نادرًا ما يكون اللجوء مؤقتًا. فهو قد يمتد لسنوات، وأحيانًا لأجيال. وفي بعض العائلات يتحول إلى ميراث كالاسم العائلي أو كذكرى لم تعشها، لكنك مضطر إلى حملها.
أنا أعرف ذلك ليس من النظريات، بل من عائلتي. وُلدت في دمشق، كما وُلد والداي هنا. لكن في جميع وثائقي الرسمية تقريبًا، هناك سطر يحدد أصلي: "تاريخ اللجوء إلى سوريا: 1948".
لكن هذا التاريخ لا يخصني، بل يعود إلى أجدادي.
لقد فرّ أجدادي من فلسطين قبل الإعلان الرسمي لقيام إسرائيل، تاركين وراءهم مدينة صفد. وجدي، أبو زياد، لم ينتظر حتى يبلغ العنف ذروته، بل انتقل بهدوء إلى دمشق في الأشهر الأخيرة من عام 1947، حيث وجد منزلًا متواضعًا وافتتح محلًا صغيرًا. ثم عاد إلى صفد مرة أخيرة، وجمع عائلته، وغادر قبل أن تصبح الطرقات طرقًا لا عودة منها.
كانوا يعتقدون أن إقامتهم في دمشق ستستمر أشهرًا، لكنها استمرت لأجيال.
نشأت في مدينة هي لي بالكامل، لكنني رسميًا ما زلت مرتبطًا بلحظة فرار لم أعشها أبدًا. ورثت صفة لاجئ من دون أن أفرّ قط. وكنت أظن أن هذا هو جوهر التهجير في هذه الأرض: جرح من الماضي لا رجعة فيه. وكنت مخطئًا.
عندما بدأت الحرب في سوريا عام 2011، شاهدت جيلي يغادر. أصدقاء عرفتهم طوال حياتي توزعوا في أنحاء أوروبا والدول المجاورة، وفي أي ملجأ آمن كان مستعدًا لاستقبالهم. شعرت بألمهم، لكنني شعرت أيضًا بارتياح صامت وكئيب: أنني لم أصبح لاجئًا مرتين، وظننت أن تهجير عائلتي كان ملفًا مغلقًا.
لم أكن قد فهمت بعد أن التهجير يمكن أن يكون أيضًا دائرة.
بعد سنوات، ها أنا أشاهد تلك الدائرة تنغلق. حرب جديدة في لبنان أعادت البندول إلى الخلف. كثير من السوريين الذين فرّوا إلى هناك خلال الحرب في سوريا اضطروا إلى الفرار مجددًا. لكن هذه المرة، اتجهوا عائدين إلى البلد الذي هربوا منه يومًا.
أُسامة العبيد، البالغ من العمر (39 عامًا)، غادر قريته في ريف الحسكة عام 2011 متجهًا إلى لبنان، حين كان الجفاف والحرب يخنقان الحياة في بلده. هناك وجد عملًا في قطاع البناء، وقضى سنوات يحاول بناء مستقبل جديد. ثم لحقت به الحرب.
عندما اشتدت الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان، اهتز الحي الذي يسكنه. وقال لي: "في لحظة كنا نعمل، وفي اللحظة التالية كان القصف في كل مكان". ففرّ مجددًا، تاركًا أدواته ومنزله المستأجر والحياة التي بناها حجرًا فوق حجر.
بالنسبة له، كانت الرحلة مألوفة على نحو غريب.
وقال العبيد: "شعرت وكأن الزمن أعادني إلى الوراء"، مستحضرًا رحلة فراره الأولى قبل أكثر من عقد. لكن عبور الحدود هذه المرة حمل شعورًا مختلفًا.
وأضاف: "كان هناك شوق وإحساس بالانتماء. رغم أنني أعلم أنه لا توجد فرص عمل، وأن البلد لا يزال بحاجة إلى سنوات لإعادة البناء، فإن الشعور بالدخول مجددًا لا يوصف."
لكن الواقع كان مرساة أعادت الأمور سريعًا إلى الأرض. فالبطالة والجفاف وارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز التحديات التي يواجهها. وقد تكون عودته مجرد محطة مؤقتة وليست نقطة نهاية. ويقول إنه إذا استقرت الأوضاع في لبنان، فقد يعود إليه.
خضر الضحام، البالغ من العمر (41 عامًا) ويعمل بائعًا للقهوة، سلك مسارًا مشابهًا. غادر سوريا عام 2014، وبنى حياة متواضعة في بيروت، قبل أن يجد نفسه مضطرًا للفرار مرة أخرى مع تصاعد العنف هناك.
وكانت رحلة عودته أكثر خطورة، إذ سلك طرق تهريب عبر تضاريس وعرة ومناطق ملوثة بالألغام على طول الحدود.
وحملت العودة إلى سوريا مشاعر مختلطة بالنسبة له. وقال الضحام: "الأمن أفضل الآن، لكن اقتصاديًا الأمور صعبة جدًا."
أما الدرس الذي خرج به من سنوات المنفى فكان بسيطًا: الأمن وحده لا يكفي. وأضاف: "الاستقرار الاقتصادي هو الشكل الحقيقي للأمن. من دون عمل، لن يبقى الناس."
وكما هو حال العبيد، تبقى عودة الضحام مشروطة أيضًا.
بينما كنت أستمع إليهما، شعرت أنني أمام معادلة معقدة. فقد امتد تهجيرهما لأكثر من عقد، وما زال منفاهما على قسوته خطًا مفتوحًا لم يُحسم بعد. لكن وسط إرهاقهما، شعرت بشيء غير مألوف: خيط من الأمل.
ما يبقي العبيد مستمرًا، على حد قوله، هو "الأمل في أن تتحسن الأمور ببطء".
وقال: "لقد نجونا بالفعل من سنوات صعبة عديدة، لذا علينا أن نؤمن بأن أيامًا أفضل ما زالت ممكنة."
أما بالنسبة للضحام، فأسرته هي السبب الذي ينهض من أجله كل صباح. وقال: "عندما يكون لديك أطفال يعتمدون عليك، فإنك تواصل التقدم مهما أصبحت الأمور صعبة."
وأضاف: "أقوم بأعمال مؤقتة مختلفة كلما وجدت فرصة عمل. الحياة ليست سهلة، لكنني أحاول أن أبقى مشغولًا."
بالنسبة لشخص مثلي، ورث صفة اللجوء وقد يورثها يومًا لمن بعده، هناك أمنية صامتة تختبئ خلف كل هذه القصص: أن يعود عبور الحدود يومًا ما فعلًا طبيعيًا، لا رد فعل على حرب جديدة.
وأن يعبر السوريون، كما فعل كثيرون قبلهم، الحدود أخيرًا ليس بدافع الضرورة واليأس، بل بكرامة واختيار. وأن يبقوا.
(شينخوا) في الشرق الأوسط