اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
إتحاد الإعلام الرياضي يُقيم دورة "التغطية الإعلامية للرياضات الإلكترونية" فريق الرمثا... يعزز صفوفه... فهل أصبح منافساً ؟! الأردن والصين: من حكمة الاستقرار إلى شراكة تصنع المستقبل إعلان صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي رئيس مجلس مفوضي العقبه شادي المجالي يكرم أوائل الثانويه بالعقبة وزير التربية والتعليم يرعى انطلاقة مبنى «BTEC» في أكاديمية الاتفاق الدولية. توكاييف بأن كازاخستان مستعدة لتعزيز شراكتها الاستراتيجية الشاملة الأبدية مع الصين بشكل مستمر. إدارة مكافحة المخدرات تضبط شخصين على ارتباط بعصابات إقليمية بتهريب المخدرات الملك يوجه رسالة إلى الفريق المتقاعد يوسف أحمد الحنيطي إرادة ملكية بتعيين اللواء مجدي الحراسيس رئيسا لهيئة الأركان المشتركة توكاييف إلى تعزيز التعاون مع منظمة شنغهاي للتعاون، في حين يرى الخبراء أن المنظمة تبرز كمنصة متعددة رحيل الشعراء يؤذن بالبكاء الطويل تأبين الشاعر المرحوم طارق مكاوي مصر تكشف سبب حادث نويبع الذي اودى بحياة 10 أردنيين تعديلات قانون المهندسين تحت المجهر.. «بيت الخبراء» تطالب بالوثائق الخارجية تتابع حادث سير نويبع وتؤكد وجود أردنيين بين الوفيات والإصابات الأردن يدين الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين والكويت البرلمان العربي يدين الهجمات الإيرانية على عدد من الدول العربية الكويت تدين الاعتداءات الإيرانية على الأردن والبحرين ناقلة مقابل ناقلة .. ماذا تعني سياسة ترامب الجديدة؟ من الأردن إلى إسبانيا.. حازم العناسوة يكتب إنجازاً من ذهب 🇯🇴🥇

الأردن والصين: من حكمة الاستقرار إلى شراكة تصنع المستقبل

الأردن والصين من حكمة الاستقرار إلى شراكة تصنع المستقبل
الأنباط -
الأردن والصين: من حكمة الاستقرار إلى شراكة تصنع المستقبل
د. أيوب أبودية

تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الأخيرة إلى الصين في توقيت بالغ الدلالة، ليس فقط على مستوى العلاقات الأردنية الصينية، وإنما أيضاً في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها العالم والمنطقة. فالأردن، الذي وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة في قلب إقليم مضطرب، استطاع أن يحافظ على أمنه واستقراره، وأن يتجنب الانجرار إلى الحروب والصراعات التي اشتعلت من حوله، من الحرب في غزة إلى المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل وإيران.

ولعل هذه القدرة على الحفاظ على الاستقرار في محيط مضطرب ليست مسألة جغرافية أو حظاً سياسياً عابراً، بل هي ثمرة تراكم طويل من الحكمة في إدارة الدولة وعلاقاتها الإقليمية والدولية. فقد أدرك الأردن، في وقت مبكر، أن حماية الأمن الوطني لا تعني الانعزال عن العالم، بل تعني بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة، والانفتاح على مختلف القوى الدولية، والابتعاد قدر الإمكان عن سياسة المحاور والاستقطاب.

ومن هنا تكتسب زيارة الملك إلى الصين أهمية خاصة.
فالصين اليوم ليست مجرد دولة آسيوية كبرى أو قوة اقتصادية ضخمة؛ إنها أحد مراكز الثقل الرئيسية في النظام العالمي الجديد. فقد تمكنت خلال عقود قليلة من الانتقال من دولة نامية إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وصناعية وعسكرية كبرى، مع المحافظة في الوقت نفسه على سياسة خارجية تقوم على توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية، والدعوة إلى الاستقرار وحل النزاعات بالوسائل السياسية.

وهنا تبرز نقطة التقاء مهمة بين الأردن والصين: الاستقرار بوصفه شرطاً للتنمية، والتنمية بوصفها أحد أهم أسس الاستقرار.

فالأردن، رغم محدودية موارده الطبيعية، استطاع أن يحافظ على بيئة سياسية وأمنية مستقرة في منطقة شهدت حروباً مدمرة وصراعات إقليمية متواصلة. والصين، من جهتها، جعلت التنمية الاقتصادية والتحديث التكنولوجي أساساً لبناء قوتها الوطنية وتعزيز حضورها العالمي.

ولذلك فإن العلاقة الأردنية الصينية لا ينبغي أن تُختزل في حجم التبادل التجاري أو عدد المشروعات المشتركة. إنها علاقة يمكن أن تتطور إلى شراكة استراتيجية أوسع، يستفيد فيها الأردن من الإمكانات الصينية الهائلة في التكنولوجيا والصناعة والطاقة والبنية التحتية، بينما تستفيد الصين من موقع الأردن الجغرافي واستقراره السياسي وصلاته الواسعة بالعالم العربي، ومن دون الاخلال بالعلاقات الاردنية الأميركية.

وتوجد بالفعل تجربة تستحق التوقف عندها، هي مشروع محطة العطارات لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي. فقد شاركت شركات صينية في تنفيذ المشروع، كما أسهمت مؤسسات مالية صينية في تمويله. وهو مشروع كبير أدخل الصخر الزيتي الأردني إلى مرحلة الاستغلال التجاري لإنتاج الكهرباء برأسمال تجاوز ملياري دولار.

لكن أهمية هذه التجربة لا تقتصر على الجانب الفني أو الاقتصادي. فهي تقدم درساً مهماً في طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية: فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى دراسة دقيقة لشروط التمويل، وكلفة الطاقة، والتزامات الأطراف، والجدوى الاقتصادية طويلة المدى. ولذلك يمكن للأردن أن يبني على تجربة العطارات، ليس فقط من خلال تكرارها، والتوسع فيها لتحقيق الامن الطاقوي الوطني، بل من خلال الاستفادة من دروسها عند التفاوض على المشروعات المستقبلية.

والفرص أمام الأردن والصين أكبر بكثير من الصخر الزيتي. فالأردن يمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما يمتلك موارد معدنية مهمة، ومنها الغاز والفوسفات والبوتاس، وموقعاً استراتيجياً يربط بلاد الشام بالعراق والخليج والبحر الأحمر، إضافة إلى قطاع بشري متعلم يمكن أن يشكل قاعدة لصناعات وخدمات ذات قيمة مضافة. وفي المقابل، تمتلك الصين خبرة واسعة في الصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والقطارات والبنية التحتية والاتصالات والصناعات الكهربائية.

وهنا يمكن للأردن أن ينتقل من مجرد استيراد التكنولوجيا الصينية إلى توطين جزء منها، ومن استيراد المنتجات إلى إقامة صناعات مشتركة يمكن أن تنتج للتصدير إلى الأسواق العربية.

وهذه هي النقلة التي من الارجح أن تكون في صلب تفكير الملك الأردني في المرحلة المقبلة. فالاستثمار الأجنبي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الدولارات التي تدخل البلاد، وإنما بما يتركه من معرفة وتكنولوجيا وفرص عمل وصناعة محلية وقدرة على التصدير.

أما على المستوى السياسي، فإن أهمية الصين تتجاوز الاقتصاد. ففي عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد مراكز القوة، يصبح من مصلحة الأردن أن يحافظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى. وليس المقصود بذلك الابتعاد عن الحلفاء التقليديين، وإنما توسيع الخيارات وتعزيز القدرة على الحركة الدبلوماسية.

وقد أثبت الأردن في الأزمات الأخيرة أنه قادر على ممارسة هذا النوع من التوازن. فعندما اشتدت التوترات الإقليمية، ظل الموقف الأردني واضحاً في الدفاع عن أمن المملكة وسيادتها، وفي الوقت نفسه استمر في الدعوة إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وإيجاد حلول سياسية للصراعات. وهذه السياسة ليست ضعفاً قياسا بحجم الاردن، بل يمكن أن تكون مصدراً للاستقرار والاستثمار.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التقارب الأردني الصيني في سياقه الأوسع. فالأردن يبحث عن شراكات اقتصادية واستثمارية جديدة، والصين تبحث عن شركاء مستقرين ومواقع موثوقة في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى. وبين الطرفين مساحة واسعة من المصالح المشتركة.

والصين، التي أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية عالمية، لديها أيضاً مصلحة في استقرار الشرق الأوسط. فالاضطرابات والحروب لا تهدد الدول العربية وحدها، بل تهدد التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة والممرات البحرية. ولذلك فإن الاستقرار في الأردن، وفي المنطقة عموماً، يخدم مصالح الصين كما يخدم مصالح العرب.

لكن النجاح في هذه العلاقة يتطلب وضوحاً في الأولويات الأردنية. فالأردن لا يحتاج إلى مجرد مشروعات ضخمة، وإنما إلى مشروعات تضيف إلى الاقتصاد الوطني قيمة حقيقية، وتقلل فاتورة الاستيراد، وتخلق فرص عمل، وتنقل المعرفة، وتعزز القدرة التصديرية.

إن زيارة الملك إلى الصين يمكن أن تكون خطوة جديدة في هذا الاتجاه، فقد حافظ الأردن طوال عقود على أمنه واستقراره في منطقة لم تعرف الاستقرار إلا نادراً. وهذه ربما تكون إحدى أهم نقاط القوة التي يمتلكها الأردن اليوم. وإذا استطاع أن يحول هذه الميزة السياسية والجغرافية إلى ميزة اقتصادية، وأن يربط استقراره بشراكات استراتيجية مع القوى الصاعدة في العالم، فإنه يستطيع أن يفتح لنفسه مجالاً أوسع في النظام الدولي المتغير.

وفي هذا السياق، تبدو الصين شريكاً مهماً، فالحرب مع ايران وروسيا أثبتت أن قوة المعسكر الغربي محدودة، لذلك جاءت أهمية التحالف مع الصين التي لا تقدم للأردن نموذجاً يمكن نسخه حرفياً؛ فلكل دولة ظروفها وتاريخها ومواردها. لكنها تقدم تجربة لافتة في تحويل الاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى قوة، والقوة الاقتصادية إلى حضور دولي.

أما الأردن، فقد أثبت أن الاستقرار يمكن أن يصمد حتى في أصعب الظروف الإقليمية. والتحدي الآن هو أن تتحول حكمة الاستقرار إلى قوة اقتصادية، وأن تتحول الشراكة مع الصين من تعاون في مشروعات منفردة إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى.

وهذا ربما يكون المعنى الأعمق لزيارة الملك إلى بكين: ليس البحث عن شريك اقتصادي فحسب، وإنما المشاركة في صياغة موقع الأردن داخل عالم جديد تتعدد فيه مراكز القوة، وتصبح فيه الدول الأكثر قدرة على بناء الجسور، وتنويع الشراكات، وحماية أمنها، وتحقيق التنمية، هي الأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير