الأنباط -
توجيه ملكي يعيد ترتيب الأولويات واستراتيجية وطنية موحدة
الأنباط – ميناس بني ياسين
في وقت تتسارع فيه تداعيات التغير المناخي وتتزايد كلفة مواجهتها على المياه والغذاء والاقتصاد والمجتمعات، وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني الحكومة إلى إعداد استراتيجية وطنية شاملة وموحدة لتمويل المناخ بالتعاون مع القطاع الخاص، في خطوة تضع التمويل في صلب الاستجابة الأردنية للتغير المناخي، وتفتح الباب أمام بناء منظومة أكثر قدرة على تعبئة الموارد المحلية والدولية وتمويل مشروعات التكيف والتخفيف.
ويأتي التوجيه الملكي في وقت لم تعد فيه آثار التغير المناخي تحذيرات مستقبلية، بل واقعًا يفرض ضغوطًا متزايدة على الدول، بالتزامن مع اقتراب مؤتمر الأطراف للمناخ COP31، وتصاعد الحاجة عالميًا إلى تحويل التعهدات المناخية إلى تدفقات مالية فعلية وبينما تتجه الدول إلى رفع طموحاتها المناخية، يقف الأردن أمام معادلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في ارتفاع هشاشته أمام آثار تغير المناخ، مقابل محدودية موارده واتساع احتياجاته التمويلية لتنفيذ مشروعات التكيف والتخفيف.
ويمنح هذا التوجه ملف التمويل المناخي بعدًا يتجاوز استقطاب المنح والقروض الخارجية، باتجاه بناء منظومة وطنية قادرة على تعبئة مصادر متعددة للتمويل، وربط العمل المناخي بالاستثمار والتنمية الاقتصادية، وتعزيز قدرة الأردن على تحويل التزاماته المناخية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والتمويل.
عالم أكثر سخونة.. والتمويل في قلب المعركة
وأظهرت بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية أن آب 2026 تعادل مع تموز 2023 كأشد أشهر العالم حرارة على الإطلاق، بمتوسط عالمي بلغ 16.96 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 1.65 درجة مئوية من مستوى ما قبل الثورة الصناعية، بالتزامن مع موجات حر وجفاف وحرائق وفيضانات شهدتها مناطق مختلفة من العالم.
ويشير خبراء بيئة محليون إلى أن تصاعد هذه الظواهر يؤكد أن التعامل مع تغير المناخ لم يعد مقتصرًا على خفض الانبعاثات وإنما بات يتطلب استثمارات متواصلة في التكيف وحماية الموارد والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية الأكثر تأثرًا، ما يجعل الوصول إلى التمويل المناخي تحديًا لا يقل أهمية عن وضع الخطط والسياسات المناخية نفسها.
وعلى المستوى الدولي تتجه الجهود إلى ترجمة تعهدات مؤتمرات المناخ السابقة إلى تدفقات مالية فعلية، خصوصًا بعد الاتفاق في COP29 على هدف جديد يتمثل في توفير 300 مليار دولار سنويًا للدول النامية بحلول عام 2035، إلى جانب العمل على تعبئة 1.3 تريليون دولار سنويًا من مختلف المصادر، العامة والخاصة، لتمويل العمل المناخي.
الأردن.. فجوة تمويلية وطموح مناخي
وفي الأردن تبدو الحاجة إلى التمويل أكثر وضوحًا في ظل محدودية الموارد المائية وتأثر الزراعة بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة، والحاجة إلى تعزيز قدرة المدن والبنية التحتية على مواجهة الظواهر الجوية المتطرفة.
وتشير استراتيجية التمويل الأخضر للبنك المركزي الأردني إلى فجوة تمويلية مناخية تقدر بنحو 7 مليارات دولار مرتبطة باحتياجات المملكة والتزاماتها المناخية، ما يضع تعبئة التمويل الدولي وتحفيز الاستثمار الخاص وتطوير أدوات التمويل الأخضر أمام اختبار حقيقي خلال السنوات المقبلة.
ويرى خبراء بيئة محليون أن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الأموال التي يمكن الحصول عليها، وإنما أيضًا بقدرة الأردن على إعداد مشروعات ذات جدوى وقابلة للتمويل، والوصول إلى الصناديق والمؤسسات الدولية، وتوجيه الموارد نحو القطاعات التي تجمع بين الأثر المناخي والعائد التنموي، وفي مقدمتها المياه والطاقة والزراعة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع المساهمة المحددة وطنيًا الثالثة للأردن NDC 3.0، التي تستهدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 5 بالمئة بشكل غير مشروط، وبما يصل إلى 31 بالمئة مع توفر الدعم الدولي بحلول عام 2035، بما يعكس ارتباط رفع الطموح المناخي الأردني بتوافر التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات.
المياه والزراعة.. التمويل بوابة التكيف
وتبرز المياه باعتبارها واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالمناخ في الأردن إذ حصلت المملكة على تمويل بقيمة 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لمشروع الناقل الوطني للمياه، في خطوة تعكس أهمية التمويل المناخي في تعزيز قدرة المملكة على مواجهة أحد أكثر تحدياتها إلحاحًا.
كما تتجه مشروعات التمويل المناخي في الأردن إلى دعم كفاءة استخدام المياه وإعادة استخدام المياه العادمة وحصاد مياه الأمطار وتعزيز قدرة القطاع الزراعي والمزارعين على التكيف مع آثار تغير المناخ.
ويؤكد خبراء البيئة المحليون أن الاستثمار في التكيف لم يعد خيارًا مؤجلًا خصوصًا بالنسبة للأردن، الذي يواجه أصلًا ضغوطًا مائية وغذائية واقتصادية، مشيرين إلى أن تأخير تنفيذ مشروعات التكيف قد يزيد الكلفة المستقبلية للتعامل مع آثار المناخ.
من التعهد إلى التنفيذ
ومع اقتراب COP31 تبدو الأولوية الأردنية واضحة: الانتقال من مرحلة إعلان الالتزامات إلى مرحلة تمويل تنفيذها؛ فالمملكة تمتلك استراتيجيات وأهدافًا ومشروعات، فيما يبقى التحدي في توفير الموارد اللازمة وتحويل الخطط إلى استثمارات مستدامة، وتعزيز دور القطاع الخاص إلى جانب التمويل الدولي.
وفي عالم يقترب من مستويات حرارة غير مسبوقة، لم يعد السؤال بالنسبة للأردن ماذا سيفعل لمواجهة تغير المناخ فحسب، بل كيف سيموّل هذا التحرك، ومدى سرعة وصول التمويل إلى الأرض، وقدرته على حماية المياه والزراعة والاقتصاد والمجتمع من كلفة مناخية تتزايد عامًا بعد عام.