هيفاء غيث
اليوم، ما إن تعلن الأرصاد الجوية عن منخفض جوي، حتى تترافق الأخبار مع التحذيرات، وتبدأ المخاوف من السيول، وغرق الشوارع، وتعطل الحياة اليومية. سؤال يفرض نفسه بقوة: ما الذي جعلنا نخاف المطر ونحذره؟ وهل ضاقت الأرض بسقياها؟
مشاهد تتكرر مع كل موسم
ومع كل حالة مطرية، تتكرر مشاهد مؤلمة لم تعد غريبة على الذاكرة العامة؛ طرق تنجرف تحت ضغط المياه، وانهيارات جزئية تفاجئ المارة، ومنازل تتسلل إليها السيول دون استئذان، حاملة معها الخوف قبل الضرر. مشاهد لأشخاص عالقين في طرق مغلقة، ومركبات غارقة حتى منتصفها، وحركة مرورية مشلولة لساعات طويلة. ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، إذ تضطر جامعات ومؤسسات رسمية وتعليمية إلى تعليق الدوام، وتتوقف مصالح الناس، وتتأثر حياة يومية كاملة بسبب ساعات من الهطول المطري. هذه الصور، التي تتكرر عامًا بعد عام، لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من واقع موسمي يطرح أسئلة ملحّة حول الجاهزية والقدرة على الاحتواء.
الحقيقة أن المشكلة ليست في الأمطار ذاتها، بل في واقع صنعناه بأيدينا. فالأرض التي كانت تحتضن مياه الأمطار في جوفها، فقدت قدرتها على الاحتواء. التوسع العمراني غير المدروس، والإسفلت الذي غطّى التربة، وتجاهل مجاري السيول، كلها عوامل حرمت الأرض من خاصيتها الطبيعية في امتصاص المياه وتخزينها.
ولا يمكن إغفال واقع البنية التحتية التي بليت واهترأت في كثير من المناطق. شبكات تصريف مياه الأمطار، حيث وجدت، لم تُحدّث لتواكب الزيادة السكانية أو التغيرات المناخية، وغابت الصيانة الدورية، فباتت عاجزة عن استيعاب كميات من المياه لم تعد استثنائية. ومع كل موسم، تتكرر المشاهد ذاتها، وكأننا لم نتعلم من التجربة.
المساءلة قبل العاصفة
ما بين نعمة المطر ومخاطره، تبرز الحاجة إلى مساءلة هادئة ومسؤولة لا تبحث عن إلقاء اللوم، بل عن فهم مكامن الخلل. فتكرار المشهد مع كل موسم ممطر يفرض تساؤلات مشروعة حول الجاهزية، وكفاءة التخطيط، وقدرة البنية التحتية على مواكبة المتغيرات المناخية المتسارعة. إن التعامل مع الأمطار لم يعد شأنًا موسميًا، بل ملفًا مستمرًا يتطلب مراجعة السياسات القائمة، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف، ووضوحًا أكبر في توزيع الأدوار والمسؤوليات.
المشكلة إذن واضحة، والحل ليس مستحيلًا، المطلوب الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر، ومن ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، تبدأ الحلول بتحديث البنية التحتية، وتصميم شبكات تصريف قادرة على استيعاب الواقع الجديد، مرورًا بتبني مشاريع حصاد مياه الأمطار بدل هدرها، ووصولًا إلى تخطيط عمراني يحترم الطبيعة ولا يصطدم معها.
كما أن وضع استراتيجيات وطنية واضحة للتعامل مع التغير المناخي بات ضرورة لا خيارًا، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي وتقديم الدعم والجاهزية ليبقى المطر نعمة ربانية تحمل معها الخير والفرح لانقمة تحمل في طياتها الذعر والحزن والكوارث.