اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
أبجدية النجاة: حين يتحول الألم إلى سؤال هل موقعك بين النجوم… أم بين الكواكب… أم في قلب المجرّات؟ الملك يعلن توقيع اتفاقية تعاون دفاعي مع فرنسا 14.1 % ارتفاع حوالات العاملين الواردة إلى الأردن لتبلغ 3 مليار دولار خلال 7 أشهر بالشراكة مع قادرون: أورنج الأردن تطلق برنامج تدريبي لتمكين الشباب من ذوي الإعاقة للعام الثاني على التوالي تجارة عمان تبحث تعزيز التعاون الاقتصادي مع سوريا الملك يصل إلى مقر انعقاد اجتماعات العقبة في باريس بشأن سبل دعم الجيش اللبناني تخريج فتيات وسيدات (حكيمات المياه) من الصم والبكم في السلط حل مجالس الغرف التجاريه اعتبارا من 27 أيلول تمهيدا لاجراء الانتخابات الحسين والضاد حتى نجران المعرفة الأردن يختتم مشاركته في معرض توب ريزا 2026 ويعزز من حضوره في السوق الفرنسي جنى الحرباوي من عمان الأهلية تحصد المركز الثاني عالمياً في مبادرة دولية للسرد البصري عمان الأهلية تشارك في فعالية متخصصة حول استدامة نخيل التمر في الأردن بيان صحفي صادر عن الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن بمناسبة اليوم الدولي للمساواة في الأجر مجلس الوزراء يقرر تجديد تعيين الدكتور عادل الشركس محافظا للبنك المركزي لمدة خمس سنوات إسرائيل تسرّع إجراءات طرح 2167 وحدة استيطانية في مشروع E1 الحكومة تُقر مشروعات قوانين وأنظمة تتعلق بالناقل الوطني والطاقة والمزارعين اجواء معتدلة حتى الأحد الاتحاد الأوروبي يقرر حظر وسائل التواصل للأطفال دون 13 عاما لماذا يعطس الرجال بصوت مرتفع ومفزع؟ العلم يجيب

"... أفيون الشعوب! "

 أفيون الشعوب
الأنباط -
عبارة انتُزعت من سياق النص والتاريخ، لينالها ما نالها من اجتزاء وتحريف وتشويه، مع أنها تشير إلى عكس ما استقر في أذهان الكثيرين بشأنها.
وردت العبارة المظلومة "الدين أفيون الشعب" وليس الشعوب، كما سنرى بعد قليل، في دراسة نقدية لفلسفة الحق الهيجلية، كتبها كارل ماركس في كانون الأول عام 1843 ونُشرت في شباط 1844. وقد جاءت ضمن الفقرة التالية :"المعاناة الدينية، هي في الوقت ذاته تعبر عن المعاناة الفعلية، واحتجاج ضد هذه المعاناة، فالدين تنهيدة الكائن المقهور، وقلب لعالم بلا قلب، وروح لعالم بلا روح، الدين أفيون الشعب".
هنا، الحديث عن الدين "كفداء وخلاص"، بمعنى تأكيد دور الدين في تسكين آلام المقهورين، المتسببة عن شظف العيش وقسوة الحرمان والفقر.
في سياقها التاريخي، قيلت العبارة أثناء حرب الفلاحين في ألمانيا، وظهور اللوثرية في مواجهة الكاثوليكية والتزام البابوات مع الاقطاع. كان استخدام الأفيون شائعا آنذاك، وخاصة من قِبَل الفقراء، لرخص أسعاره ولتهدئة آلامهم بالهروب من هموم الواقع ولو لبضع ساعات. ظلت الأحوال على هذا المنوال، حتى أدرك الوعي العام لاحقا التبعات المدمرة على صحة الإنسان نتيجة استخدام هذه المادة.
اذن، الشعب المعني في عبارة "الدين أفيون الشعب" هو الشعب الألماني، في مرحلة تاريخية محددة. وعليه، يمكن أن نضيف إلى معنى العبارة، بناء على سياقها التاريخي، أن الدين يلعب دورا مزدوجا. فهو مُسكّن لآلام المقهورين المعذبين في الأرض من جهة، وحركة احتجاج من جهة ثانية. لا إنكار للدين هنا، بل تأكيد على كونه الملاذ الأخير للمضطهدين والمستغلين(فتح الغين) في عالم الرأسمالية.
تأسيسا على ما تقدم، نرى أنه على قراءة العبارة في سياقيها النصي والتاريخي، يستقيم المعنى ويتراءى المغزى، ومبناهما أن الإنسان المقهور يلجأ إلى الدين، ينشد فيه الخلاص من قسوة ظروف الواقع، ومن عالم قاس بلا قلب وبلا روح. ومما يحسن ملاحظته في هذا الباب، التشابه في الجوهر بين ما ذهب اليه ماركس وما قال به عبدالرحمن الكواكبي :"إن أسير الاستبداد المعذب، المنتسب إلى دين، يُسَلّي نفسه بالسعادة الأخروية" (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ص80).
لعل القاسم المشترك بين القولتين، أن الدين يخلق عالما روحيا للإنسان، يلجأ اليه من قسوة عالمه المادي. فالإنسان بخلاف الكائنات الحية كلها، يتجاوز عالمه المحسوس، لأنه يحلم ويتخيل ويتمنى بلوغ عالم المثال، مطلق العدل والكمال. عالم متخيل، وخاصة بالنسبة للبائسين المحرومين، يعقدون عليه الأمل بالخلاص وبالتعويض عن الحرمان في الدنيا. والذي نراه، أن القراءة العلمية المتأنية لانتشار ما يُعرف بالتدين الشعبي في الأرياف العربية وفي أحياء الفقراء والمفقرين والمحرومين، لا بد ستؤكد صحة المعنى المومأ اليه قبل قليل.
اذن، كان مطلوبا انتزاع عبارة "الدين أفيون الشعب" من سياقيها النصي والتاريخي، وحرفها عن معناها الأصلي بالاجتزاء والتشويه. فهناك قوى، صاحبة مصلحة بتغييب المعنى المجازي لصالح القراءة الحرفية، بعيدا عن السياق. أما الهدف المبتغى، فقد كان وما يزال توظيف الدين في شيطنة الفكر الماركسي، وبخاصة خلال مرحلة الحرب الباردة بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي. كان مطلوبا بحد ذاته، أن تستقر العبارة في الأذهان على النحو المشوه المعروف "الدين أفيون الشعوب". فالعبارة على هذا النحو، محملة بما يكفي من دلالات تختزل الفكر الماركسي بمعاداة الدين. وكما هو معروف، فإن أسهل الطرق لصرف الناس عن شخص أو اتجاه فكري، في مجتمعات متدينة، هو الطعن في دينه. وعليه، لم يعد صعبا تحديد المستفيدين من هذا التحريف والتشويه، في بيئاتنا العربية. إنها القوى، صاحبة المصلحة في تزييف وعي الإنسان العربي، وبرمجته على اجترار ما يتلقّنه وما يُلقى في روعه، من دون تبصر وتفكر، لتسهيل السيطرة عليه والتحكم به. الظلاميون حراس التخلف، وبموازاتهم القوى المرتبطة مصالحها بالتبعية، بائنون بأفاعيلهم في التعمية والتضليل، كما الشمس على كف الضحى.
أما وأن الناس يتقدمون بافكارهم وليس بأديانهم، كما يعلمنا التاريخ، فلا أظننا نجافي الحقيقة اذا قلنا إن تضليل الناس وتزييف وعيهم، هما أفيون الشعوب الحقيقي.

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير