الأنباط -
كتب عبد الرحمن أبو حاكمة
لم تعد أزمة السير في العاصمة عمان مجرد "تأخير لموظف أو طالب على دوامه"، فقد تحولت إلى أزمة مركّبة، تنتج أزمات أخرى تمس حياة المواطن اليومية، واقتصاده، وصحته النفسية.
الأزمة لها جذور متعددة، بعضها هندسي، والاخر إداري، وأخطرها سلوكي.
أسباب الأزمة - تشخيص الواقع
وتنقسم أسباب الأزمة الى بنيوية وهندسية، منها ضيق الشوارع وقدم المخططات حيث صممت معظم شوارع عمان قبل عشرات الاعوام لعدد سكان وسيارات أقل بكثير. وتتطلب توسعة الشارع اليوم الى استملاكات بملايين الدنانير، وهو عبء كبير على الموازنة.
اما البنية التحتية المتهالكة ف"حدث ولا حرج" من الحفر الى المطبات العشوائية مرورا بالمناهل المرتفعة، بالاضافة الى عدم وجود تصريف جيد لمياه الأمطار في بعض المناطق وكل حفرة تعني تباطؤ، وكل تباطؤ يعني طابور من المركبات
أما الأنفاق والجسور التي تبنى في كل العالم لتسهيل حركة السيارات وانسياب السير ليست كذلك في عمان التي تحوّلت فيها إلى نقاط اختناق بسبب سوء التصميم أو لإغلاق مسرب للصيانة يمكن ان يستمر شهوراً.
في حين فان مشروع الباص السريع ورغم أهميته الاستراتيجية، إلا أن اقتطاع مسربين من شوارع ضيقة أصلاً مثل شارع الملكة رانيا وشارع الجامعة وشارع الشهيد، فاقم الأزمة على المدى القصير قبل أن يلمس المواطنين فائدته.
ويتصدر الأسباب الإدارية والتنظيمية غياب النقل العام الفعّال ما يجبر المواطن على استخدام سيارته الخاصة لغياب البديل المريح والآمن في وقت تجاوز فيه عدد السيارات في عمان 1.8 مليون مركبة.
وتتسب القرارات المرورية المزاجية أحيانا الى إغلاق فتحات جانبية أو تحويلات بشكل مفاجئ من قبل بعض أفراد شرطة السير، دون دراسة الأثر على الشوارع المحيطة، ما يخلق اختناقات جديدة بدل حلها.
الى ذلك حول غياب الكراجات واماكن الاصطفاف وتساهل الرقابة وانانية البعض حوّل الشوارع الرئيسية إلى مواقف، فصار الشارع الذي بمسربين فعلياً يخدم مسرب واحد فقط.
الاسباب الاخطر.. أخلاقيات القيادة
وتعد الأسباب السلوكية والأخلاقية الأخطر في هذه الازمة ف حتى لو توسّعة كل شوارع العاصمة عمان، لن تُحل الأزمة دون التحلي بأخلاق القيادة في ظل تفاقم الأنانية لدى كثيرين "أنا أمشي وبعدي الطوفان" فضلا عن السعي الى دخول الدوار وبعض الشوراع بالعباطة، فضلا عن عدم إعطاء الأولوية، والاغلاق والتسكير على الآخرين.
وفي ظل غياب الصبر يبدو ان الزامور بقي لغة الحوار، وسماع الشتائم عند أي تباطؤ.
ويتسبب استخدام الهاتف بما لا يمكن توقعه، ف سائق واحد يتصفح هاتفه على الإشارة قد يعطل عشرات السيارات خلفه.
ويؤدي عدم احترام بعض المشاة وقيامهم بقطع الشارع من أي مكان الى ارباك السائقين وربما التسبب بحوادث.
كرة الثلج تكبر
ولا تقف أزمة السير عند "التأخير" على الدوام فقط، فهي مصنع لأزمات بعضها اقتصادي حيث هدر ملايين الدنانير سنوياً على البنزين، واستهلاك قطع الغيار، وتلف الإطارات، ومخالفات مرورية.
أما صحياً ونفسياً ف "ضيق الخلق" أصبح مرضاً يومياً فالتوتر الزائد الناتج عن الأزمة قد يسبب أمراض ضغط وسكري وغيرها، كما أنه يؤدي إلى مناوشات ومشاجرات على أتفه الأسباب.
وفي الجانب الأمني فان كثرة الحوادث، وتعطيل حركة سيارات الإسعاف والدفاع المدني سيؤدي الى تأخيرها عن الوصول للمحتاجين في الوقت المناسب.
ومن الناحية البيئية فان الأزمة تتسبب بانبعاثات كربونية هائلة من سيارات متوقفة وشغالة لساعات طويلة.
الحلول - ما العمل؟
يبقى القول انه يجب التأكيد أن حل الأزمة المرورية لا تسيطيع جهة واحدة القيام به، لانه مسؤولية تشاركية بين الدولة والمواطن.
فعلى المستوى الحكومي يتطلب إرادة سياسية لحل الاستملاكات بتخصيص موازنة سنوية ثابتة لتوسعة النقاط السوداء الأكثر اختناقاً.
والعمل على الانتقال الى نقل عام حقيقي عبر إنجاز ما تبقى من مراحل الباص السريع، وتشغيل باصات تغذية للأحياء، مع مواقف "اصطف واركب". في حين يقع على عاتق المواطن ترك سيارته إذا وجد بديلاً محترماً.
كما يتطلب الأمر استكمال الإدارة الذكية للمرور عبر زيادة عدد الكاميرات لتنظيم الحركة لا للمخالفات، وتحويل الإشارات الضوئية الى ذكية تتغير حسب كثافة السير، وانشاء غرفة تحكم مركزية أحدث تفتح وتغلق بناءً على بيانات موثقة لا على المزاج.
ويتطلب الامر كذلك عمل صيانة استباقية واصلاح الحفر والاشكالات النفاجئة خلال ساعات قليلة من التبليغ عنها، وليس بعد شهور.
كما يتطلب الامر تطبيق القانون على الجميع، ف لا واسطات في المخالفات، والتشدد في مخالفة الاصطفاف المزدوج وغيرها من المخالفات الخطيرة.
ويتطلب حل الازمة أيضا الى الشروع بالقيام بحملات عديدة حول أخلاقيات القيادة في المدارس والمساجد والجمعيات والنوادي وعبر الإعلام، لان الكل شريك في غرس ثقافة "إعطاء الأولوية، الصبر، احترام الدور"، وتفعيل ثقافة المشاركة، فمثلا ما المشكلة إذا قام موظفون بنفس الشركة او اخرى قريبة وسكنهم مجاور بركوب بسيارة واحدة، حيث يخفف ذلك نسبة كبيرة من السيارات المتحركة.
كما ان اعتماد الدوام المرن بالقطاعين العام والخاص يخفف من ساعة الذروة صباحاً ومساء.
ختاماً فانه اذا كانت شوارع عمان ضيقة، فان عقولنا وسعتها أكبر.
كما ان الأنفاق والجسور وُجدت للحل لا لخلق المشكلة.
ان أزمة السير تكشف عيوبنا الهندسية والإدارية والأخلاقية معاً. والحل يبدأ عندما نعترف أن جزءاً من المشكلة "نحن" كسائقين ومواطنين، قبل أن تكون "هم".
ان عمان تستحق أن تكون عاصمتها تليق بأهلها، وتخفيف دقيقة واحدة من يوم كل مواطن، يعني هدية بمليون ساعة عمل للوطن سنوياً.