البث المباشر
تآكل الطبقة الوسطى في الأردن: دخلٌ يزداد وأعباء تلتهمه رئيس مجلس النواب الأميركي يتوقع إنهاء الإغلاق الجزئي الثلاثاء الأوراق المالية تسجل صندوق كابيتال للاستثمار العالمي قرارات مجلس الوزراء نعمة التمتّع بجمال البيئة! مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشائر الربطة والدبوبي والحوراني والجعافرة نشر مقال شي بشأن تعزيز القوة المالية للصين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تعلن عن منح دراسية في برنامج (الماجستير) مقدمة من / قبرص غرف واستديوهات. ‏يوم طبي مجاني في مدرسة أم عطية الأنصارية الأساسية احتفال بعيد ميلاد جلالة الملك الملك والرئيس المصري يعقدان مباحثات في القاهرة بدء تدريب مكلفي خدمة العلم في مركز التدريب بمعسكر شويعر ميلاد القائد والقدوة: الملك عبدالله الثاني.. ربع قرن من البناء والحكمة شي يدعو إلى تحقيق اختراقات في تطوير صناعات المستقبل أورنج الأردن شريك الاتصالات الحصري لفعالية تيد إكس في كينغز أكاديمي وزير الداخلية يتفقد مديرية أحوال وجوازات إربد "الخيرية الهاشمية" تنفّذ مشروع "أرزاق" بدعم من "الأيادي المتحدة للإغاثة" البنك الأردني الكويتي يرعى مؤتمر "نموذج الأمم المتحدة" للأكاديمية البريطانية الدولية تشغيل فرع إنتاجي جديد في رحاب بالمفرق ليرتفع عددها إلى 36 فرع إنتاجي صندوق استثمار أموال الضمان يستعرض إنجازات 2025 تزامنًا مع عيد ميلاد جلالة الملك

إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية: استرداد الوطن المعنوي (5/2) بناء الوطن المعنوي 1974–1993

إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية استرداد الوطن المعنوي 52 بناء الوطن المعنوي 1974–1993
الأنباط -
بقلم: فايز محمد أبو شمالة

في الجزء الأول من هذه السلسة، تتبّعنا بدايات منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1964، مرورًا بصعود الكفاح المسلح وتحولها من كيان رسمي عربي إلى مشروع تحرري وطني مستقل تقوده الفصائل، وصولًا إلى الاعتراف العربي والدولي بها ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.
في هذا الجزء، سنركز على البنية المؤسسية والاجتماعية والثقافية للمنظمة، ودورها كـ”وطن معنوي” للفلسطينيين في كافة أماكن وجودهم، وكيف مثلت نموذجًا لدولة منفية تعبّر عن تطلعات شعبها وتحتضن نضاله.
المؤسسات الوطنية: الدعم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي
لم يكن التحول في تلك المرحلة سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، فقد أصبحت منظمة التحرير مرجعية شبه دولتية للفلسطينيين في المنافي، تمارس وظائف الدولة في غيابها، وتوفر أطرًا تنظيمية وخدمية للمجتمع الفلسطيني المشتت.
وتُظهر نظرة إلى الدوائر الرسمية التي أنشأتها المنظمة مدى شمولية هذا الدور، إذ تأسست دوائر متعددة غطّت مختلف مناحي الحياة الفلسطينية، ومن بينها: شؤون اللاجئين، الشؤون السياسية، شؤون الوطن المحتل، العلاقات القومية والدولية، الشؤون الاقتصادية، الإعلام والثقافة، التنظيم الشعبي، الشباب والرياضة، الشؤون الاجتماعية، التربية والتعليم العالي، إضافة إلى الدوائر العسكرية والفنية والإدارية الأخرى.

فقد تولّت دائرة شؤون اللاجئين مسؤولية متابعة أوضاع المخيمات والتنسيق مع وكالة الأونروا وممثليات فلسطينية في دول اللجوء، وسعت للحفاظ على هوية اللاجئين السياسية وحقهم في العودة. أما دائرة الشؤون السياسية، فكانت من أهم دوائر المنظمة وأقواها، إذ أدارت مكاتب منظمة التحرير وممثلياتها في أكثر من 100 دولة حول العالم، ومن خلال هذه المكاتب أصبحت تمارس دورًا دبلوماسيًا، وفي أعقاب إعلان الاستقلال الفلسطيني، تحولت هذه الممثليات إلى سفارات تمثل دولة فلسطين في الخارج. وكانت الدائرة مركز اتخاذ القرارات السياسية العامة، وصياغة المواقف الرسمية للمنظمة، وعلاقاتها الدولية مع الدول والحركات السياسية العالمية.
وتولت الدائرة العسكرية تنظيم وتنسيق البنية القتالية للمنظمة. فقد تحولت قوات الثورة الفلسطينية تدريجيًا إلى جيش شبه نظامي منظّم، يضم جيش التحرير وقوات الفصائل المختلفة تحت قيادة موحدة وهيكل عسكري واضح يشمل التدريب والرتب، ما عزّز دور منظمة التحرير كقوة وطنية موحدة تمثل الشعب الفلسطيني في مختلف المواقع.
بينما عنيت دائرة شؤون الوطن المحتل بالتواصل مع الداخل الفلسطيني، ودعم الانتفاضات والعمل الوطني المقاوم، وكانت بمثابة الجسر الذي يربط المنفى بأرض الوطن.
ومن أبرز معالم البناء المؤسسي إنشاء الصندوق القومي الفلسطيني عام 1964، ليكون الذراع المالية المركزية لجمع الموارد وتوزيعها على برامج الدعم والمقاومة. حافظت قيادة الفصائل المسلحة على الصندوق وفعّلته، معتبرة إياه ركيزة للاستقلال المالي والسياسي وضمان استمرار الكفاح بعيدًا عن المساعدات الرسمية أو الأجندات الإقليمية.
كما أسست المنظمة مؤسسات خدمية واقتصادية لدعم الصمود، منها مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى، التي قدمت دعمًا ماليًا وإنسانيًا واجتماعيًا لأسر المقاتلين والأسرى، تعبيرًا عن الوفاء بالتضحيات.
وساهمت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بدور محوري في تقديم الخدمات الطبية للاجئين في المخيمات، من إسعافات أولية ورعاية صحية، مما خفف معاناة اللاجئين ورفع صمودهم، وكرّس استقلالية العمل الإغاثي الفلسطيني.
وتوالى تأسيس مؤسسات مثل صندوق الصمود وصامد، اللذين دعما الفلسطينيين في لبنان وسوريا اقتصاديًا، عبر توفير فرص عمل وتنفيذ مشاريع إنتاجية كالمصانع والمشاغل التي أمنت دخلًا أسهم في ترسيخ حضورهم الاقتصادي.
وبفضل علاقات المنظمة مع دول الكتلة الشرقية وحركة عدم الانحياز، تمكن آلاف الفلسطينيين من متابعة تعليمهم العالي، وبرز جيل جديد من الأطباء والمهندسين والأكاديميين، أسهم لاحقًا في خدمة المجتمع الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.
البنية الثقافية: الكلمة سلاح والهوية مقاومة
اهتمت منظمة التحرير بالهوية الثقافية، وأسست مركز الأبحاث والدراسات الفلسطينية، الذي أصبح من أبرز مؤسساتها الفكرية، وأصدر مجلات تناولت النكبة والشتات والنضال الوطني. شكّل المركز منبرًا للمفكرين الفلسطينيين في الداخل والخارج، وأسهم في بلورة خطاب وطني يعزز مشروعية النضال ويرسخ الهوية.
وامتد الحضور الثقافي إلى الإعلام والفنون، حيث أنشئت مؤسسة السينما الفلسطينية لتوثيق الرواية الوطنية، وأطلقت الفرقة المركزية للأغنية الوطنية، التي رافقت الثورة بأهازيجها في المخيمات والمدن والجامعات، وبرزت لاحقاً فرقة أغاني العاشقين، التي لعبت دورًا فنيًا في التعبير عن الوجدان الوطني، وأصبحت من أدوات النضال الثقافي في الخارج.
واحتفى المشروع الثقافي الفلسطيني بالفن التشكيلي، حيث تألق فنانون بارزون مثل إسماعيل شموط، الذي جسّدت أعماله النكبة والمقاومة والهوية، فشكّلت سجلًا بصريًا لذاكرة الشعب الفلسطيني وأسهمت في ترسيخ حضور القضية في المشهدين الفني العربي والدولي.
كما فتحت المنظمة أبوابها لرموز الأدب والفكر، واحتضنت شعراء وكتّابًا وروائيين بارزين، كان من أبرزهم محمود درويش، الذي لم يكتف بأن يكون صوتًا تعبيريًا للهوية والكرامة، بل شغل موقعًا قياديًا داخل المنظمة، وأسهم في صياغة بيانها الثقافي والوطني، مجسدًا التداخل العميق بين الكلمة والسياسة.
شكل هذا التداخل سمة بارزة في المشروع الوطني، حيث كانت الكلمة سلاحًا مكمّلًا للبندقية، وحاضنة للهوية والصمود أمام التهجير والاستلاب.
الاتحادات الشعبية: التمثيل من القاعدة
أنشأت المنظمة اتحادات شعبية عامة نظّمت المجتمع الفلسطيني ومثّلته في مختلف القطاعات، أبرزها: اتحاد طلبة فلسطين، اتحاد المرأة، اتحاد العمال، اتحاد المعلمين، اتحاد المهندسين، اتحاد الأطباء والصيادلة، اتحاد الكتّاب والصحفيين، اتحاد الفنانين التشكيليين، اتحاد الفنانين التعبيريين، واتحاد المحامين.
شكّلت هذه الاتحادات قاعدة اجتماعية وتنظيمية صلبة، ووفّرت أدوات للتنظيم الذاتي والتمثيل النقابي والثقافي، ورسخت فكرة "الوطن المعنوي” الذي يحفظ الوحدة الوطنية ويمنح الفلسطينيين شعورًا بالانتماء رغم التشتت والاحتلال.
غير أن هذا البناء الذي أنجزته منظمة التحرير خلال السبعينات والثمانينات، والذي تجسّد في شبكة مؤسساتها واتحاداتها ومراكزها الثقافية، لم يكن قائمًا في فراغ، بل وجد ترجمته التمثيلية في المجلس الوطني الفلسطيني، الذي شكّل الإطار الجامع لهذا الكيان الوطني في المنفى، وعبّر عن الإرادة الجمعية للفلسطينيين في الداخل والشتات.
وسنُفرد في الجزء القادم من هذه السلسة وقفة تحليلية خاصة حول المجلس الوطني الفلسطيني، بوصفه البرلمان الوطني الأعلى، وتطوره التاريخي، وإشكاليات تمثيله، ودوره المركزي في مشروع إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية اليوم.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير