اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الفريق الوطني لتمكين المنشآت المملوكة للسيدات يستعرض إنجازاته تقدم في خطط تحسين ترتيب الأردن بالمؤشرات الدولية أمانة عمّان تباشر أعمال تعبيد ليلية في شارع مكة حرس الحدود يحبط محاولة تسلل 5 أشخاص عبر الحدود الشمالية عمّان الأهلية تنظم حملة تطوعية لفرز الملابس بالتعاون مع الهيئة الخيرية الهاشمية الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا،،، متى يتحول رأس المال الخارجي إلى قدرة وطنية؟ عرض كتاب اركيولوجيا الوعي من الشرارة الأولى إلى آفاق العقل الكوني برعاية رئيس الوزراء .. توقيع أربع اتفاقيات لتنفيذ مشاريع رئيسة في الأراضي المجاورة لموقع معمودية السيد المسيح (المغطس) ضمن التحضيرات لإحياء ذكرى الألفية الثانية للمعمودية عام 2030 الف مبروووك الدكتور زيد عماد الهواملة "الغذاء والدواء" و"جمعية مكافحة المخدرات" تبحثان سبل تعزيز التعاون في مجال التوعية والوقاية الصحية عجز نقابة المهندسين عن الوفاء بالتزاماتها!! بمشاركة (70) شركة صناعية "صناعة عمان" تنظم معرض الصناعات الأردنية.. الخميس صديقك من صدَقَك،مستوى الحسين إربدغير مطمْئن،والأسباب! الضمان الاجتماعي: غالبية خدماتنا إلكترونية عبر الموقع ونسخة جديدة من تطبيق الهاتف بحلول نهاية أيلول غرفة عمليات لندن احدى غرف العمليات في مستشفى الكندي .. التكامل في التجهيزات أبو علي: نظام الفوترة الوطني يخدم الاقتصاد ولا يقتصر على الجانب الضريبي رئيس الوزراء يُلزم جميع المؤسسات بحصر المخاطبات والأعمال لإحياء ذكرى معمودية السيِد المسيح باللجنة الوطنية رفيعة المستوى المشكلة كمرجعية وحيدة لهذه الغاية محمد هيثم نايف الكوز مبارك النجاح أجواء صيفية عادية حتى السبت قبل تناول مكملات النوم .. تعرف على الفرق بين الميلاتونين والمغنيسيوم

عرض كتاب اركيولوجيا الوعي من الشرارة الأولى إلى آفاق العقل الكوني

عرض كتاب اركيولوجيا الوعي من الشرارة الأولى إلى آفاق العقل الكوني
الأنباط -
عرض د/أميمة منير جادو
استاذ باحث اكاديمي- كاتبة وناقدة

المؤلف: أ. د. سلطان عبد الله جروان المعاني.
الناشر: الآن ناشرون وموزعون، عمّان، المملكة الأردنية الهاشمية.
الطبعة: الأولى، 2026م.
عدد الصفحات: 300 صفحة.
ردمك (ISBN): 978-9923-63-057-0.
بنية الكتاب: يشتمل الكتاب على مقدمة، وثمانية أبواب، وتسعة وعشرين فصلًا، تعقبها خاتمة وقائمة بالمصادر والمراجع. وقد حرص المؤلف على ترتيب فصوله ترتيبًا تصاعديًا يبدأ بالبحث في الجذور الكونية والبيولوجية للوعي، ثم ينتقل إلى تشكل الوعي الإنساني عبر الرموز والأسطورة والمدينة والعلم، وصولًا إلى قضايا الذكاء الاصطناعي، ومستقبل الإنسان، وأخلاقيات الوعي، وما يواجهه من أزمات وجودية ومعرفية.
المقدمة
يعد كتاب «أركيولوجيا الوعي: من الشرارة الأولى إلى آفاق العقل الكوني» محاولة فكرية طموحة لرسم تاريخ الوعي الإنساني من منظور بيني يجمع بين البيولوجيا التطورية، وعلم الأعصاب، والأنثروبولوجيا، والعلوم المعرفية، وفلسفة العقل. وينطلق المؤلف من فرضية مؤداها أن الوعي لم يكن حدثًا طارئًا في تاريخ الإنسان، بل حصيلة مسار تطوري طويل، بدأت إرهاصاته مع تشكل الكون والحياة، ثم تتابعت مراحله عبر تطور الدماغ، وظهور اللغة والرمز والثقافة، حتى بلغت أسئلتها الراهنة في عصر الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر الكتاب على عرض النظريات العلمية، بل يسعى إلى بناء رؤية تركيبية تستوعب نتائج الدراسات الحديثة، وتعيد تنظيمها في إطار تفسيري واحد، وهو ما يمنحه طابعًا موسوعيًا يتجاوز حدود التخصص الواحد. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب بوصفه من المحاولات العربية النادرة التي تعالج قضية الوعي معالجة شاملة، مستندة إلى أحدث المراجع الأجنبية، مع السعي إلى تقديم رؤية عربية قادرة على استيعاب هذا الحقل المعرفي المتسارع.
ويهدف هذا العرض إلى تقديم قراءة نقدية لبنية الكتاب ومضامينه، من خلال الوقوف عند الأفكار الرئيسة التي يطرحها كل فصل، وتحليل منهج المؤلف، وتقويم إضافته العلمية، وبيان موقع الكتاب في سياق الدراسات العربية المعاصرة المعنية بالوعي والعلوم المعرفية.

