الأنباط -
لماذا يزداد التفكير بالموت مع تقدم العمر؟
د. أيوب أبودية
يبدو الموت في بدايات الحياة مفهومًا بعيدًا ومجردًا؛ فالطفل يعرف أن الكائنات تموت، لكنه غالبًا لا يدرك الموت بوصفه نهاية شخصية تخصه هو. ومع التقدم في العمر، يتغير هذا الإدراك تدريجيًا، حتى يصبح الموت جزءًا أكثر حضورًا في التفكير والوعي اليومي. غير أن العلاقة بين التقدم في العمر والتفكير بالموت ليست مجرد علاقة بسيطة قوامها أن الإنسان «يخاف الموت أكثر كلما كبر». إنها علاقة نفسية وفلسفية أكثر تعقيدًا.
تشير دراسات علم النفس إلى أن التفكير بالموت يتزايد عمومًا مع التقدم في العمر. فالطفل الصغير قد لا يمتلك بعدُ تصورًا كاملًا ونهائيًا للموت، بينما يبدأ المراهق في إدراكه بوصفه حقيقة لا مفر منها. ومع بلوغ منتصف العمر، يزداد الوعي بأن جزءًا كبيرًا من الحياة قد مضى، وأن الزمن المتبقي أصبح محدودًا. وهنا يمكن أن يظهر ما يسمى القلق الوجودي: ذلك الشعور الناشئ من إدراك الإنسان لفنائيته، ولأن حياته وأدواره وعلاقاته ليست أبدية.
وقد قدم عالم النفس الأمريكي إرنست بيكر في كتابه إنكار الموت الصادر عام 1973 تفسيرًا واسعًا لهذا القلق. يرى بيكر أن الإنسان يتميز عن الكائنات الأخرى بقدرته على إدراك موته المستقبلي، وأن هذه المعرفة يمكن أن تكون مصدرًا عميقًا للقلق. ولذلك لا يعيش الإنسان وهو يفكر في الموت بصورة مباشرة طوال الوقت، بل يطور منظومات من المعنى والقيم والعمل والعلاقات والإنجاز تساعده على تجاوز هذا الوعي أو احتوائه. فالأسرة، والعمل، والإبداع، والانتماء الثقافي، والإيمان، والإنجازات الشخصية يمكن أن تمنح الإنسان إحساسًا بأن حياته ذات معنى يتجاوز وجوده الفردي المحدود.
ومع الشيخوخة يصبح الموت أكثر حضورًا لأسباب متعددة. فالأمر لا يتعلق فقط باقتراب النهاية البيولوجية، وإنما أيضًا بفقدان الأقارب والأصدقاء، وتراجع الصحة والقدرات الجسدية، والتقاعد، وتغير الأدوار الاجتماعية، والشعور بأن الزمن لم يعد موردًا مفتوحًا كما كان في الشباب. ولذلك قد يتحول الموت من فكرة فلسفية بعيدة إلى واقع حاضر في التجربة اليومية.
لكن المثير للاهتمام أن زيادة التفكير بالموت لا تعني بالضرورة زيادة الخوف منه. فقد يجد بعض كبار السن أن مواجهة فكرة الموت تجعل الحياة أكثر قيمة. وهذا يتفق مع بعض نتائج الدراسات النفسية الحديثة التي أشارت إلى أن التفكير في الموت قد يكون محفزًا، في ظروف معينة، للبحث عن المعنى وتقدير الحياة، بل وقد يرتبط بتحسن بعض جوانب الصحة النفسية لدى كبار السن.
وهنا تظهر أهمية دراسة قام بها ماكسفيلد وزملاؤه عام 2014، والتي أشارت إلى أن التفكير بالموت ليس بالضرورة تجربة سلبية. ففي بعض الحالات يمكن أن يدفع الإنسان إلى إعادة النظر في حياته، وإعادة اكتشاف ما يمنحها معنى، وتقدير علاقاته وذكرياته وإنجازاته. ومن الأمثلة اللافتة على ذلك انتشار كتابة المذكرات والكتب والسير الذاتية وتنظيم المحاضرات لدى كبار السن؛ إذ يمكن النظر إلى هذه الكتابة بوصفها محاولة لتثبيت الذات في الذاكرة، وتحويل التجربة الفردية إلى قصة يمكن أن تستمر بعد رحيل صاحبها.
ومن هنا يمكن فهم الموت ليس باعتباره مجرد نهاية للحياة، وإنما باعتباره عاملًا يؤثر في كيفية عيش الحياة نفسها. فالإنسان الذي يدرك محدودية الزمن قد يصبح أكثر حرصًا على ما يختاره من أعمال وعلاقات وقيم. وربما لهذا السبب نجد أن سؤال «ماذا سيبقى مني بعد الموت؟» قد يتحول إلى أسئلة أخرى أكثر إيجابية: ماذا أنجزت؟ ماذا تعلمت؟ ماذا أعطيت للآخرين؟ وما الذي يمكن أن يستمر من أفكاري وأعمالي بعد غيابي؟
وتكشف هذه المسألة عن مفارقة عميقة: الموت، رغم أنه نقيض الحياة بيولوجيًا، قد يكون أحد العوامل التي تمنح الحياة معناها النفسي والوجودي. فالزمن لو كان بلا نهاية، ربما فقدت كثير من اختياراتنا إلحاحها وقيمتها. إن محدودية الحياة هي التي تجعل الوقت ثمينًا، وتجعل الحب والصداقة والإبداع والعطاء أمورًا تستحق الاهتمام.
ولهذا فإن النضج لا يعني بالضرورة أن يصبح الإنسان أكثر خوفًا من الموت، بل قد يعني أن يصبح أكثر قدرة على التعايش مع حقيقة الموت. وفي هذه المرحلة قد يتحول السؤال من «كيف أتجنب الموت؟» إلى «كيف أعيش الحياة التي أريدها ما دمت أعلم أنها محدودة؟».
وهنا تلتقي السيكولوجيا بالفلسفة: فالموت ليس مشكلة يمكن حلها، وإنما حقيقة ينبغي فهمها. وربما تكون الحكمة في نهاية المطاف ليست في إنكار الموت، بل في استخدام الوعي بفنائنا لكي نحيا حياة أكثر معنى، ونترك وراءنا أثرًا يتجاوز حدود وجودنا الفردي.