البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
منذ اللحظة التي رفع فيها الإنسان عينيه إلى الأفق، حاول أن يضع للعالم حدودًا يفهم بها ذاته ومحيطه. خرائط رسمها البحارة، وحدود خطّها القادة، وخطوط مستقيمة عبرت الصحاري، لو أن البشر أرقام على ورق. غير أن الخطوط التي قسّمت القارات والبلدان قبل قرن من الزمن باتت عاجزة عن تفسير واقع اليوم، عالمٌ تتحرك فيه القوى بصمت، وتُرسم حدوده الجديدة بالتكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة الرقمية.
في إجابة لوزير خارجية روسيا، ريباكوف، على طلب طفا منه مجسمًا للكرة الأرضية، قائلاً "الخرائط لم تُرسم بعد". وفي مكان اخر كان قد تحدث بوضوح "العالم لن يعود كما كان، ومن يحاول الدفاع عن الماضي سيخسر المستقبل".
هذه العبارة تُلخّص لحظة تاريخية يقف فيها الكوكب على حافة انتقال عميق لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
لكن الحقيقة الأعمق تقول، الكرة الأرضية ليست مجرد مساحة مرسومة، بل كائن حيّ سياسي واقتصادي وثقافي ما زال يتشكل، وخرائطه لم تُرسَم بعد.
عبر القرون، من الإمبراطوريات إلى الاستعمار الحديث، كانت الخرائط انعكاسًا لميزان القوة. اليوم يتضح أن خرائط الاستعمار، رسمتها الدول القوية كما تشاء، كمشروع قوة لا كمشروع عدالة، ثم طالبت العالم بالتصديق عليها.
القوى الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا والصين، والدول الصاعدة والطامحة، والتحولات في الشرق الأوسط والقرن الافريقي وفي غرب افريقيا، وأمريكا اللاتينية، وشرق اسيا، كلها تقول إن العالم لا يسير نحو الفوضى، بل نحو إعادة ترتيب باردة وقاسية.
وقد لخّص هنري كيسنجر المشهد بقوله "نحن نغادر عالمًا نعرف قواعده، وندخل عالمًا لا قواعد له بعد".
ما نراه ليس انهيار النظام الدولي، بل سقوط وهم القيم الذي حكمه لعقود، والخطابات لا تكفي لإدارة عالم متسارع الأزمات ومتشابك المصالح. تسريبات الوثائق الأمريكية الأخيرة لم تكن صدمة، بقدر ما كانت اعترافًا رسميًا بأن القيادة في القرن الحادي والعشرين تنتقل ادارتها من الدوائر الواسعة الى الضيقة، القادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بسرعة.
نحن أمام مرحلة يُعاد فيها تعريف النفوذ، نظام أقل خطابًا وأكثر واقعية، يقوده الفعل لا النوايا، والقدرة لا الشعارات، والسرعة لا البيروقراطية.
نظام يُقاس فيه الوزن السياسي بخمسة عناصر حاسمة، القدرة الديموغرافية، والقوة العسكرية، والاقتصاد المنتج، والتكنولوجيا عالية الدقة والابتكار، والسيطرة على الطاقة وسلاسل الإمداد.
نحن أمام عالم لا ينهار، بل يعيد ترتيب نفسه بهدوء بارد لا مكان فيه للعاطفة.
في هذا السياق، يتبلور بالقيادة الجديدة (حسب الوثيقة المسربة)، الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والهند، واليابان. لا يجمع هذه الدول تحالف رسمي، ولا أيديولوجي، لكنها تمتلك معظم مفاتيح القوة الشاملة. هذه الدول لا تتفق بالضرورة، لكنها قد تكون قادرة على فرض إيقاع العالم.
الولايات المتحدة ما تزال تمسك بمفاصل النظام المالي والتكنولوجي والسيطرة البحرية، وقوة عسكرية نووية عظيمة، وتعيد تعريف شراكاتها، ولم تعد راغبة في تمويل وحماية حلفاء عاجزين عن الإنتاج أو الدفاع عن أنفسهم. الرسالة الامريكية واضحة، من لا يضيف قيمة، لا يحجز مقعدًا دائمًا، وهي التي تحدد من يصعد او يهبط.
التحول الأمريكي يتقاطع مع صعود صيني محسوب بدقة، نفوذ بلا ضجيج أيديولوجي، عبر الاقتصاد، والبنية التحتية، والاعتماد المتبادل، وسلاسل الإمداد العالمية، وهو نموذج يتناسب تمامًا مع روح هذا العصر البراغماتي.
روسيا، ليست دولة رفاه، بل دولة سيادة، ورغم الضغوط ومحاولات عزلها، تفرض حضورها، بالقوة العسكرية، والطاقة والموارد والموقع الجغرافي، الذي يربط القطب الشمالي بآسيا، وتمتلك شبه سيطرة كاملة على القارة الجليدية الشمالية (لذلك يسعى الرئيس ترامب للحصول على غرينلاند، لخلق نوع من التوازن في القطب الشمالي، وحماية الامن القومي الامريكي).