إذ يمثل هذا الكتاب محاولة علمية جادة للإجابة عن أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا في الفكر الإنساني، وهو: كيف نشأ الوعي؟ فلا يكتفي مؤلفه بمناقشة الوعي بوصفه ظاهرة نفسية أو عصبية، بل يتتبع جذوره في سياق كوني وتطوري وثقافي ممتد، مستفيدًا من معطيات البيولوجيا التطورية، وعلم الأعصاب، والأنثروبولوجيا، والعلوم المعرفية، وفلسفة العقل. ومن ثم يندرج الكتاب ضمن الدراسات البينية التي تسعى إلى تجاوز حدود التخصص الواحد، وبناء رؤية تفسيرية متكاملة لهذه الظاهرة.
وقد قسم المؤلف كتابه إلى عدد من الأبواب والفصول المتتابعة، بحيث ينهض كل فصل بوظيفة محددة في بناء الأطروحة العامة؛ إذ يبدأ بتتبع المقدمات الكونية والبيولوجية التي مهدت لظهور الوعي، ثم ينتقل إلى تطور الدماغ البشري، قبل أن يتناول أثر اللغة والثقافة والرموز في تشكل الوعي الإنساني، وصولًا إلى مناقشة عدد من القضايا والإشكالات التي ما تزال موضع جدل في الدراسات المعاصرة.
ولا تكمن أهمية الكتاب في جمعه طيفًا واسعًا من الدراسات الحديثة فحسب، وإنما في سعيه إلى الربط بينها داخل إطار تفسيري واحد، يربط بين تطور المادة والحياة والعقل والثقافة، مع الإفادة من أحدث الأدبيات الأجنبية في هذا المجال. كما يحرص المؤلف على مناقشة عدد من الفرضيات العلمية السائدة، دون أن يغفل الإشارة إلى مواطن الاتفاق والاختلاف بينها، وهو ما يضفي على الكتاب طابعًا حواريًا بعيدًا عن الطرح التقريري.
ومن هذا المنطلق، لا يهدف هذا العرض إلى إعادة تلخيص محتوى الكتاب، وإنما إلى تقديم قراءة نقدية لبنيته الفكرية، ومنهجه، وأبرز أطروحاته، وتقويم إسهامه في الدراسات العربية المعنية بالوعي والعلوم المعرفية، مع بيان ما يضيفه إلى المكتبة العربية، وما يمكن أن يؤخذ عليه من ملاحظات منهجية أو علمية.
----
الفصل الأول: «الكون يتهيأ لاستقبال الوعي»... تأسيس الوعي على تاريخ الكون
يفتتح المؤلف كتابه بفصل يحمل عنوان «الكون يتهيأ لاستقبال الوعي»، وهو عنوان يكشف منذ البداية عن المنظور الذي يحكم الكتاب بأكمله؛ إذ لا ينظر إلى الوعي بوصفه ظاهرة نفسية أو عصبية معزولة، وإنما يضعه في سياق كوني وتطوري طويل، يبدأ قبل ظهور الإنسان بمليارات السنين. ومن ثم فإن هذا الفصل لا يعد مدخلًا تاريخيًا فحسب، بل يمثل الإطار الفلسفي الذي ستنبني عليه الفصول اللاحقة.
ويقوم البناء الفكري للفصل على فكرة محورية مؤداها أن الوعي لم يظهر فجأة، وإنما كان ثمرة سلسلة من "الانتقالات الكبرى" في تاريخ الكون والحياة. ولهذا يبدأ المؤلف باستعراض الشروط الكونية والجيولوجية التي مهدت لظهور الحياة، ثم ينتقل إلى نشأة الأنظمة الكيميائية القادرة على حفظ المعلومات وإعادة إنتاجها، مستندًا إلى أعمال جون ماينارد سميث وإيورس ساثماري، ثم إلى نموذج نيك لين في تفسير نشأة الحياة اعتمادًا على تدرجات الطاقة في الفوهات الحرارية القلوية.
ويلاحظ أن المؤلف لا يستدعي هذه الدراسات على سبيل الحشد المرجعي، وإنما يجعلها عناصر متتابعة في بناء حجة واحدة، مفادها أن الوعي لا يمكن فهمه إلا برده إلى جذوره البيولوجية والمادية الأولى. ومن هنا يتجنب القفز مباشرة إلى الإنسان، ويصر على تتبع المقدمات التي سبقت ظهور أي شكل من أشكال الإدراك.
ويبرز في هذا الفصل اهتمام واضح بالأدبيات العلمية الحديثة؛ إذ يعتمد المؤلف على عدد من أعلام البيولوجيا التطورية ودراسات أصل الحياة، مثل نيك لين، وماينارد سميث، وساثماري، فضلًا عن الإحالة إلى دراسات منشورة في دوريات علمية متخصصة، وهو ما يمنح الفصل سندًا علميًا واضحًا، ويبعده عن الطرح التأملي المجرد.
