البث المباشر
منخفض قوي يؤثر على المملكة مساء اليوم وتحذيرات من السيول والرياح "ناسا" تدرس إنهاء مهمة فضائية بسبب مشكلة صحية لأحد الرواد 5 نصائح لترشيد استهلاك الكهرباء برشلونة يحسم الكلاسيكو ويعتلي عرش السوبر الإسباني بثلاثية مثيرة الحياري: القطاع الزراعي يسجل أعلى معدلات نمو ويقود النشاط الاقتصادي في 2025 انخفاض أسعار المنتجين الصناعيين خلال 11 شهراً لعام 2025 البحث الجنائي يلقي القبض على سارق محلات بيع القهوة البحث الجنائي يلقي القبض على سارق محال بيع القهوة بالمغافلة( ما ظهر في فيديو جرى تداوله أول أمس في منطقة رأس العين) شركة تطوير العقبة تكتب فصلا جديدا في الاستثمار وتضع العقبة في دائرة الضوء وزير الخارجية ينقل تحيات الملك وولي العهد لملك البحرين وولي عهده وزير الخارجية ينقل تحيات الملك وولي العهد لملك البحرين وولي عهده ولي العهد والأميرة رجوة الحسين يزوران شركة جبل عمان ناشرون ولي العهد والأميرة رجوة الحسين يزوران شركة جبل عمان ناشرون الرئيس شي يرد على رسالة من معلمين وطلاب في وفد شبابي أمريكي للتبادل التعليمي رئيس الوزراء في مقابلة مع التلفزيون الأردني: الحكومة أمامها برنامج عمل واضح وتدرك حجم المتطلبات والتحديات التي أمامها وكيف تسير للأمام بالحلول والإنجازات تزامنًا مع عودة حافلات العمرة.. حركة نشطة للمسافرين على جسر الملك حسين مدرسة المستقبل في الأردن: رهان التحديث على الإنسان الخوالدة: "الاعتماد على الذات" خيارنا الوحيد الذي لا يخيب ترامب ينعى النظام العالمي ....المطلوب تاسيس منظمة دولية جديدة ؟ د. ماهر الحوراني يدشّن افتتاح منصة TEDxAAU بالتأكيد على مواكبة التطور وسرعة اتخاذ القرار

كيف نصنع التفاهة؟

كيف نصنع التفاهة
الأنباط -
كيف نصنع التفاهة؟
ليست التفاهة كما قد يُخيَّل للبعض، فهي ليست صدفةً ثقافية أو انحرافًا سلوكيًا عابرًا، إنما هي نتيجة منطقية لعملية طويلة من الإزاحة الرمزية للقيمة الأخلاقية التي طالما حافظنا عليها من الغزو الثقافي، وكل ذلك لصالح المعروض على شاشات الهواتف الذكية والصورة الفاقعة والضحك الذي لا يمرّ عبر العقل بل يستهلكه؛ فقد أصبحنا لا نستهلك المحتوى التافه فحسب، بل نصنعه، نعم نصنعه ونعيد إنتاجه ونرفعه إلى مرتبة النجومية، لا لأننا لا نملك بديلاً، لكن لأننا ربما نحتاج إلى ما يُسكِت فينا صوت الضمير، ويُخفّف من وطأة الأسئلة الوجودية التي تهدّد هدوءنا الكسول.
لقد تمكّن النظام الرقمي الجديد، بمنصاته وخوارزمياته، من خلق ما يشبه الاقتصاد الرمزي للتفاهة، حيث يُقاس كل شيء بعدد المشاهدات، لا بعمق الفكرة ولا بوزن المعنى؛ فليس المهم أن تقول شيئًا، بل أن تُشاهَد وأنت تقول أي شيء؛ وهذا الشيء بالذات كلما كان أبعد عن المعنى وأقرب إلى الإثارة الرخيصة، ازدادت قابليته للانتشار؛ لقد استبدلنا القيمة بالحضور، والمعرفة بالتكرار، والاحترام بالشهرة.
لكن الأخطر ليس ما يُنشر، بل ما يُمحى؛ فحين تهيمن التفاهة، لا تُقصى النخب الثقافية وحسب، بل يُعاد تشكيل الذائقة الجمعية، ويُعاد تعريف النجاح والقدوة والصوت الجماعي؛ وفي هذا المناخ لا يعود المثقف فاعلًا في تشكيل الرأي، لكنه مع الأسف يصبح صوتًا شاذًا في قاعة تصفيقٍ ضاجّة لأصحاب المحتوى الهابط، والمواقف التافهة، والسرديات المختزلة؛ فيُنظر إلى العمق على أنه تعقيد، وإلى الصمت على أنه فشل في التفاعل، وإلى الفكر على أنه استعلاء.
ولا عجب إذًا أن نرى البنية التركيبية للمجتمع وقد بدأت تتآكل من داخلها، لا نتيجة حرب ولا أزمة، بل بفعل ناعم مجاني، أو ما أُطلق عليه الاستعمار الذاتي الناعم، إذ أصبح خوفنا من أنفسنا لا من الخارج، فعندما كنا نحذر من الغزو الثقافي الخارجي كان لنا مبرر أن هذا الاستهلاك للثقافة الغربية يحتلنا من الداخل، والآن مع التطور التكنولوجي أصبح استهلاكنا لهذه التكنولوجيا استعمار لنا من أنفسنا، بسبب عدم قدرتنا على ضبط إيقاع أنفسنا، فانتشر بيننا من ينتجون تفاهتهم من وراء الشاشات، بألوان جذابة وضحكات مشحونة بالفارغ؛ وفي هذه اللحظة تصبح الهوية الثقافية غير قادرة على مقاومة المدّ الطاغي للسطحية، لأنها تُجابه بمنطق السوق لا بمنطق العقل، بأسئلة أكثر تفاهة: من يبيع أكثر؟ من يُشاهد أكثر؟ من يُعجب به أكثر؟ وهكذا يتحول المجتمع إلى مرآة مكسورة، يرى فيها ذاته ممزقة بين تقليد أعمى وتسلية بلا طائل.
وهنا نقف أمام أسئلة عديدة: من يصنع التفاهة؟ ومن يروّج لها؟ ومن يصمت عنها؟ والإجابة واحدة (نحن)، نحن الذين نتابع من نستهزئ بهم، ونحن من نعيد نشر ما نحتقره، ونحن من نغذي ما نشتكي من وجوده، ونحن الذين نُقصي المعنى تحت ذريعة "الترفيه"، ونُهمّش التفكير تحت شعار "الجمهور بدو هيك"، متناسين أن "الجمهور" لا يولد تافهًا، بل يُربّى على التفاهة، ويُساق إليها كما تُساق القطعان إلى النماذج الجاهزة.
لقد تجاوزت التفاهة جوهرها كمحتوىً، وتعدت ذلك لتصبح ثقافة؛ فهي ليست حالة إعلامية، إنما رؤية ضمنية للعالم، حيث لا شيء يستحق التأمل، ولا أحد جدير بالاستماع إلا من يُشعل لحظةً قصيرة من النشوة أو السخرية، ولكن التفاهة في بعدها الآخر تشكل شكلا من أشكال العنف الرمزي، حيث تسلب الفرد قدرته على التفكير النقدي، وتستبدل المعنى بالتسلية، والهوية بالهشاشة.
والسؤال الآن ليس كيف نقاوم التفاهة، إنما كيف نستعيد الثقة بالمعنى؟ كيف نعيد الاعتبار للغة  والكتاب والحوار البطيء  والفن الذي لا يطلب تصفيقًا سريعًا؟ كيف نقول للطفل: هذا الذي تشاهده ليس هو الحياة، وهذا الذي يضحك الملايين ليست بالضرورة قدوة؟ كيف نربّي ذائقةً لا تنجرف مع الرائج، بل تبحث عمّا يستحق أن يُقال، لا ما يُقال فقط لأنه يُشاهد؟
إن صناعة التفاهة تبدأ حين نصمت عن التفاهة، وحين نقبل أن يكون اللاشيء هو كل شيء، وحين نغضّ الطرف عن التدمير البطيء لعقولنا وجمالياتنا وهوياتنا؛ إنها خيارنا، فإما أن نختار المقاومة، أو نواصل الضحك على أنفسنا وذاتنا حتى النهاية.

الشاعر أحمد طناش شطناوي
رئيس فرع رابطة الكتاب الأردنيين/إربد
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير