البث المباشر
اليمن تعزي الأردن باستشهاد أحد منتسبي الأمن العام البرلمان العربي يؤكد تضامنه الكامل ووقوفه إلى جانب الأردن بمواجهة الإرهاب والتطرف البنك العربي الإسلامي الدولي ينظم جلسة توعوية حول سرطان الثدي برعاية دولة الدكتور عبدالله النسور.. افتتاح مؤتمر التأمين الصحي العربي 2026 في البحر الميت بمشاركة أكثر من 220 مشاركاً المجموعة المتكاملة للتكنولوجيا (ITG) تستعرض حلولها التقنية في قمة" STEM 2026" خذلوك المتفرجون يا جواد... بسام احمد محمد خريسات (ابو طارق) في ذمة الله لم أقرأ خطاب العرش بالكلمات وحدها قرأت الأردن في عيون الملك ورسائله البنك الإسلامي الأردني يحصد جائزة أفضل بنك إسلامي في الأردن لعام 2026 1.328 مليار دينار صادرات تجارة عمان خلال 10 أشهر من عام 2026 الأشغال: جسر الرامة المؤقت مصمم لمرور السيول من عباراته أو فوقه فراس وجواد… حكاية وطن بين البطولة والتضحية. من حلم الطفولة إلى تحدي الأسطورة.. «تايسون الأردن» يدعو مايك تايسون إلى لقاء في العقبة جمعية جذور لحقوق المواطن من الفكرة إلى العنف: قراءة نفسية في السلوك الإرهابي ؟ مندوباً عن رئيس الوزراء وزير الصناعة والتجارة يرعى انطلاق المؤتمر العلمي المهني الدولي لجمعية المحاسبين القانونيين اتحاد الناشرين الأردنيين يستنكر العمل الاجرامي الذي أسفر عن استشهاد العريف السلايطة رواية "صفر واحد: العابرون إلى ألفا" رحلة سبعة عشر كاتبا أردنيا الملك ومعركة الفضاء الآمن " موجة إرهاب تشرينية "

لم أقرأ خطاب العرش بالكلمات وحدها قرأت الأردن في عيون الملك ورسائله

لم أقرأ خطاب العرش بالكلمات وحدها قرأت الأردن في عيون الملك ورسائله
الأنباط -

ولاء فخري العطابي

هناك خطابات نستمع إليها، وهناك خطابات نتوقف عندها طويلًا، وخطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، كان بالنسبة لي من تلك الخطابات التي لا تقف عند حدود السياسة، ولا تنحصر في قراءة المواقف الرسمية، بل تفتح أمامك أبوابًا كثيرة للتأمل في الوطن وقيادته وشعبه ومستقبله.

ومن قلب العمل في مكتبي ومن خلف الشاشة، تابعت خطاب العرش السامي، لم أكن أتوقف عند كل محور باعتباره تصريحًا ملكيًا فحسب، بل كنت أحاول أن أقرأ ما وراء الكلمات؛ فثمة رسائل تتعلق بسيادة الأردن وأمنه، وأخرى تمس حياة كل مواطن، وثالثة تضع المسؤول أمام مسؤوليته، ورابعة تستحضر تاريخ الدولة الأردنية ومسيرة الهاشميين، وتفتح نافذة على المستقبل.

ما استوقفني أن جلالة الملك لم يتحدث عن الأردن بوصفه دولة تواجه تحديات إقليمية ودولية فقط، بل تحدث عنه باعتباره بيتًا كبيرًا مُحبًا ومُخلصًا، له أهله وعشيرته، وله رجاله الذين يحمونه، وله مبادئ لا يتخلى عنها، وله كرامة وسيادة لا تقبلان المساومة، وهنا تحديدًا شعرت أن الخطاب لم يكن موجهًا إلى مجلس الأمة وحده، بل إلى كل أردني، في موقعه ومسؤوليته ومكانه، وإلى كل من يعنيه هذا الوطن.

من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية واهم ثلاث مرات، ولكن برسالة واحدة لا تحتمل التأويل، وربما كانت أكثر اللحظات التي استوقفتني في خطاب جلالة الملك، لم تكن كلمة (واهم) فحسب؛ بل جاءت ثلاث مرات متتالية، في ثلاث رسائل تختصر موقفًا واضحًا وحاسمًا، "من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية واهم" ، "ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة واهم" ، "ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه أيضًا واهم" نعم ؛ فالشرعية لا تُنتزع بالقوة، والحقيقة لا تموت مهما طال الزمن، ومبادئ الأردنيين ليست موقفًا قابلًا للتغيير وفق الظروف والمصالح.

أقرأ في هذه الجمل والكلمات ثقة قائد يعرف تاريخ بلده، ويعرف طبيعة شعبه، ويدرك أن الأردن لم يكن يومًا ممن يبدّلون مواقفهم تحت الضغط، أو يتخلون عن ثوابتهم عندما تشتد التحديات، وما يلفتني أن جلالة الملك اختار كلمات قليلة، لكنها تحمل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من أحداث وتحديات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي بقيت حاضرة في الموقف الأردني، قيادةً وشعبًا.

وأيضًا توقفت كثيرًا عند قول جلالة الملك: "شعبي العزيز، أنتم سندي وعزوتي وأهلي وعشيرتي" وبالنسبة لي، هي من أكثر العبارات التي تكشف طبيعة العلاقة بين جلالة الملك والأردنيين؛ فالملك هنا يتحدث بلغة الأب والقائد، بلغة الإنسان الذي يرى في شعبه أهله وسنده وعشيرته، ويضعهم في مكانة قريبة من وجدانه، وأجمل ما في هذه العبارة أنها لا تتحدث عن قوة الملك بمعزل عن شعبه، بل تربط قوة المسيرة الأردنية بهذا السند الشعبي، وبهذه الأرض التي وصفها جلالته بأنها مُباركة؛ فالأردن أمانة يحملها الجميع، وكل أردني له نصيب من مسؤولية الحفاظ عليها.


