الأنباط -
سرد يتجاوز الحكي
سليم النجار
إذا كانت الرواية السيرية إعادة إنتاج للرؤية السردية التي تتجاوز السيرة في مفاصلها الرئيسية من خلال الراوي، الذي عادةً ما يكون البطل الأول للحكاية، التي تكون تأريخًا لحياة البطل، فمن خلال تعليقات الراوي على الأحداث تتشكل أجزاء متناثرة في بعض الأحيان، وتارةً أخرى تتماسك لربط الحكاية بالفكرة المراد توصيلها للمتلقي.
في «ضاربة الودع» للدكتور محمد الزرعيني، الصادرعن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، 2026، تظل وظيفة التنوع في الحكاية هي البوصلة للنص السردي، من خلال تركيب متعاقب لا يؤثر في التراتبية للحكاية، على مستوى الخطاب، وعلى مستوى الصيغة السردية.
د. الزرعيني، في السيرة، كتب نصًا داخليًا تعدديًا تتبدل فيه الرؤية حسب الظرف الحياتي، لكن هذا التبدل جزئي، يربطه خط مستقيم هو الناظم للحكاية: «قد اختُطف من قبل المقاتلين من أجل الحرية» (ص 17). هذا التجاور بين الحرية والمطلب الحياتي هو القصة الداخلية التي تشكل تنقلات بين الجغرافيا، دون المساس بأصل الحكاية المفرزة للأحداث على تنوعها، ويتم هذا في خط سردي تصاعدي: «كان جورج السادس ملك بريطانيا العظمى، وتلقائيًا حاكمًا على جميع المستعمرات. كنّا نفرح دائمًا عندما يحين عيد ميلاده» (ص 31).
إنه التعدد على صعيد الحكاية التي تتنوع في أحداثها، فهذه الحكاية تنفتح على قصة الضمير الحي الذي يتجانس مع الصيغة، وفي ذات الوقت تتقاطع الحكاية مع السرد، لتفكيك الحكاية على خارطة الحياة الإنسانية لبطل الحكاية، الذي نجده في الحياة اليومية لمئات الأشخاص. فالأنا هنا غائبة في السرد؛ لأنها تحكي عن كل إنسان مرّ بنفس التجربة: «واصلنا المسير والمسافة بدت بلا نهاية، كان العطش لا يطاق، وأقدامنا تحترق» (ص 39).
هذا التصوير لا يخضع لفردانية واحدة، بل هنا يتكلم الراوي عن الجموع، والسؤال: هل أحلام هذه الجموع واحدة؟ أم لكل واحد أحلامه الخاصة به؟ ومن هنا تكمن أهمية الراوي السارد الذي يحكي بصيغة الجميع، مع عدم نسيان أن لكل حالة من هذه الجموع خصوصيتها: «في صباح يوم السبت، كنت أول من وصل إلى المدرسة، كنت متحمسًا وأحمل في يدي رسالة والدي» (ص 57).
إن ما يضبط هذا التنوع والتعدد هو شكل الحكاية المحكية، ويمكن القول إن هذا الشكل جديد إلى حد ما؛ لأنه لا يمكن تجاوز الشكل التقليدي للحكاية، التي تشتعل تارةً بالأحداث وتخفت تارةً أخرى، وفي جميع الأحوال تبقى الحكاية غير منفصلة عن الخط العام للسارد: «عندما كانت تمطر، يصبح الرمل أكثر تماسكًا، وتصبح الجولات أكثر متعة» (ص 75).
وعندما يعلن الراوي اختفاءه لصالح الحكاية، فإن ذلك يجعل السرد يكتفي بالحكي المباشر، سواء في صيغة العرض المباشر، أو حين يتحدث عن أحلام الراوي: «وبعد الحرب، اكتشفنا أنّه كان في صحراء العلمين ينتظر رومل (ثعلب الصحراء)» (ص 99).
قد يبدو أن تعدد الأحداث لا يصنع حكاية واحدة، وهذا القول قد يصح إذا ما نظرنا إلى تلك الأحداث منفصلةً، لا يربطها رابط. أما إذا تأملنا تلك الأحداث التي تُكتب بصيغة الأنا الساردة، فإننا نكتشف بكل سهولة أن الحدث واحد، وليست مجموعة أحداث.
خاصةً إذا تجاوز المتلقي فكرة الإثارة والالتباس، عن طريق المقارنة بين حدث وآخر: «لم يُسمح لي بالسؤال عن هذا الموضوع، حيث كان من المتوقع ألّا يتحدث موظف بسيط» (ص 108).
يرتبط الحكي بالشفوي لدى المتلقي، وهو ما يسمح للسرد بفتح آفاق واسعة للخيال، بعيدًا عن أي قيود. كما أن هذا السرد لا يتقيد بالحكاية التقليدية، وإن وظّف بعض خصائصها، لكن هذا التوظيف مقتصر على التوضيح: «وفي أواخر يوليو 1961، غادرت السعودية وأنا مدرك أنني أبدًا» (ص 132).
ما يميز هذه السيرة أنها غير منغلقة على حدث واحد، أو حكاية واحدة. إن تعدد النصوص في الحدث الواحد جعل الراوي يحمل صفة واحدة، هي أنه صاحب الحكاية: «بقينا يومًا آخر، وعند العودة وفي الحدود، تم تفتيش السيارة بدقة أكثر مما كان عند الدخول» (ص 146).
في هذا السياق الحكائي، تتوالد الكلمات التي تعبّر عن معاناة الراوي، الذي بدا واضحًا أنه لا يسعى إلى فتح جروح أصبحت مزمنة، لكنه أراد تسجيل حياة من فقد أرضه، دون ذكر ذلك بشكل جلي وواضح. كما أنه، أي الراوي، لم يسعَ إلى تسجيل مواقف محددة، لكن هذه المواقف أخذت طابعًا إنسانيًا: «لا يزال هناك الكثير لتعمله، نحن سعداء، أشكر الله، وأشكرك يا ربيخة، على الأمل الذي أشعلته في داخلي سابقًا» (ص 211).
في هذه السيرة، «ضاربة الودع» للكاتب د. محمد الزرعيني، تتجلى أحداث النص السيري في علاقة متماسكة بين الأحداث، لذا شكّلت السيرة صورة الإنسان أينما كان، وفي أي زمان عاش. إنها حكاية الخليقة، بغض النظر عن الجنس والدين واللون والعقيدة.