي2026، الزخم الدبلوماسيالمتسارعبعدالاعترافالإسرائيلي.ويُعتقدأنهغادرالمنطقةبطائرةإسرائيليةخاصة،مروراًبمجالجويصومالي،مماأثارجدلاًحولالتنسيقالسريوالقربالمتزايدبينهيغشيوتلأبيب،خاصةبعدزيارةساعرلهيغشي.هذاالحضوريأتيفيسياق"دبلوماسيةسريعة"تفتح لأرضالصومالدولياً،(بسببالاعترافالإسرائيلي) بوابةاتفاقيات مع دول اخرى
البعد الاستراتيجي: باب المندب وصفقات الحوثيين
الوقتُ مواتٍ لإسرائيل: جبهات غزة، حزب الله، والجنوب السوري هادئة نسبياً. الاعتراف بأرض الصومال يفتح أبواباً لقواعد استخباراتية أو عسكرية قرب الحوثيين، تكاملاً مع القاعدة السرية في جيبوتي، أو حتى تجنيد صوماليين للرصد والضربات الدقيقة ضد صنعاء، مستفيدة من اضطرابات اليمن الجنوبي حيث يعلن المجلس الانتقالي استعداده للتطبيع فور الاستقلال. هذا يمنح إسرائيل سيطرة غير مباشرة على مضيق باب المندب، مهدداً حركة التجارة إذا حُجّم الحوثيون، كما يحذّر إيلان بيرمان في "الحرة".
إثيوبيا تُعزّز هذا بالسعي لميناء بربرة في أرض الصومال، مقابل دعم غير معلن، في مواجهة قطر وتركيا والإمارات المتنافسة.
البعد الاستراتيجي: تحالفات حديدية تواجه محوراً قوياً
يُشكل التحالف الثلاثي بين إسرائيل، إثيوبيا، وأرض الصومال محوراً استراتيجياً يواجه تحالفاً معادياً قوياً يضم مصر، السعودية، تركيا، جيبوتي، إريتريا، والصومال الفيدرالي. هذا الصراع ليس سطحياً؛ إنه صراع على موارد النيل، مضيق باب المندب، والسيطرة على طرق التجارة العالمية. إثيوبيا، التي تواجه تهديدات مصرية-سعودية-تركية مدعومة بجيبوتي وإريتريا، تجد في إسرائيل حليفاً يزودها بتكنولوجيا الطائرات المسيرة والاستخبارات لمواجهة الضغوط على سد النهضة، بينما تسعى لضم إريتريا وبونتلاند لتعزيز سيطرتها الإقليمية. أرض الصومال، بدورها، تستفيد من الاعتراف الإسرائيلي للضغط على الصومال الفيدرالي وبونتلاند، وتفتح موانئها كبربرة لإثيوبيا مقابل دعم عسكري، في وجه التحالف التركي-قطري الذي يدعم مقديشو.
إسرائيل تُدخل نفسها هنا كلاعب رئيسي، مستفيدة من هدوء جبهاتها (غزة، حزب الله، الجنوب السوري) لنشر قواعد استخباراتية سرية في جيبوتي وأرض الصومال، تكاملاً مع خطط لتجنيد صوماليين في الرصد والضربات الدقيقة ضد الحوثيين، مُهدّدةً سيطرتهم على باب المندب. هذا التواجد يُحقّق رؤية تاريخية، إذ دعا موشيه دايان في الستينيات إلى "التواجد في المداخل الجنوبية للبحر الأحمر" لحماية الجناح الجنوبي، وها هو نتنياهو (من لديه مصباح علاء الدين لتحقيق امنيات كل القيادات الاسرائيلية الذين سبقوه ) يُنفذها اليوم عبر حلفاء أفارقة، مُمكّناً إسرائيل من التحكم غير المباشر في 12% من التجارة العالمية.
نتنياهو يصدر الأزمات: إنجاز داخلي خارجي
في الداخل، يواجه نتنياهو محاكمته وأزماته، فيعيد "صيغته السحرية": تصدير الأزمات ليُلْتَفَّ الشعبُ حوله كبطل. ضرب الحوثيين من القرن الأفريقي، توسيع أبراهام نحو أفريقيا، ودعم حلفاء – كلها "إنجازات وطنية" تُروَّج كحماية للشعب الإسرائيلي، تماماً كغزة أو لبنان سابقاً. الإعلام الغربي، كـ"واشنطن إنستيتيوت"، يصفها "دبلوماسية مجانية" لدخول منطقة جديدة، بينما يُخفي الجانب الاستعماري.
هكذا، تتشابك مصائر الثلاثة في شبكة حديدية: توسع، تحالف، وانتقام من الأعداء. هل هي بداية عصر جديد في البحر الأحمر، أم مجرد وهم ينهار عند أول ريح عاتية؟ التاريخ وحده سيُجيب، لكن الخريطة تتغير اليوم.
SHAPE \* MERGEFORMAT