غير أن المؤلف لا يلبث أن ينتقل من المستوى البيولوجي إلى المستوى المعرفي، فيعرض نشأة الجهاز العصبي بوصفها الحلقة المفصلية التي مكنت الكائن الحي من الانتقال من مجرد الاستجابة للمثيرات إلى بناء تمثيلات داخلية للعالم. وهنا يناقش مفهوم "التعلم الترابطي غير المحدود" عند سيمونا جينسبيرج وإيفا يابلونكا، باعتباره أحد المعايير المقترحة لتحديد العتبة الأولى للوعي، مع التنبيه إلى أن هذا المعيار ما يزال محل نقاش في الأوساط العلمية، وهي إشارة تحسب للمؤلف؛ لأنه لا يقدم الفرضيات العلمية على أنها حقائق نهائية.
ومن الجوانب اللافتة في هذا الفصل محاولة المؤلف تجاوز التفسير البيولوجي الخالص؛ فهو ينتهي إلى أن الإنسان لم ينفصل عن التاريخ التطوري للكائنات السابقة، بل يمثل امتدادًا لمسار طويل من تراكم الحساسية والإدراك والتعلم، قبل أن تتحول هذه التراكمات إلى ثقافة ورمز ووعي انعكاسي في المراحل التالية من الكتاب.
ومن الناحية المنهجية، ينهض الفصل على منهج تركيبي يجمع بين البيولوجيا التطورية، وعلم الأعصاب، والأركيولوجيا المعرفية، وفلسفة العقل. وهذه المقاربة البينية (Interdisciplinary) تمثل إحدى أبرز سمات الكتاب؛ إذ يسعى المؤلف إلى بناء نموذج تفسيري واحد يجمع معطيات علوم متعددة بدل الاكتفاء بمنظور تخصصي ضيق.
ومع ذلك، يلاحظ على الفصل ميله أحيانًا إلى الإطناب في عرض التفاصيل البيولوجية والكيميائية، ولا سيما في حديثه عن نشأة الحياة والفوهات الحرارية القلوية، وهو ما قد يثقل على القارئ غير المتخصص، خاصة أن الصلة المباشرة بين هذه التفاصيل وبين قضية الوعي لا تتضح إلا في الصفحات الأخيرة من الفصل. وربما كان من الأنسب أن يوجز المؤلف بعض هذه الجزئيات لصالح تعزيز الخيط الناظم الذي يربطها بإشكالية الوعي.
ومع ذلك، ينجح الفصل في أداء وظيفته التأسيسية؛ إذ يهيئ القارئ للانتقال من تاريخ المادة إلى تاريخ العقل، ويؤسس للرؤية العامة التي يتبناها المؤلف، والقائمة على أن الوعي الإنساني ليس حادثة منفصلة في تاريخ الوجود، وإنما نتيجة مسار طويل من التراكمات الكونية والبيولوجية والثقافية.
----
الفصل الثاني: التراكم البيولوجي للوعي
ينتقل المؤلف في هذا الفصل من الحديث عن الشروط الكونية لنشأة الحياة إلى دراسة الأساس البيولوجي للوعي، مؤكدًا أن الوعي لا يمكن فصله عن تاريخ الدماغ وتطوره عبر ملايين السنين. ومن ثم فإن القضية الرئيسة التي يناقشها ليست الوعي بوصفه حالة نفسية، وإنما الدماغ بوصفه البنية التي جعلت الوعي ممكنًا.
ويرتكز الفصل على تتبع تطور الجهاز العصبي منذ بداياته الأولى في الفقاريات، مرورًا باتساع القشرة المخية لدى الثدييات، وانتهاءً بالتمايز الوظيفي للقشرة الجبهية في الإنسان. ويحرص المؤلف على بيان أن هذا التطور لم يكن مجرد زيادة في حجم الدماغ، بل كان تحولًا نوعيًا في بنيته ووظائفه، أتاح نشوء الذاكرة المعقدة، والتخطيط، والتمثيل العقلي، والقدرة على مراجعة الخبرة وتأملها.
ومن أبرز القضايا التي يناقشها الفصل نقد التصورات التقليدية، ولا سيما نظرية "الدماغ الثلاثي"، إذ يرى المؤلف -استنادًا إلى دراسات حديثة في علم الأعصاب التطوري- أن تطور الدماغ لم يكن قائمًا على إضافة طبقات مستقلة فوق طبقات أقدم، وإنما على إعادة تنظيم شبكات عصبية متداخلة تعمل في تكامل وظيفي. ويحسب له هنا تجاوزه للنماذج التفسيرية المبسطة واعتماده نتائج البحث العصبي المعاصر.
كما يبرز الفصل أهمية المناطق الجبهية الأمامية، ولا سيما المنطقة القطبية، بوصفها الأساس العصبي للوظائف التنفيذية العليا؛ كالتخطيط، وضبط الانفعال، وتأجيل الإشباع، وتقدير العواقب، ومراقبة الذات، وهي القدرات التي يراها المؤلف فارقة في الانتقال من الإدراك المباشر إلى الوعي الانعكاسي.
ولا يقف المؤلف عند العوامل البيولوجية وحدها، بل يوسع دائرة التفسير باستحضار فرضية "الدماغ الاجتماعي" لروبن دنبار، التي تربط بين تعقد الحياة الاجتماعية واتساع القشرة المخية، ليؤكد أن تطور الوعي كان نتيجة تفاعل مستمر بين البناء العصبي ومتطلبات العيش الجماعي، لا نتيجة التطور البيولوجي وحده. ويكشف هذا التوجه عن رغبة المؤلف في تجاوز التفسير الأحادي للوعي، وربطه بالتاريخ الاجتماعي للإنسان أيضًا.
