عمر كلاب يكتب : الهواء اليوم حامض

عمر كلاب يكتب  الهواء اليوم حامض
الأنباط -
الى الحبيب نصر  
في حضرة الموت ، يكون الدمع طعم الحياة ، كل الاشياء مالحة وكالحة ، سوى وجهك المبتسم في التابوت ، كعادتك بكامل قيافتك ، ضحكة مثل انبلاج الفجر موشحة بالسكني من بقايا سواد الشعر ، كأنه اليوم ، وكأنه السنة الماضية ، مجرد قبلة صبح على مساء المدينة التي أحببت ، التي ودعتك بقولها " لا أنت أنت ولا الديارُ ديارُ " ، فهذه هي المدينة التي كنت تصحو وفجرها على موعد منضبط على توقيتها الوطني ، وتغفو على وسائد شعرها كعاشق ، عبرت ترابها وسكنتها وادرت ظهرك للبحر ، كنت طفلا تجمع الصدفات على بحر يافا ، فجعلت من عمان صدفتك الاغلى ، فحضنك ترابها لتنام بوداعة .
١٤ هي عدد السنين على رحيلك ، ولكنها سنوات من الوجع ، لماذا لم تقُل للموت انتظرني ، كي أُكمل معك حديثا تناولناه على عجل مع قهوة القيلولة بعد الصبح ، كنت تمتلك من الحديث العذب ما يشفع لك استمهال الموت برهة كي يكتمل الحوار ، وجلجلة ضحكتك مقنعة للوقت كي يتأنى عليك ، ويقينك في داخلك فلا داعي للاستعجال وتريث قليلا كي نرى جمال الموت سوية ، فتضحك منه وتفرّ الى الحياة ، او الى بقية كتاب وضعت بين دفتيه مسطرة كي لا تنسحب الصفحات كما تنسحب وريقات الحياة ، او كنت انتظرت كي تمنحنا بعض وقت لمزيد من الحزن عليك ، فمثلك يستحق مزيدا من البكاء .
لا أظنك استسلمت بسهولة ، فمثلك خاض الحياة جسورا ، لكنك أنفت مفاوضة الموت ، فأنت لا تفاوض ، تحسم أمرك وتمضي ، تعجن تجربة السنين ولا تتركها تختمر قليلا ، تخبزها في شعلة الحياة ، وتأكل خبزك بلا تردد ، فأنت دوما على عجلة من قلبك وأمرك ، فكل الايام أمر ، وليتك تركت قليلا من وقت كما تركت كثير من حكايا ننتظرك كي نرويها لك ، وأظنك لم تقبل ان ينحرف الشارع المفضي الى مكتبك بزاوية غير مستقيمة ، وان يعلوه جسر ، فأنت الجسر الواصل بين دروب القلوبة المحبة ، فكيف لجسر ان يعتلي قمة قلبك ، وان تلتف بدوران لم تألفه وتأنفه بسالة روحك .
رحلت كما احببت ، واحدا من اتباع الرسالة الفلسطينية ، التي بشرت بالخير والمحبة واتباع الحق ، رحلت مندفعا نحو اشعاعاتها المتجسدة في رجل عظيم ، تعبق في روحه روحانية العقيدة السماوية وتتملكه روحا وعقلا ، نعم لقد اكتمل رحيلك الى المدى وفردوس الخلود الابدي ، لكن رؤياك باقية ، فالموت لا يوجع الموتى بل يوجع الاحياء ، ووجعنا باقٍ ما بقيت ذكراك ، وملوحة الدمعة ما زالت في الحلق ، لكن العزاء انك في براري الرب الشاسعة وفي الفردوس الابدي .
omarkallab@yahoo.com
تابعو الأنباط على google news
 
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الأنباط © 2010 - 2021
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الأنباط )