الهند تتقدم بثبات لافت. قوة ديموغرافية، واقتصاد سريع النمو، وقدرات عسكرية نووية، وتقدم هائل في التكنولوجيا الرقمية والصناعات المعرفية. الهند لا تصرخ، لكنها تبني موقعها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي توازن عالمي.
اليابان، المثال الصامت على أن القوة لا تحتاج استعراضًا، لا تمتلك سلاحًا نوويًا، لكنها تمتلك القدرة على إنتاجه بسرعة إن قررت. قوتها في سيطرتها على المفاصل التكنولوجية الدقيقة وسلاسل الإمداد الصناعية.
في المقابل، تتراجع أوروبا نسبيًا، إمكانات موجودة، لكن قرار بطيء، وطاقة مستوردة، وبيروقراطية تقيّد الحركة. المشكلة ليست في الإمكانات، وتوفير الرفاه، بل في القوة العسكرية (رغم وجود دولتين تمتلك سلاح الردع النووي)، والقوة التكنولوجية الدقيقة (على الرغم من ان شركة ASML الهولندية الرائدة في صناعة الات الطباعة الحجرية لإنتاج الرقائق الدقيقة).
وهنا، يظهر التقدم القوي والسريع في الدول المرشحة لقيادة العالم الجديدة، بينما تتباطأ وتتراجع أوروبا من لاعب استراتيجي رئيسي.
هذا الخلل ينعكس على مؤسسات النظام الدولي، وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي أُنشئ لإدارة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها ما زالت تعمل بالأدوات ذاتها رغم تبدل موازين القوى. الفيتو بات أداة شلل، والعالم يتحرك خارج الأمم المتحدة أكثر مما يتحرك داخلها.
ومع تراجع فعالية المؤسسات الدولية، تتراجع القيم من موقع القيادة إلى الاستخدام الانتقائي. حقوق الإنسان والديمقراطية لم تختفِ، لكنها تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُجمّد حين تتعارض معها. اليوم من يملك عناصر القوة يجلس على الطاولة، أما الآخرون فيُناقش مصيرهم في غيابهم.
عند هذه النقطة، يظهر السؤال، هل انتهى عصر مجموعة السبع ومجموعة العشرين؟ من حيث الشكل، ما زالت هذه الأطر قائمة، لكن من حيث التأثير الحقيقي، فالإجابة تميل إلى نعم. معظم دول مجموعة السبع باتت تستهلك أكثر مما تنتج، وتعتمد على الطاقة المستوردة، وتعاني من بيروقراطية تُبطئ القرار. أما مجموعة العشرين، فقد تحولت إلى منتدى نقاش أكثر منها أداة قيادة.
وماذا عن مجموعة دول البريكس؟ من المحتمل ان تبقى على الورق، بظهور مصالح اقوى لقياداتها!
وعند جمع وزن الخمسة المرشحين ليكونوا العظام الجدد، نرى انها تمتلك، أكثر من 40% من الاقتصاد العالمي، و60% من الإنفاق العسكري، وأغلب القدرات النووية، وأكبر تجمع صناعي وتقدم تكنولوجي، وأكبر احتياطي طاقة ومواد خام، وأضخم سوق استهلاكي. هذه ليست مصادفة، بل بنية قيادة جديدة، تقول إن خرائط المستقبل لن تُرسم بالحبر، بل بالاقتصاد والتكنولوجيا والعقول.
مع تلاشي القطب ألوحد، يعاد توزيع الأدوار. تتقدم دول، وأوروبا مشغولة في أمنها، وتراجع قوى تقليدية يبحث عن صيغة جديدة للنفوذ، بينما تتحرك قوى إقليمية بثقة في محيطها.
وهنا يطرح السؤال الاستراتيجي، هل يمكن لهذا التقاطع من المصالح أن يقود العالم؟ الجواب، وبكل بساطه، نعم، لكن ليس بتوحيد القيم، بل بتقاطع المصالح القادر على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
العالم اليوم، أشبه بلوحة تُعاد هندسته بهدوء، من خلال الاقتصادات الرقمية، والعملات الرقمية السيادية، والعقوبات الاقتصادية، والسباق التكنولوجي الابتكار، والذكاء الاصطناعي، وحروب المعلومات، وألأمن الغذائي والمائي، وسلاسل الامداد، والسيطرة على الممرات، باتت جميعها تقرر مستقبل الشعوب.
القوة اليوم، لمن يمتلك القدرة على التأثير، من يضع المعايير التقنية؟ من يتحكم بالبيانات؟ من يقود الابتكار العلمي؟ هذه كلها خرائط غير مرئية، لكنها أكثر حسمًا من أي حدود يُرسمها قلم على أطلس.
وحين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "من يملك سلاسل الإمداد يملك السيادة"، كان يصف جوهر الخريطة الجديدة.
في قلب هذا المشهد يقف الشرق الأوسط، أحد خزّانات الطاقة، وممرات بحرية، ونقطة تماس حضاري وجيوسياسي. ان ما يجري في غزة وسوريا ولبنان والعراق واليمن والقرن الإفريقي، وإيران الطامحة لدور إقليمي (رغم انه يمكن تصنيفها بدولة شبه متعثرة، تتسلح بقوة، وتسعى للتوسع، وهي علو وشك الانفجار الداخلي)، وتركيا التي تتوسع في النفوذ، والاحداث الأخيرة في جنوب الجزيرة العربية والصومال، والسودان، والتداخلات الاقليمية (السعودية، والامارات العربية، واثيوبيا، ومصر، وتركيا، وإيران)، ومن يقف خلف هذه التدخلات من القوى العظمى، كل واحد له حساباته (لضمان النفوذ في منطقة باب المندب ومحيطها، كأحد اهم الممرات البحرية)، يثبت أن المنطقة ستظل بندًا ثابتًا على طاولة أي قيادة عالمية، يعاد رسم خرائطها وحدود دولها حسب ما تقتضي الحاجة وتقاطع المصالح.
دول صغيرة قد تصبح مراكز إقليمية بفضل التعليم والابتكار والمعرفة، ودول غنية بالموارد قد تتراجع لأنها لم تحسن تحويل ثروتها إلى قيمة مضافة.
في مثل هذا الوضع، الدول التي تنتظر تعريف دورها سيُعرّفها الآخرون، أما التي تعيد بناء ذاتها، تعليمًا واقتصادًا، وحوكمة، فهي التي سيأخذ رأيها في المعادلة الجديدة.
المعادلة واضحة، اقتصاد المعرفة، لا يعتمد على الصدفة والموارد وحدها، بل بتعليم مرتبط بالصناعة، وتحالفات ذكية تحفظ السيادة بدل أن تستهلكها، وشفافية ومساءلة تصنع الثقة الاجتماعية أكثر من الخوف، واستثمار حقيقي في كفاءة الموارد البشرية باعتبارهم أهم بنية تحتية في العصر الجديد. الدول التي تتردد تُهمَّش، وتخرج من اللعبة بصمت.
في هذا السياق، يواجه الأردن اختبارًا دقيقاً. فهو ليس دولة صغيرة بمعنى الوزن، بل نقطة ارتكاز للاستقرار في إقليم متقلب. ولا يمكن فصل أمنه الداخلي عن سياسته الخارجية، فالدول الكبرى لا تراهن على كيانات هشّة اجتماعيًا واقتصاديًا. وبذلك فان تعزيز الثقة، وتحديث الإدارة، وتسريع الإصلاح الاقتصادي، لم تعد ملفات داخلية فقط، بل عناصر سيادة.
أمنيًا، الحماية لم تعد مجانية في المفهوم الجديد. الأردن مطالب بالحفاظ على قدرة ذاتية عالية، وهو ما يجعله شريكًا موثوقًا لا عبئًا. خبرته في مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود، والتعامل مع الأزمات الإقليمية، ممكن ان تتحول إلى رأسمال استراتيجي.
اقتصاديًا، التحدي قاسٍ لكن الفرصة كبيرة، الاقتصاد العالمي القادم سيكون أكثر تنافسية وأقل تعاطفًا. الموقع الاستراتيجي لردن يمكن أن يكون مركز لوجستي للطاقة والنقل، إذا ما جرى استثماره بذكاء.
الاستثمارات ستجوه نحو الدول القادرة على توفير الاستقرار وسرعة التنفيذ. وبذلك يمكن أن يتحول الموقع إلى ميزة استراتيجية قابلة للتسييل الاقتصادي.
تحركات الملك الخارجية تبدو جزءًا من استراتيجية استباقية، الانفتاح على شرق آسيا، تعميق العلاقات مع اليابان والهند، والحفاظ على الشراكات التقليدية مع الولايات المتحدة، كحجر أساس أمني، والصين كفرصة اقتصادية، وروسيا كضرورة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها.
ان كافة التحركات الملكية، تحمل رسائل واضحة، الأردن يقرأ التحولات الدولية بدقة، ويعيد تموضعه بهدوء، دون صخب ومغامرة، وبذلك يكون المبادر لتثبيت موقعه ضمن المعادلة الجديدة.
الخلاصة، العالم اليوم يُدار بالقدرة وسرعة القرار. الكبار الجدد، لن يجتمعوا بدافع الحب، ولا يحكمون العالم بتحالف معلن، بل لحماية حدائقهم الخلفية، وبتقاطع المصالح والقوة الفعلية.
هذا لا يعني تهميش الدول الصغيرة، بل تهميش الدول المترددة. الكرة الأرضية في حالة إعادة تشكيل. مرحلة البداية فيها مكافئة الدول التي تتعلم بسرعة أكثر من الدول التي تملك أكثر.
سيبقى السؤال مفتوحًا، من سيجرؤ على إعادة رسم خريطته الداخلية أولًا، بالتعليم، والاقتصاد، وإدارة الدولة، قبل أن يطالب العالم بخريطة جديدة له؟
إن خرائط القرن الحادي والعشرين ليست ما نراه في الكتب المدرسية، بل ما نبنيه بإرادتنا وخياراتنا.
ولذلك، يمكن القول بثقة، الخرائط الحقيقية للعالم لم تُرسَم بعد، ومن يتأخر اليوم، سيدفع ثمن الغياب غدًا.