واستوقفني قول جلالة الملك إنه لا مكان لمن يظن أن الوظيفة العامة تشريف يرفعه عن العمل أو خدمة الناس، وأعتقد أن هذه العبارة تستحق أن تُعلّق أمام كل مكتب مسؤول، لا أن تُقرأ مرة واحدة ثم تُنسى، فكم من مسؤول قد ينسى، مع مرور الوقت، أن المنصب الذي يشغله لم يُمنح له ليبتعد عن الناس، بل ليكون أقرب إليهم؟ وكم من موظف قد يتعامل مع المراجع وكأن المواطن جاء ليطلب منه معروفًا، لا ليحصل على حقه وخدمة من واجب المؤسسة تقديمها؟ فالوظيفة العامة ليست بابًا للوجاهة، ولا وسيلة للتميز على الناس، ولا مبررًا للتعالي عليهم، والمسؤولية الحقيقية أن تكون يدًا تسند، وأذنًا تسمع، وعقلًا يبحث عن الحل، وأن تشعر أن المواطن الذي يقف أمامك ليس رقمًا في معاملة، بل إنسان له وقت واحتياجات وحقوق، وأن تصل إلى موقع متقدم في عملك لا يعني أن تترفع عن الناس، بل يعني أن تتضاعف مسؤوليتك تجاههم.

وأنا أرى أن هذه الرسالة من أكثر رسائل الخطاب أهمية؛ لأنها لا تخص مسؤولًا بعينه، ولا مؤسسة واحدة، بل تمتد إلى كل موقع عام، وإلى كل شخص يتولى أمانة خدمة الأردنيين؛ فالهيبة الحقيقية للمسؤول لا تأتي من منصبه، بل من احترام الناس له، ومن أثر عمله في حياتهم.

ولأنني أؤمن أن قراءة المشهد الإعلامي لا تقتصر على ما يُقال، بل تشمل أيضًا ما يظهر في الصورة، فقد لفتتني تفاصيل الحضور الملكي، فسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بالزي العسكري لسلاح الجو الملكي الأردني، وجلالة الملكة رانيا العبدالله بالمدرقة الكركية، تفاصيل تستحق التوقف عندها؛ فالزي العسكري يرتبط بمسيرة ولي العهد وخدمته في سلاح الجو الملكي، والمدرقة الكركية تحضر بما تحمله من رمزية تراثية أردنية، ومن ارتباط بذاكرة المكان والهوية.

ما أجمل أن تكون الهوية حاضرة في التفاصيل، وأن تبقى مؤسسات الوطن وتراثه جزءًا من المشهد الوطني، فالأردن ليس فقط ما نراه في الخرائط، بل ما نحمله من إرث وتاريخ وعادات وقيم، وما نعتز به من جيش ومؤسسات ورموز وطنية.

وعندما قال جلالة الملك: "كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي" اتجهت الأنظار إلى الحسين، هنا شعرت أن الحديث انتقل من استحضار الماضي إلى التأمل في المستقبل، نعم فالأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ليس مجرد اسم يرد في خطاب ملكي، بل يمثل جيلًا أردنيًا جديدًا تتعلق به آمال وطموحات، وينظر إليه الأردنيون بوصفه امتدادًا لمسيرة الدولة والنهج الهاشمي، وما يلفتني في شخصية سموه ذلك المزيج الذي نراه بين الهيبة والتواضع، وبين الحضور والإنسانية، وبين الانتماء إلى مؤسسة عسكرية عريقة والانفتاح على الشباب وأفكارهم وطموحاتهم، تشعر أن أمامك شابًا يدرك أن المستقبل لا يُبنى بالألقاب، بل بالعمل والقرب من الناس وفهم احتياجاتهم، وبالقدرة على تحمل المسؤولية.

وفي شخصيته نرى امتدادًا لإرث جده المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، ذلك القائد الذي ارتبط اسمه ببناء الأردن وترسيخ حضوره، ونرى أثر والده جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي حمل مسؤولية تعزيز الدولة وتحديث مؤسساتها والدفاع عن ثوابتها، كما لا يمكن إغفال أثر جلالة الملكة رانيا العبدالله، بما تمثله من اهتمام بالإنسان والتعليم والطفولة والعمل الإنساني.

وفي النهاية..

خرجت من خطاب العرش وأنا أفكر في أن الأردن الذي تحدث عنه جلالة الملك هو الأردن الذي نريده جميعًا؛ وطنًا قويًا بسيادته، آمنًا بجيشه، عادلًا بقانونه، قريبًا من مواطنيه، ومؤمنًا بمستقبل أبنائه.

وطنًا لا يكون فيه المنصب أعلى من الإنسان، ولا تكون فيه الخدمة العامة بعيدة عن الناس، ولا تكون فيه كرامة المواطن أمرًا ثانويًا.

وإذا كان جلالة الملك قد خاطب الأردنيين بقوله إنهم سنده وعزّوته وأهله وعشيرته، فإن هذه الكلمات تحمل في المقابل مسؤولية علينا جميعًا بأن نكون فعلًا سندًا لهذا الوطن.

فالأردن الذي نعتز به ليس مجرد وطن نحمل جنسيته، بل أمانة نحملها في ضمائرنا، ومسؤولية نترجمها في أعمالنا، وبيت كبير لا يليق بنا إلا أن نحافظ عليه.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمير الحسين، وأدام على وطننا أمنه واستقراره وعزته، وحمى جيشه العربي وأجهزته الأمنية، وأبقى رايته عالية.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير