البث المباشر
اليمن تعزي الأردن باستشهاد أحد منتسبي الأمن العام البرلمان العربي يؤكد تضامنه الكامل ووقوفه إلى جانب الأردن بمواجهة الإرهاب والتطرف البنك العربي الإسلامي الدولي ينظم جلسة توعوية حول سرطان الثدي برعاية دولة الدكتور عبدالله النسور.. افتتاح مؤتمر التأمين الصحي العربي 2026 في البحر الميت بمشاركة أكثر من 220 مشاركاً المجموعة المتكاملة للتكنولوجيا (ITG) تستعرض حلولها التقنية في قمة" STEM 2026" خذلوك المتفرجون يا جواد... بسام احمد محمد خريسات (ابو طارق) في ذمة الله لم أقرأ خطاب العرش بالكلمات وحدها قرأت الأردن في عيون الملك ورسائله البنك الإسلامي الأردني يحصد جائزة أفضل بنك إسلامي في الأردن لعام 2026 1.328 مليار دينار صادرات تجارة عمان خلال 10 أشهر من عام 2026 الأشغال: جسر الرامة المؤقت مصمم لمرور السيول من عباراته أو فوقه فراس وجواد… حكاية وطن بين البطولة والتضحية. من حلم الطفولة إلى تحدي الأسطورة.. «تايسون الأردن» يدعو مايك تايسون إلى لقاء في العقبة جمعية جذور لحقوق المواطن من الفكرة إلى العنف: قراءة نفسية في السلوك الإرهابي ؟ مندوباً عن رئيس الوزراء وزير الصناعة والتجارة يرعى انطلاق المؤتمر العلمي المهني الدولي لجمعية المحاسبين القانونيين اتحاد الناشرين الأردنيين يستنكر العمل الاجرامي الذي أسفر عن استشهاد العريف السلايطة رواية "صفر واحد: العابرون إلى ألفا" رحلة سبعة عشر كاتبا أردنيا الملك ومعركة الفضاء الآمن " موجة إرهاب تشرينية "

فراس وجواد… حكاية وطن بين البطولة والتضحية.

فراس وجواد… حكاية وطن بين البطولة والتضحية
الأنباط -
ليست كل الأحداث التي تمر على الأوطان مجرد أخبار تنتهي بانتهاء يومها. فبعض الأحداث تترك خلفها أسئلة أكبر من تفاصيل الحادثة نفسها وتضع المجتمع أمام مسؤولية لا يجوز تجاهلها.
ما شهدته العاصمة الأردنية من اعتداء إرهابي أسفر عن استشهاد العريف جواد السلايطة وإصابة الملازم فراس العنّانزة ليس مجرد حادث أمني عابر. بل هو موقف يستحق أن نتوقف عنده طويلاً ليس فقط لنستذكر شهيد الوطن ونحيي شجاعة رجل الأمن الذي واجه الخطر بل لنسأل أنفسنا عن مستوى الوعي الذي نملكه كمجتمع وعن مسؤوليتنا في حماية وطننا من كل فكر متطرف وكل خطر قد يتسلل إلى حياتنا من حيث لا نتوقع.
الإرهاب لا يبدأ دائماً من لحظة وقوع الجريمة. أحياناً تبدأ حكايته من فكرة متطرفة تجد من يحتضنها ومن بيئة تسمح لها بالنمو ومن مجتمع لا ينتبه إلى ما يدور حوله. ولذلك فإن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها بل تبدأ من الوعي والتربية والانتباه وبناء مجتمع يعرف أن أمنه مسؤولية مشتركة.
وهنا لا بد من التوقف أمام قضية تستحق أن تكون على طاولة الجهات المعنية وهي انتشار البيوت المهجورة والمباني القديمة والعقارات المغلقة في مناطق مختلفة من الأردن. هناك بيوت لا يسكنها أحد منذ سنوات ومبانٍ متروكة لا يعرف الجيران ما إذا كانت مستخدمة أم مهجورة وعقارات تعود ملكيتها لأشخاص يقيمون خارج البلاد ولا توجد متابعة واضحة لأوضاعها.
أليس من الضروري أن تكون لدينا قاعدة بيانات محدثة لهذه العقارات؟ أليس من حق المجتمع أن يشعر بأن كل مكان مهجور أو مغلق يخضع للمتابعة والتفقد وفق إجراءات قانونية واضحة؟
نحن بحاجة إلى حصر هذه المباني ومعرفة أوضاعها والتحقق من سلامتها والتواصل مع أصحابها ووضع آلية للتفقد والمراقبة الدورية بالتنسيق بين البلديات والجهات الأمنية والجهات المختصة. فالمسألة ليست تشكيكاً بأصحاب العقارات ولا انتهاكاً لخصوصيتهم بل إجراء وقائي يحمي المجتمع ويمنع استغلال الأماكن المهجورة أو غير المأهولة في أي نشاط مخالف للقانون.
الأمن الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع الخطر بل يبدأ من سد الثغرات التي قد تسمح بحدوثه. ولا ينبغي أن تبقى هناك أماكن مجهولة لا يعرف أحد طبيعة استخدامها أو ما يجري فيها.
لكن الوعي الأمني لا يتعلق بالمباني والأماكن فقط بل يتعلق أيضاً بسلوك المجتمع وطريقة تعامله مع الأحداث. وهنا يبرز سؤال مؤلم عن ثقافة المشاهدة التي أصبحت حاضرة في بعض المواقف. أن يقف الإنسان أمام مشهد خطر أو اعتداء ويكتفي بالمشاهدة والتصوير دون أن يفكر في كيفية طلب المساعدة أو تنبيه الجهات المختصة هو أمر يستحق أن نتوقف عنده ونعيد النظر في ثقافتنا المجتمعية.
لا أقول إن على كل مواطن أن يواجه شخصاً مسلحاً أو أن يعرض حياته للخطر فهذه مسؤولية الجهات الأمنية المدربة والمختصة. لكن هناك فرقاً بين عدم القدرة على المواجهة وبين اللامبالاة. هناك فرق بين الخوف الطبيعي الذي قد يصيب الإنسان في لحظة صادمة وبين أن يتحول الألم أمامنا إلى مشهد نتفرج عليه ونوثقه بهواتفنا.
إن أقل ما يمكن أن يقدمه المواطن في مثل هذه الظروف هو طلب النجدة وإبلاغ الجهات الأمنية ومساعدة المصابين عندما يكون ذلك آمناً والابتعاد عن تداول الصور والمقاطع التي قد تعرقل عمل الأجهزة المختصة أو تزيد من معاناة عائلات الضحايا.
وهنا لا بد من التأكيد أن الرجولة ليست في استعراض القوة ولا في إطلاق الشعارات بل في الموقف الذي يكشف حقيقة الإنسان عندما يجد نفسه أمام مسؤولية لا تحتمل التردد.
لقد قدم الملازم فراس العنّانزة صورة تستحق أن تبقى في ذاكرة الأردنيين. فقد شاهد الاعتداء على زميله جواد السلايطة فانطلق لمواجهة المعتدي وتمكن من تحييده ومنعه من استكمال اعتدائه رغم تعرضه للإصابة.
ذلك الموقف لم يكن مجرد استجابة لواجب وظيفي بل كان صورة من صور النخوة الأردنية التي تربينا عليها. نخوة لا تنتظر مقابلاً ولا تبحث عن تصفيق بل تظهر عندما يحتاج الموقف إلى رجل يتقدم ولا يتراجع.
فراس جسّد معنى الرجولة بالفعل لا بالكلام. جسّد شهامة الرجل الذي لم يقف متفرجاً على زميله وهو يواجه الخطر بل بادر إلى نجدته وتحمل مسؤولية الموقف في لحظة فارقة.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن بطولة فراس لم تكن منفصلة عن معنى الوفاء لرفيق السلاح. فهناك روابط لا تصنعها الكلمات بل تصنعها الأيام والتدريبات والمواقف وتقاسم المسؤولية. وعندما يأتي الاختبار الحقيقي تظهر معادن الرجال.
أما جواد السلايطة فسيبقى اسمه حاضراً في ذاكرة الوطن. لم يكن مجرد رجل أمن يؤدي واجبه ثم غاب عن المشهد بل كان إنساناً له عائلة وأحبة وأحلام وحياة تنتظره. خرج لأداء واجبه فعاد إلى أهله شهيداً.
رحل جواد وبقيت خلفه عائلة ستفتقد صوته ووجوده وتفاصيله الصغيرة. وهذه هي الوجه الإنساني الأكثر إيلاماً في كل حكاية شهيد. فالوطن يعتز بتضحيات أبنائه لكن هناك قلوباً ستظل تحمل وجع الغياب إلى آخر العمر.
رحم الله الشهيد جواد السلايطة وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان. وحمى الله الملازم فراس العنّانزة ومنحه الشفاء والعافية ليعود إلى أهله سالماً.
إن ما حدث يجب ألا ينتهي عند حدود التعاطف والحزن والمنشورات التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي ثم تختفي مع أول خبر جديد. نحن بحاجة إلى أن نحول هذه اللحظة إلى فرصة لمراجعة حقيقية لوعينا ومسؤوليتنا.
نحتاج إلى أسرة تراقب ما يتشكل في عقول أبنائها دون أن تتحول إلى مصدر خوف أو اتهام. ونحتاج إلى مدرسة وجامعة تعززان قيم التسامح والانتماء وترفضان الفكر المتطرف. ونحتاج إلى إعلام مسؤول لا يكتفي بنقل الحدث بل يساهم في بناء الوعي. ونحتاج إلى مواطن يعرف أن الإبلاغ عن أي أمر يثير الشبهة مسؤولية وطنية وليس تدخلاً في شؤون الآخرين.
كما نحتاج إلى تعاون حقيقي بين المواطن والأجهزة الأمنية والبلديات والجهات المعنية بالعقارات حتى لا تبقى البيوت المهجورة والمباني القديمة والأماكن المغلقة خارج دائرة الاهتمام والمتابعة.
فالأردن ليس مجرد حدود وأجهزة ومؤسسات. الأردن مجتمع وبيوت وأحياء وأطفال وعائلات تبحث عن الطمأنينة. وكل مواطن يعيش على هذه الأرض له دور في الحفاظ على هذه الطمأنينة.
إن الإرهاب يريد أن يزرع الخوف وأن يجعل الناس تشك ببعضها وأن يحول المجتمع إلى أفراد منفصلين لا يشعر أحدهم بمسؤولية تجاه الآخر. ومواجهته الحقيقية تكون بمجتمع متماسك وواعٍ ومؤمن بأن الاختلاف لا يبرر الكراهية وأن التطرف لا يمكن أن يجد له مكاناً بين أبناء الوطن الواحد.
فراس وجواد ليسا مجرد اسمين ارتبطا بحادثة أمنية. هما حكاية وطن فيها شجاعة رجل تقدم لمواجهة الخطر وتضحية رجل ارتقى وهو يؤدي واجبه. وبين البطولة والتضحية تبقى أمامنا مسؤولية أكبر وهي أن نكون مجتمعاً يستحق هذه التضحيات.
فهل ننتظر في كل مرة بطلاً يتدخل في اللحظة الأخيرة حتى ندرك قيمة الوعي؟ وهل نحتاج إلى أن نفقد إنساناً حتى نشعر أن حماية المجتمع تبدأ من مسؤولية كل واحد منا؟
الأوطان لا يحميها الأبطال وحدهم رغم عظمة تضحياتهم. بل يحميها أيضاً وعي الناس وانتباههم وتعاونهم وشعورهم بأن هذا الوطن بيتهم جميعاً.
حفظ الله الأردن وأدام عليه نعمة الأمن والأمان ورحم شهداءه وحمى نشامى أجهزته الأمنية وجعل هذا الوطن عصياً على الإرهاب وكل من يحاول المساس بأمنه واستقراره.
نور الكوري
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير