الأنباط -
المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية
رئيس شبكة بيئة ابوظبي
لم يعد التخطيط الحضري في المدن الحديثة يقاس باتساع الشوارع أو ارتفاع المباني فقط، بل بقدرته على توفير بيئة صحية وآمنة ومستدامة تضع الإنسان في قلب التنمية. ومن هذا المنطلق، تمثل أمانة عمّان الكبرى نموذجاً متقدماً في توظيف مبادئ المسؤولية المجتمعية والاستدامة لتعزيز جودة الحياة، من خلال مشاريع تنموية تلامس احتياجات المواطنين وتدعم رفاههم، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية التحديث الاقتصادي في المملكة.
وتتجسد هذه الرؤية في عدد من المبادرات العملية التي انتقلت بالمسؤولية المجتمعية من مفهومها التقليدي إلى نهج مؤسسي يركز على الأثر. ويبرز مشروع الباص سريع التردد كأحد أهم هذه النماذج، إذ لم يكن مشروعاً للنقل العام فحسب، بل مبادرة حضرية تهدف إلى تحسين جودة التنقل، والحد من الازدحام والانبعاثات، وتوفير وسيلة نقل آمنة وميسرة لمختلف فئات المجتمع، بما يسهم في بناء مدينة أكثر استدامة وقابلية للعيش.
كما أولت الأمانة اهتماماً متزايداً بالمساحات الخضراء والحدائق العامة، وأطلقت بالتعاون مع القطاع الخاص مبادرات لتأهيل وتطوير حدائق الأحياء، لتتحول من مجرد متنزهات إلى فضاءات مجتمعية تعزز التفاعل الاجتماعي، وتشجع النشاط البدني، وتوفر بيئة صحية للعائلات والأطفال، وهو ما يعكس نموذجاً ناجحاً للشراكة بين القطاعين العام والخاص في خدمة المجتمع.
ولم تقتصر جهود الأمانة على المشاريع العمرانية، بل امتدت إلى تبني مبادرات نوعية في العمل المناخي، والتخضير التشاركي للأحياء، والزراعة الحضرية، والتحول الرقمي، والمدينة الذكية، إضافة إلى إعداد التقرير الطوعي المحلي لأهداف التنمية المستدامة، وإدراج عمّان على المنصة العالمية لمؤشر جودة الحياة، في خطوة تعكس التزامها بقياس رضا السكان وتحسين الخدمات بصورة مستمرة.
إن تجربة أمانة عمّان الكبرى تؤكد أن المسؤولية المجتمعية لم تعد تقتصر على تنفيذ مبادرات موسمية، بل أصبحت فلسفة عمل مؤسسية تسعى إلى بناء مدينة أكثر شمولاً ومرونة واستدامة. فكل حديقة جديدة، وكل مشروع نقل مستدام، وكل مساحة خضراء، وكل خدمة رقمية أكثر كفاءة، تمثل استثماراً مباشراً في سعادة الإنسان وجودة حياته.
ومن هنا، فإن مستقبل عمّان لا يُبنى بالإسمنت وحده، بل بالشراكة بين المؤسسات والمجتمع، وبالاستثمار في الإنسان والبيئة معاً. وعندما تصبح المسؤولية المجتمعية جزءاً أصيلاً من التخطيط الحضري، تتحول المدينة إلى فضاء يعزز الانتماء، ويرتقي بجودة الحياة، ويمنح الأجيال القادمة مستقبلاً أكثر ازدهاراً واستدامة.