الأنباط -
الكاتب والمحلل الأمني د. بشير الدعجه
ليست رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني... القائد الأعلى للقوات المسلحة... إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن مهندس مجدي الحراسيس... رسالة تهنئة لقائد عسكري تسلّم موقعًا جديدًا... ومن يقرأها بهذه الطريقة يفوّت أهم ما فيها... فالرسالة في جوهرها أقرب إلى تكليف استراتيجي مفتوح المدى... يحدد اتجاه المؤسسة العسكرية الأردنية في مرحلة إقليمية لا تشبه ما قبلها.
الملك وضع أمام رئيس هيئة الأركان الجديدة كلمات تبدو مختصرة... لكنها تحمل مشروعًا كاملًا... "إعادة الهيكلة"... "تطوير الإمكانيات"... "تحديث الأدوات"... "مواجهة ما يستجد من تحديات وتطورات وتهديدات"... "رفع الكفاءة والجاهزية"... ثم وضع الإنسان العسكري في قلب المعادلة... وختم بالتأكيد على بقاء القوات المسلحة درعًا حصينًا للأردن.
هذه ليست مفردات إدارية...
هذه مفردات بناء قوة.
والرسالة الأهم التي يمكن التقاطها بين السطور هي أن الأردن لا يريد أن ينتظر شكل الحرب المقبلة حتى يبدأ الاستعداد لها... وإنما يريد بناء قوات مسلحة قادرة على التعامل مع حرب لم تتشكل ملامحها كاملة بعد.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية "إعادة الهيكلة".
فالهيكلة إذا كانت مجرد إعادة توزيع للمواقع والوحدات... فإنها تبقى إجراءً إداريًا... أما إذا ارتبطت بتحديث الأدوات وتطوير القدرات ورفع الجاهزية ومواجهة التهديدات المستجدة... فإنها تتحول إلى إعادة تعريف لمفهوم القوة العسكرية نفسها.
وهذا ما يجعل التوجيه الملكي في كانون الثاني الماضي بوضع استراتيجية وخارطة طريق للتحول الهيكلي في القوات المسلحة خلال ثلاث سنوات نقطة شديدة الأهمية في قراءة الرسالة الحالية... فالمشروع ليس وليد تعيين رئيس أركان جديد... وإنما مسار تحول بدأ بالفعل... والمرحلة المقبلة هي مرحلة التنفيذ والتطوير والتقييم.
المعادلة ببساطة...
الأردن لا يريد جيشًا أكبر بالضرورة... بل جيشًا أكثر قدرة.
وهذه نقطة جوهرية في فهم الجيوش الحديثة.
القوة العسكرية لم تعد تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات والمدافع... بل بقدرة المؤسسة على اكتشاف التهديد... وتحليل المعلومات... واتخاذ القرار... والتحرك بسرعة... وحماية قواتها ومجالها الوطني... والاستمرار في العمل تحت الضغط.
الحرب الحديثة تبدأ قبل أن تبدأ المعركة...
تبدأ بالمعلومة... وبالاستطلاع... وبالإنذار المبكر... وبالقدرة على معرفة ما يحدث قبل أن يصل إلى الأرض.
ولهذا فإن عبارة الملك عن مواجهة "ما يستجد من تحديات وتطورات وتهديدات" ربما تكون من أكثر عبارات الرسالة دلالة... لأنها لا تحدد عدوًا واحدًا ولا سيناريو واحدًا... بل تترك الباب مفتوحًا أمام منظومة تهديدات متغيرة.
وهذا ليس غموضًا...
بل مرونة استراتيجية.
فالأردن محاط ببيئة إقليمية تتغير بسرعة... والتهديدات الحديثة أصبحت عابرة للأنماط التقليدية... فقد تكون تسللًا... أو تهريبًا... أو طائرات مسيّرة... أو تهديدًا للمجال الجوي... أو هجمات إلكترونية... أو حرب معلومات... أو مزيجًا من هذه الأدوات في وقت واحد.
والأرقام الأردنية تقدم دليلًا عمليًا على هذا التحول... إذ أعلنت القوات المسلحة إحباط 310 محاولات مرتبطة بطائرات مسيّرة خلال أول 197 يومًا من عام 2025... إلى جانب إحباط عمليات تهريب وتسلل واسعة.
المغزى هنا ليس الرقم وحده...
بل نوع التهديد الذي يمثله الرقم.
فالطائرة المسيّرة غيّرت معادلة الحدود... وجعلت المسافة بين التهديد والأرض أقصر... وفرضت على الجيوش تطوير قدرات الرصد والكشف والتعامل مع أهداف صغيرة وسريعة ومنخفضة الكلفة.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن أن تكون إعادة الهيكلة منفصلة عن تحديث الأدوات...
لأن أدوات الحرب تغيرت...
ومن لا يغيّر أدواته... يترك جزءًا من أمنه رهينة لأدوات الماضي.
لكن الملك لم يقع في خطأ التركيز على التكنولوجيا وحدها...
بل فعل العكس تمامًا...
وضع الإنسان العسكري في قلب عملية التطوير.
وهنا تظهر واحدة من أكثر الرسائل أهمية في الخطاب الملكي...
القوات المسلحة ليست معدات...
القوات المسلحة إنسان.
فالضابط الذي يفهم التكنولوجيا... وضابط الصف الذي يمتلك المهارة... والجندي الذي يعرف كيف يتعامل مع الموقف... والقائد الذي يستطيع اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة... هم جميعًا جزء من منظومة القوة.
ولهذا فإن بناء القدرات ليس دورة تدريبية عابرة... وإنما عملية مستمرة لإنتاج الكفاءة والاحتراف والقدرة على التكيف.
والرسالة الملكية بذلك تضع معادلة دقيقة...
تحديث السلاح دون تحديث الإنسان لا يكفي... وتطوير الإنسان دون تطوير أدواته لا يكفي... القوة الحقيقية هي الجمع بين الاثنين.
أما اختيار قائد جديد لرئاسة هيئة الأركان المشتركة يمتلك خبرة سابقة في العمل الاستخباري والعسكري... فيمنح الرسالة بعدًا إضافيًا... خصوصًا في زمن أصبحت فيه سرعة الحصول على المعلومة وتحليلها وتحويلها إلى قرار عنصرًا حاسمًا في إدارة التهديدات. وقد سبق للحراسيس أن تولى مسؤولية مديرية المخابرات العسكرية.
وهنا لا ينبغي قراءة التعيين باعتباره مجرد تغيير أسماء في قمة الهرم العسكري...
بل باعتباره انتقالًا في القيادة يأتي داخل مشروع تطوير مؤسسي أوسع...
المشروع أهم من الشخص... لكن الشخص هو الذي يملك مهمة تسريع المشروع.
أما عبارة "السمعة والهيبة"... فهي أيضًا أبعد من معناها المعنوي.
في علم الردع... الصورة التي تمتلكها المؤسسة العسكرية عن نفسها والصورة التي يكوّنها الآخرون عنها... جزء من القوة.
الجيش الذي يتمتع بالانضباط والاحتراف والجاهزية والثقة... لا يحمي الحدود فقط... بل يرفع كلفة التفكير في تهديد الدولة أصلًا.
وهنا تتحول "الهيبة" من مفهوم معنوي إلى أداة ردع.
ولهذا فإن المحافظة على سمعة القوات المسلحة الأردنية ليست قضية علاقات عامة... بل قضية أمن وطني.
فالجيش العربي الأردني يمثل واحدة من أكثر مؤسسات الدولة رسوخًا... وقوته لا تنفصل عن ثقة الأردنيين به... ولا عن الصورة التي يحملها الخصوم والشركاء عن قدرته وجاهزيته.
ومن هنا نفهم لماذا ختم الملك رسالته بالتأكيد على أن القوات المسلحة ستبقى "الدرع الحصين" للأردن.
إنها ليست جملة ختامية...
إنها البوصلة التي يجب أن تحكم كل عملية إعادة الهيكلة.
التكنولوجيا يجب أن تخدم الدفاع عن الأردن...
والتدريب يجب أن يخدم الجاهزية...
والهيكلة يجب أن تخدم سرعة القرار...
والاستخبارات يجب أن تخدم الإنذار المبكر...
والتطوير كله يجب أن ينتهي إلى نتيجة واحدة...
أردن أكثر أمنًا... وجيش أكثر قدرة على الردع.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام القيادة العسكرية الجديدة لن يكون في إصدار التعليمات... وإنما في تحويل هذه الرؤية إلى نتائج قابلة للقياس.
هل أصبح اكتشاف التهديد أسرع؟
هل أصبح القرار أكثر سرعة ودقة؟
هل ارتفعت الجاهزية؟
هل أصبحت القدرات المختلفة تعمل بصورة أكثر تكاملًا؟
هل أصبح التدريب مواكبًا للحرب الحديثة؟
هل أصبح الإنسان العسكري أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا والتهديدات الجديدة؟.
هذه هي الأسئلة التي ستحدد نجاح إعادة الهيكلة... لا عدد القرارات التنظيمية ولا عدد الشعارات التي ترفع حولها.
والأهم من كل ذلك أن الرسالة الملكية تعكس تحولًا في مفهوم الأمن العسكري نفسه...
من حماية الحدود إلى حماية المجال الوطني...
من رد الفعل إلى الاستباق...
من امتلاك السلاح إلى امتلاك منظومة القوة...
من الاستعداد لعدو معروف إلى الاستعداد لتهديد مجهول الشكل...
ومن جيش جاهز للمعركة إلى جيش قادر على منع المعركة إذا أمكن.
وهذه ربما هي أقوى قراءة للرسالة الملكية...
جلالة الملك لا يطلب من رئيس هيئة الأركان أن يدير جيشًا قائمًا فقط... بل يطلب منه أن يقود عملية انتقال نحو جيش يرى أبعد من حدود اليوم... ويستعد لتهديدات الغد قبل أن تصبح واقعًا.
لذلك فإن رسالة الملك للحراسيس ليست رسالة تسليم واستلام...
إنها رسالة عنوانها الحقيقي:
غيّروا ما يجب تغييره... طوّروا ما يجب تطويره... حافظوا على ثوابت الجيش العربي... وابنوا قوة تجعل الأردن قادرًا على مواجهة عالم تتغير فيه قواعد الحرب بسرعة.
وفي الإقليم الذي لا يمنح الدول رفاهية الانتظار... لا تكفي قوة تملك القدرة على الرد...
القوة الأكثر أهمية هي التي تجعل الخصم يفكر ألف مرة قبل أن يختبرها.
وهنا بالضبط... تبدأ فلسفة الردع الأردني الجديدة.
جيش لا ينتظر الخطر عند الباب... بل يقرأ الطريق الذي يأتي منه الخطر.
#د. بشير _الدعجه