ويتسم الفصل بثراء واضح في توظيف مراجع علم الأعصاب والبيولوجيا التطورية، كما يحافظ على تماسك الفكرة الرئيسة رغم كثافة المعلومات العلمية. غير أن المؤلف يكثر أحيانًا من التفاصيل التشريحية والعصبية التي قد تتجاوز حاجة القارئ غير المتخصص، وكان يمكن اختصار بعضها دون أن يتأثر البناء العام للفصل.
ومع ذلك، يمثل هذا الفصل خطوة أساسية في بناء الأطروحة العامة للكتاب؛ إذ ينتقل بالنقاش من شروط الحياة إلى شروط العقل، ويبرهن على أن الوعي، في تصور المؤلف، هو ثمرة تراكم بيولوجي طويل، سبق ظهوره الإنساني ومهد له، تمهيدًا للانتقال في الفصول التالية إلى البعدين الثقافي والرمزي للوعي.
----
الفصل الثالث: الوعي بوصفه نتاجًا للتفاعل بين الدماغ والبيئة
يناقش المؤلف في هذا الفصل العلاقة بين البنية العصبية والبيئة المحيطة، رافضًا تفسير الوعي بوصفه نتاجًا للدماغ وحده، ومؤكدًا أن تطور القدرات الإدراكية ارتبط بالتفاعل المستمر مع البيئة الطبيعية والاجتماعية. فالدماغ، في تصوره، لم يتطور بمعزل عن تحديات البقاء والتكيف، وإنما أعادت البيئة تشكيل وظائفه وقدراته عبر ملايين السنين.
ويستند المؤلف إلى نتائج علم النفس التطوري والعلوم المعرفية لبيان أن التعلم، والذاكرة، والقدرة على التنبؤ، وحل المشكلات، جميعها نشأت استجابة لضغوط البيئة ومتطلباتها، وأن الوعي يمثل حصيلة هذا التفاعل المستمر، لا مجرد خاصية بيولوجية مستقلة. كما يبرز أثر التعاون الاجتماعي في تنمية القدرات الإدراكية، ممهدًا للانتقال في الفصول التالية إلى دور اللغة والثقافة في الارتقاء بالوعي.
ويتميز الفصل بقدرته على الربط بين معطيات البيولوجيا والعلوم السلوكية في إطار تفسيري واحد، وإن كان يميل أحيانًا إلى عرض عدد كبير من الدراسات دون مناقشة نقدية كافية لبعض نتائجها، إلا أنه يظل حلقة مهمة في استكمال البناء النظري للكتاب.
-----
الباب الثاني: جغرافيات الوعي الأولى
الفصل الرابع: الكهف... رحم الوعي البدائي
يفتتح المؤلف الباب الثاني بطرح سؤال المكان بوصفه أحد العناصر المؤسسة للوعي، ويرى أن الكهف لم يكن مجرد مأوى يحتمي فيه الإنسان الأول، بل الفضاء الذي بدأت فيه خبرة السكن، وتمييز الداخل من الخارج، وتشكل الإحساس بالخصوصية والانتماء. ومن هذا المنظور يغدو الكهف نقطة التحول الأولى في انتقال الإنسان من مجرد التكيف مع الطبيعة إلى إعادة تشكيلها رمزيًا في وعيه.
ويستند المؤلف إلى معطيات علم الآثار، مستشهدًا بالكهوف المزخرفة في فرنسا وإسبانيا، ليبرهن أن الرسوم والنقوش لم تكن زخارف عابرة، وإنما كانت تعبيرًا عن بدايات التفكير الرمزي، وعن محاولة الإنسان تنظيم خبرته بالعالم وتحويل المكان إلى فضاء للذاكرة والطقس والمعنى. كما يلفت النظر إلى البعد السمعي للكهوف، وما أحدثه الصدى والإنشاد من أثر في التجربة الشعائرية المبكرة، مستفيدًا من الدراسات الحديثة في الأركيوأكوستيك.
ويتميز الفصل بقراءته للمكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في تكوين الوعي، لا مجرد إطار جغرافي للأحداث، وهي رؤية تمنح الدراسة بعدًا أنثروبولوجيًا واضحًا، وإن كان المؤلف يميل أحيانًا إلى التأويل الرمزي أكثر من استناده إلى الأدلة الأثرية المباشرة، إلا أن ذلك لا ينتقص من القيمة الفكرية للفصل، الذي يمهد بنجاح للانتقال إلى أثر الطبيعة في تشكيل الإدراك الإنساني.
----
الفصل الخامس: الطبيعة... معمل الانتباه والخيال
يواصل المؤلف تتبع تشكل الوعي من خلال انتقال الإنسان من الكهف إلى الفضاء الطبيعي المفتوح، مبينًا أن الصحراء والسهول والغابات لم تكن مجرد بيئات للعيش، بل أسهمت في تشكيل طرائق الإدراك والانتباه والخيال. فاختلاف المكان أوجد أنماطًا مختلفة في قراءة العالم، وأثر في بناء الذاكرة والرموز والحكايات الأولى.
ويبرز الفصل كيف علمت الطبيعة الإنسان مراقبة الإيقاع الزمني وتعاقب الفصول، وربط الظواهر الطبيعية بالزراعة والصيد والترحال، بما أسهم في تنمية القدرة على التوقع والتخطيط واستيعاب مفهوم الزمن الدوري، وهو ما يعده المؤلف خطوة مهمة في تطور الوعي من الاستجابة المباشرة إلى التفكير المنظم.
ويتميز الفصل بربطه بين الجغرافيا والإدراك الإنساني في إطار أنثروبولوجي، مع الإفادة من دراسات حديثة حول إدراك المكان، وإن كان يغلب عليه أحيانًا الطابع التأملي أكثر من التحليل العلمي، إلا أنه يظل مكملاً منطقيًا للفصل السابق، ويؤكد أن الوعي وليد التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته.
----
الفصل السادس: مسارح العمق الكوني للوعي
يختتم المؤلف هذا الباب بالانتقال من أثر المكان المباشر إلى الأفق الكوني، مؤكدًا أن وعي الإنسان لم يتشكل من البيئة القريبة وحدها، بل من علاقته بالسماء والنجوم وتعاقب الليل والنهار والفصول. فالتحديق في الكون لم يكن فعلًا تأمليًا مجردًا، وإنما أسهم في نشأة أسئلة الوجود والزمن والمصير، ومهّد لظهور الخيال الديني والأسطوري والعلمي في آن واحد.
ويبين المؤلف أن مراقبة الظواهر الكونية أفضت إلى بناء أنماط أولية من المعرفة، كحساب الزمن، وربط المواسم بالأنشطة الإنسانية، وإدراك النظام الكامن في حركة الكون، وهو ما نقل الوعي من التعامل مع الوقائع اليومية إلى التفكير في القوانين الكلية التي تحكم الوجود. ومن ثم أصبحت السماء أحد أهم منابع الخيال الإنساني ومقدمات تشكل الفكر المجرد.
ويُعد هذا الفصل خاتمة منطقية للباب؛ إذ يربط بين المكان والطبيعة والكون في سياق واحد، ممهدًا للانتقال إلى الباب الثالث، حيث يغادر الوعي عالم الطبيعة إلى عالم الرمز والأسطورة واللغة، وهو انتقال حافظ فيه المؤلف على تماسك البناء الفكري للكتاب، وإن غلب على بعض صفحاته الطابع التأملي أكثر من التحليل التجريبي.
----
الباب الثالث: الوعي يصنع العالم الرمزي
الفصل السابع: الرمز... اللغة الأولى للوعي
يفتتح المؤلف هذا الباب بالانتقال من الوعي بوصفه استجابة للبيئة إلى الوعي بوصفه قدرة على إنتاج الرموز، ويرى أن الرمز يمثل النقلة النوعية التي مكّنت الإنسان من تجاوز الإدراك الحسي المباشر إلى بناء المعاني المجردة. فالرموز لم تكن مجرد وسيلة للتعبير، وإنما أداة لتنظيم الخبرة الإنسانية وحفظها ونقلها عبر الأجيال، وهو ما أسهم في تراكم المعرفة وتطور الحضارة.
ويبرز المؤلف أن التفكير الرمزي سبق ظهور الكتابة بزمن طويل، متجسدًا في الرسوم والطقوس والإشارات، قبل أن تتطور هذه المظاهر إلى أنظمة لغوية أكثر تعقيدًا. ومن ثم فإن اللغة ليست بداية الوعي، بل ثمرة لتطور رمزي طويل، أتاح للإنسان التعبير عن الأفكار المجردة، واستحضار الماضي، والتخطيط للمستقبل.
ويحسب للمؤلف نجاحه في الربط بين الأنثروبولوجيا واللسانيات والعلوم المعرفية لتفسير نشأة الرمز، وإن كان يعرض بعض الفرضيات دون ترجيح واضح بينها، تاركًا للقارئ مساحة للموازنة بين الاتجاهات المختلفة، وهو ما ينسجم مع الطابع العلمي العام للكتاب.
-----
الفصل الثامن: الطقس والجسد والزمن المقدس
يتناول المؤلف الطقس بوصفه مرحلة متقدمة في تشكل الوعي؛ فبعد أن أنتج الإنسان الأسطورة لتفسير العالم، جاء الطقس ليجسدها في أفعال جماعية تمنحها حضورًا حيًا في الواقع. ومن ثم لا ينظر إلى الطقوس باعتبارها ممارسات دينية فحسب، بل بوصفها وسيلة لتنظيم الزمن، وترسيخ الذاكرة الجمعية، وتأكيد هوية الجماعة عبر أفعال متكررة ذات دلالات رمزية.
ويبرز الفصل الدور المحوري للجسد في التعبير عن الوعي؛ إذ تتحول الحركة والإيماءة والإنشاد والاحتفال إلى لغة رمزية تنقل المعنى قبل ظهوره في صورته الفكرية المجردة، وهو ما يكشف عن تداخل الأسطورة والطقس في بناء الخبرة الإنسانية الأولى، واستمرار أثرهما في الثقافات اللاحقة.
ويتميز الفصل بقراءته الأنثروبولوجية للعلاقة بين الجسد والزمن المقدس، موضحًا أن الطقس لم يكن مجرد ممارسة اجتماعية، بل أداة لإعادة إنتاج النظام الثقافي وترسيخ القيم المشتركة، وإن كان يغلب على بعض مواضعه الطابع التأويلي، فإنه يظل من الفصول المهمة في تفسير انتقال الوعي من الرمز إلى الممارسة الاجتماعية المنظمة.
-----
الفصل التاسع: الأسطورة... الوعي يفسر العالم
يخصص المؤلف هذا الفصل لدراسة الأسطورة بوصفها إحدى أهم المراحل في تطور الوعي الإنساني، مؤكدًا أنها لم تكن مجرد حكايات خيالية، بل محاولة معرفية مبكرة لتفسير الظواهر الطبيعية والوجودية قبل نشوء التفكير العلمي. فالأسطورة، في نظره، تمثل نسقًا فكريًا يعكس رؤية الإنسان الأولى للعالم، ويكشف عن سعيه إلى إضفاء النظام والمعنى على الكون.
ويبين المؤلف أن الأسطورة أسهمت في تشكيل الذاكرة الجمعية وترسيخ القيم والمعتقدات، كما هيأت لظهور أنماط أكثر تطورًا من التفكير الديني والفلسفي. ويبرز كذلك الصلة الوثيقة بين الأسطورة والرمز والطقس، موضحًا أنها لم تنشأ بمعزل عن الحياة الاجتماعية، بل كانت جزءًا من البناء الثقافي الذي نظم علاقة الإنسان بالطبيعة والمقدس والجماعة.
ويُحسب للمؤلف توظيفه المقارنات الأنثروبولوجية في تحليل الوظيفة الثقافية للأسطورة، مبتعدًا عن النظر إليها باعتبارها خرافة أو وهمًا، وإن كان يغلب على بعض استنتاجاته الطابع التأويلي، إلا أن الفصل ينجح في بيان الدور الذي أدته الأسطورة في الانتقال بالوعي من إدراك العالم إلى تفسيره وإضفاء المعنى عليه، وهو ما يمهد منطقيًا للفصول التالية التي تتناول نشأة اللغة والكتابة والحضارة.
-----
الفصل العاشر: اللغة... الوعي يتكلم:
ينتقل المؤلف في هذا الفصل من الرمز والأسطورة إلى اللغة، باعتبارها المنعطف الحاسم في تاريخ الوعي الإنساني؛ إذ لم تعد وسيلة للتواصل فحسب، بل أصبحت الأداة التي أعادت تشكيل التفكير ذاته. ويرى أن اللغة مكّنت الإنسان من تجاوز الخبرة الآنية إلى بناء المفاهيم المجردة، وتنظيم المعرفة، واستحضار الماضي، واستشراف المستقبل، الأمر الذي أفضى إلى اتساع آفاق الوعي الفردي والجمعي.
ويؤكد المؤلف أن نشأة اللغة جاءت ثمرة تطور طويل اشتركت فيه القدرات البيولوجية مع الحاجات الاجتماعية، فأسهمت في تعزيز التعاون، ونقل الخبرات، وتكوين الذاكرة الثقافية، ومن ثم أصبحت الوعاء الذي احتضن المعرفة الإنسانية وحفظها من الضياع. كما يناقش عددًا من الاتجاهات العلمية التي تناولت أصل اللغة ووظائفها، مرجحًا أن تطورها ارتبط بتعقد البناء الاجتماعي أكثر من ارتباطه بعامل بيولوجي منفرد.
ويبرز الفصل أهمية اللغة بوصفها القوة التي نقلت الوعي من الإدراك الفردي إلى الوعي الجمعي، ومن التجربة المحدودة إلى بناء الحضارة. ويتميز بقدرته على الربط بين اللسانيات والأنثروبولوجيا والعلوم المعرفية، وإن كان المؤلف يوجز أحيانًا بعض القضايا الخلافية التي كان يمكن أن تحظى بمناقشة أوسع، إلا أن الفصل يظل من أهم فصول الكتاب؛ لأنه يمثل الجسر الذي يعبر منه المؤلف إلى دراسة الكتابة ونشأة الحضارة في الفصول اللاحقة.
----
الفصل الحادي عشر: الفلسفة والنقد العقلي
يتناول المؤلف في هذا الفصل التحول الذي شهده الوعي الإنساني مع ظهور التفكير الفلسفي، موضحًا أن الانتقال من الأسطورة إلى العقل لم يكن قطيعة حاسمة، بل مسارًا تدريجيًا أعاد ترتيب علاقة الإنسان بالعالم. فقد حلَّ السؤال العقلي والبحث عن العلة والقانون محل التفسير الأسطوري، دون أن تنقطع الصلة تمامًا بالمخيلة القديمة، وهو ما يبرزه من خلال عرض بدايات الفلسفة اليونانية عند طاليس وأنكسيمندر وهيراقليطس وغيرهم.
ويتتبع الفصل تطور الفكر الفلسفي حتى الاتجاهات الحديثة، مبينًا أن الفلسفة لم تكتفِ بتفسير العالم، بل وجهت النقد إلى أدوات المعرفة نفسها، ولا سيما مع الظاهراتية والهرمنيوطيقا، اللتين أبرزتا أن الوعي يتشكل داخل اللغة والتاريخ والثقافة، وليس بمعزل عنها. وبذلك ينتقل المؤلف من سؤال «كيف نفكر؟» إلى سؤال «كيف يتكون التفكير ذاته؟».
ويتميز الفصل بحسن الربط بين تاريخ الفلسفة وإشكالية الوعي، مع الإفادة من مراجع فلسفية رصينة، وإن كان اختصار المراحل الفلسفية الكبرى أفضى أحيانًا إلى سرعة في الانتقال بين المدارس، إلا أن الفصل نجح في إبراز الدور الذي أداه التفكير النقدي في تطور الوعي الإنساني، ممهدًا للانتقال إلى نشأة المعرفة العلمية.
-----
الفصل الثاني عشر: من مراقبة السماء الى مختبر الأرض

الفصل الثاني عشر: من مراقبة السماء إلى مختبر الأرض
يرصد الفصل تحوّلًا جوهريًا في تاريخ الوعي الإنساني، انتقل فيه الإنسان من النظر إلى السماء والطبيعة بوصفهما مجالًا للرموز والعلامات المرتبطة بإيقاع الحياة والطقوس، إلى ملاحظتهما باعتبارهما ظواهر تنتظم وفق علاقات يمكن رصدها وقياسها واختبارها. فقد ارتبطت حركة الأجرام منذ البدايات بمواقيت الزراعة والفيضانات والتنقل والصيد، ثم بدأت الخبرة الإنسانية تتحرر تدريجيًا من القراءة الرمزية للظواهر، متجهة إلى البحث عن العلة والمبدأ والانتظام، وصولًا إلى تشكّل العلم الطبيعي بوصفه نظامًا منهجيًا ومؤسسيًا يقوم على القانون والبرهان والتجربة.
ويربط الفصل هذا التحول بتطور الفكر الفلسفي، الذي لم يكتفِ بتفسير العالم، بل جعل الوعي نفسه موضوعًا للتأمل والنقد. فقد كشفت اتجاهات ما بعد النقد، من نيتشه إلى الظاهراتية والهرمنيوطيقا، حدود التصور الذي يجعل العقل ذاتًا مستقلة وشفافة، وأكدت أن الوعي يتشكل داخل اللغة والتاريخ والجسد والتقاليد وشبكات المعنى. ومن ثم لا تفهم الذات ذاتها بصورة مباشرة، وإنما عبر الحكايات والنصوص والرموز التي تعيد من خلالها تفسير وجودها. وفي تصور «أركيولوجيا الوعي» الذي يقوم عليه الكتاب، تصبح الفلسفة طبقة مركبة تستوعب ميراث الأسطورة والطقس واللغة والكتابة واللاهوت، ثم تضيف إليها قدرة الوعي على مساءلة شروطه وأدواته وإعادة ترتيب ما ورثه في ضوء النقد. ومن هذه العتبة تتهيأ الأرضية الفكرية التي سيفضي منها المسار لاحقًا إلى العلم الطبيعي والدولة الحديثة، بما يرتبط بهما من مفاهيم القانون والسببية والحقيقة والعدالة والحرية.
ويتتبع الفصل نشأة الفلسفة الطبيعية في الفضاء اليوناني-الهيليني، حيث بدأ التفكير في الطبيعة يتحرر تدريجيًا من الاكتفاء بالسرد الأسطوري، ويتجه إلى البحث عن مبادئ كلية تفسر الحركة والمادة والتغير وبنية الكون. ولم تكن هذه العملية قطيعة مفاجئة مع الخيال الديني، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الرمز والعقل، أصبحت فيها الطبيعة موضوعًا للبحث في العلة والمبدأ والانتظام. ويمثل طاليس وأنكسيمندر وهيراقليطس محاولات مبكرة لفهم العالم من خلال عنصر أول أو مبدأ منظم أو قانون كوني، ثم يبلغ هذا المسار درجة أكثر تركيبًا عند أرسطو، الذي أدخل الحركة والعناصر والأجسام السماوية والكائنات الحية في منظومة تبحث عن الأسباب والوظائف والمراتب داخل الطبيعة. وبالتوازي تطورت الخبرة الطبية اليونانية، ولا سيما في التقليد الأبقراطي، نحو تفسير المرض وأحوال البدن بالاعتماد على الملاحظة ومفاهيم التوازن والأمزجة والبيئة.
ويؤكد الفصل أن الفلسفة الطبيعية لم تكن علمًا بالمعنى المؤسسي الحديث، لكنها مثلت حلقة وسيطة حاسمة بين المخيلة الكونية القديمة والعلم الطبيعي اللاحق؛ إذ نقلت الإنسان من طلب المعنى داخل الحكاية والرمز إلى البحث عنه في العلة والبنية والاتساق والانتظام.
ولا يحصر الفصل هذا التحول في الحضارة اليونانية، بل يبرز تعدد مسارات تشكل المعرفة الطبيعية. ففي الهند ارتبط الفلك والحساب في بداياتهما بضبط التقويم والمواقيت الشعائرية، ثم تطورا إلى مسائل أكثر تجريدًا تتصل بحساب الحركات السماوية والدورات الزمنية. وفي الصين تشكل تصور طبيعي يقوم على الترابط بين الظواهر، كما تجسد في ثنائية الين واليانغ ونظرية الأطوار الخمسة، حيث ارتبط فهم الجسد بالطبيعة والكون، وتداخل القياس العملي مع التصور الكلي للنظام الكوني.
أما الحضارة الإسلامية فقد شكلت، وفق الفصل، طبقة عميقة في أركيولوجيا العلم؛ إذ شهدت منذ القرن الثالث الهجري حركة واسعة للترجمة والرصد والحساب والجدل العلمي، التقت فيها الموروثات اليونانية والهندية والفارسية، ثم تجاوزت مرحلة النقل إلى التصحيح والإضافة وإعادة البناء. وتطورت في هذا السياق علوم الجبر والبصريات والطب وعلم الهيئة، وازدهرت الجداول الفلكية والمراصد، وبرز علماء مثل ابن الهيثم والبيروني وابن الشاطر، الذين أسهموا في نقل دراسة الطبيعة إلى فضاء البرهان والقياس والتجربة. ومن ثم يرى الفصل أن هذه المرحلة سبقت الثورة العلمية الأوروبية وأسهمت في تهيئة بعض شروطها، وإن كان تاريخ العلم أكثر تعقيدًا من أن يختزل في خط واحد مستقيم.
ثم ينتقل الفصل إلى أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث تشكل نمط جديد لإنتاج المعرفة الطبيعية بفعل تضافر عدة عناصر: تنامي دور الرياضيات، وظهور التجربة المنظمة، واتساع استخدام الأدوات والقياس، وانتشار الطباعة، ونشوء المؤسسات العلمية. وتمثل الجمعية الملكية في إنجلترا التي تأسست عام 1660، ومعاملاتها الفلسفية التي صدرت عام 1665، وأكاديمية العلوم في باريس التي تأسست عام 1666، علامات على انتقال البحث في الطبيعة من جهود فردية متفرقة إلى نشاط أكثر تنظيمًا يعتمد على الرعاية والتمويل والنشر والتحكيم والتواصل العلمي.
ويتجسد هذا التحول في السلسلة العلمية التي تبدأ بكوبرنيكوس وإعادة ترتيب صورة الكون حول الشمس، ثم غاليليو وما أحدثه الرصد الأداتي من قوة جديدة في إثبات الظواهر، ثم كبلر الذي صاغ قوانين الحركة الكوكبية رياضيًا اعتمادًا على أرصاد تيخو براهي، وصولًا إلى نيوتن الذي وحّد حركة الأجسام الأرضية والسماوية داخل بناء قانوني واحد. وهكذا أصبح الكون قابلًا للوصف الرياضي والقياس والتفسير، وغدت «الثورة العلمية» نتيجة تراكم متداخل في الرصد والرياضيات والتجربة والطباعة والمؤسسة، لا حدثًا منفردًا.
ويستعين الفصل بتوماس كون لإبراز البعد التاريخي في تطور العلم؛ فالعلم لا يتقدم دائمًا بصورة تراكمية هادئة، وإنما يعمل في فترات من «العلم العادي» داخل نموذج إرشادي مستقر، إلى أن تتراكم مشكلات أو ظواهر شاذة تعجز المنظومة القائمة عن تفسيرها، فتحدث أزمة تفضي إلى تحول ثوري يعيد تعريف السؤال والدليل والأداة ومعايير المقبول في الحقل العلمي. ومن ثم لا تتمثل الثورة العلمية في تحسين القدرة على التنبؤ بالظواهر فحسب، بل في إعادة تعريف ماهية المعرفة العلمية نفسها.
ويضيف إيان هاكنغ بُعدًا آخر لهذا التحول، مؤكدًا أن العلم الحديث لم يكتفِ بتمثيل العالم في نظريات رياضية، وإنما تعلم أيضًا التدخل فيه بواسطة الأداة والتجربة، بحيث أصبح المختبر فضاءً تُنشأ فيه الظواهر داخل شروط مضبوطة قابلة للقياس والتكرار. ثم يوسع برونو لاتور هذا التصور بالنظر إلى العلم بوصفه ممارسة اجتماعية ومادية ورمزية، تتضافر فيها الأجهزة والمواد والباحثون والممولون والمجلات والإجراءات، حتى تتحول الظواهر إلى أرقام ورسوم وبيانات ونصوص تكتسب قبول الجماعة العلمية. وبذلك تصبح الحقيقة العلمية نتاجًا لشبكة من الممارسات والتثبيت والتداول، إلى جانب علاقتها بالظواهر المدروسة.
ويخلص الفصل إلى أن ميلاد العلم الطبيعي لم يكن مجرد زيادة في حجم المعارف المتعلقة بالكون، وإنما كان تحولًا في بنية الوعي الجماعي وعلاقته بالطبيعة والحقيقة. فقد أصبح القياس الدقيق أساسًا للحجية العلمية، وأصبح التكرار شرطًا مهمًا لإمكان التحقق من النتائج واستعادتها في ظروف أخرى وعلى يد باحثين آخرين، كما تشكلت «الجماعة العلمية» الحديثة التي تمنح الاعتراف بالمعرفة عبر النشر والتحكيم والتداول، وتعمل داخل نماذج تحدد الأسئلة المشروعة والأدلة المقبولة والأدوات المنتجة للمعرفة. وهكذا ينتهي الفصل إلى لحظة تاريخية أصبح فيها الوعي بالطبيعة قائمًا على الانتقال من مراقبة السماء وتأويل علاماتها إلى بناء المختبر الذي يقيس الظاهرة ويختبرها ويعيد إنتاجها؛ أي من الطبيعة بوصفها مجالًا للمعنى إلى الطبيعة بوصفها مجالًا للمعرفة المنهجية المنظمة.
-------
يستكمل ...لاحقا.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير