الأنباط -
خزاعي: 53% من الأردنيين يتقاضون أقل رواتب من 500 دينار وهذا يعتبر تدني دخل
بني مصطفى: السوشال ميديا غيرت أنماط الاستهلاك.. وملاحقة الصورة المثالية باتت تدفع البعض نحو الديون
الانباط-آيه شرف الدين
في زمن تتسارع فيه تطورات الحياة والتكنولوجيا حيث أصبحت لم تعد تشبه الحياة ونفوس الناس كما في الماضي ولم تعد سهلة عيشها لما يعانيه الإنسان من ضغوطات مادية واجتماعية ونفسية، لم تعد الحياة بسيطة مقارنة في السنوات الماضية حيث كان الإنسان أبسط همومه العيش في منزل مع عائلته بأمان أما في زمنا الحالية الانسان اكبر همومه السعي لإبقاء صورته الاجتماعية في أفضل مظهر الاختباء من الفقر بغطاء المظاهر الخادعة الملابس والسيارات الفاخرة والسفر في حين أن دخله المادي قليل ويبدأ بالاقتراض وتراكم الديون من منتصف الشهر خوفا من نظرة المجتمع عنه فقير.
هل أصبحت الحياة مظاهر ومستويات وجودة حياة تليق بالمجتمع وهل أصبح الفقر عيب ؟
أوضح أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن لجوء بعض الأفراد إلى إخفاء واقعهم الاقتصادي أو إنكار معاناتهم المالية أمام المجتمع يعود إلى رغبتهم في تجنب الشعور بأنهم أقل مكانة من الآخرين، إضافة إلى الخوف من نظرة المجتمع أو التعرض للانتقاد بسبب ضعف القدرة المادية.
وبين خزاعي أن هذا السلوك يمثل في كثير من الأحيان محاولة للهروب من الواقع، فيما يدفع بعض الأسر إلى الاستدانة أو الاقتراض بهدف مجاراة أنماط الحياة السائدة وإظهار مستوى معيشي مماثل للآخرين.
وتابع خزاعي ولاسيما أن شعور الوالدين بالمسؤولية تجاه أبنائهم ورغبتهم في توفير الاحتياجات والخدمات ذاتها التي يحصل عليها أقرانهم يشكل أحد الدوافع الرئيسية للوقوع في دائرة الديون، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية المتزايدة.
وأشار إلى أن هذا السلوك لا ينطبق على جميع الأفراد، فهناك من يتعاملون مع ظروفهم الاقتصادية بواقعية ويتقبلون إمكاناتهم المادية دون اللجوء إلى الإنفاق فوق قدرتهم المالية. إلا أن شريحة واسعة من العاملين قد تضطر إلى الاستدانة نتيجة تدني مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولفت خزاعي في ختام حديثه أن 53% من الأردنيين يتقاضون دخولاً متواضعة لا تتجاوز اقل من 500 دينار شهرياً وهذا يعتبر تدني دخل، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات العديد من الأسر، خصوصاً مع تزايد الأعباء المعيشية ومتطلبات الحياة اليومية.
وفي السياق بينت الأخصائية النفسية والتربوية الدكتورة مرام بني مصطفى خلال حديثها للأنباط أن وصول بعض أفراد المجتمع إلى مرحلة التوسع في الاستدانة والإنفاق يفوق الإمكانات المالية يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها التحولات التي فرضها العصر الرقمي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت صور الرفاهية التي يعرضها المشاهير والمؤثرين في ترسيخ ثقافة المقارنة والتقليد بين الأفراد.
وأضافت أن تراجع الوازع القيمي والديني لدى بعض الأشخاص، إلى جانب ارتفاع سقف المتطلبات الحياتية مقارنة بما كان سائداً في السابق، فيما ساهم في زيادة الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالمظاهر والاستهلاك، مضيفة أن هذه المعايير أتت دخيلة على المجتمع الأردني في السوشال ميديا ويجب الحفاظ على معاييرنا وقدوتنا وقيمنا.
وأشارت بني مصطفى أيضا إلى ذلك التوسع في التسهيلات المالية، مثل القروض والسلف، التي أتاحت للكثيرين فرصة تبني أنماط حياة تفوق قدراتهم الفعلية، سعياً لمواكبة الصورة المثالية التي يشاهدونها عبر المنصات الرقمية. وفي ظل هذه المعطيات، يعتقد بعض الأفراد أن بإمكانهم الوصول إلى مستوى معيشة مشابه لما يرونه، حتى وإن كان ذلك على حساب تراكم الديون والأعباء المالية.
وكما أكدت بني مصطفى أن الضغوط المالية والديون المتراكمة لم تعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية والاستقرار الاجتماعي.
وأوضحت بني مصطفى أن الديون طويلة الأمد أو الخارجة عن السيطرة تزيد من احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب، نتيجة حالة التوتر المستمرة والخوف من عدم القدرة على السداد، مشيرة أن هذا الضغط المزمن يؤدي إلى اضطرابات في النوم، وفرط التفكير، وسرعة الانفعال، كما قد ينعكس على الصحة الجسدية من خلال زيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مرتبطة بالتوتر مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري.
ولفتت بني مصطفى إلى أن بعض الأفراد يلجؤون إلى ما يعرف بـ«الاستهلاك التعويضي»، حيث يتم شراء الكماليات أو المبالغة في الإنفاق كوسيلة للهروب من الضغوط النفسية أو لتعزيز الصورة الاجتماعية أمام الآخرين. ورغم أن هذا السلوك يمنح شعوراً مؤقتاً بالرضا، إلا أنه غالباً ما يفاقم الأعباء المالية ويدخل صاحبه في دائرة متكررة من الإنفاق والندم والضغوط المتزايدة.
وفيما يتعلق بالعلاقات الأسرية بينت بني مصطفى أن الضائقة المالية تعد من أبرز أسباب التوتر والخلافات داخل الأسرة، خاصة بين الزوجين، نتيجة الاختلاف حول أولويات الإنفاق وتوفير الاحتياجات الأساسية، مؤكدة أنها تنعكس هذه الأجواء على الأبناء من خلال شعورهم بعدم الاستقرار والأمان النفسي، وظهور أنماط متقلبة في التعامل والتربية نتيجة الضغوط التي يعيشها الوالدان.
ولفتوا إلى أن العجز المالي قد يدفع بعض الأفراد إلى الانسحاب الاجتماعي، حيث يتجنبون المشاركة في المناسبات الاجتماعية أو الزيارات العائلية بسبب الكلفة المالية أو الخوف من المقارنات الاجتماعية. ويؤدي هذا السلوك في كثير من الأحيان إلى العزلة وتراجع شبكة العلاقات الاجتماعية وانخفاض تقدير الذات.
كما أشارت بني مصطفى إلى وجود أنماط نفسية مختلفة تؤثر في السلوك المالي للأفراد، فمنهم من يميل إلى الإنفاق المفرط بدافع القلق أو الرغبة في التعويض النفسي، ومنهم من يتسم بالتمسك الشديد بالمال والخوف المستمر من المستقبل رغم امتلاكه دخلاً كافياً، موضحة أن ذلك يرتبط بعوامل عديدة تشمل أساليب التنشئة الأسرية والتجارب المبكرة المتعلقة بالأمان أو الحرمان الاقتصادي.
وأكملت بني مصطفى حديثها أن الوضع المالي أصبح عاملاً رئيسياً في قرارات الزواج وتكوين الأسر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الزواج وعدم استقرار الدخل لدى شريحة واسعة من الشباب.
كما تسهم الضغوط الاقتصادية في تأخير سن الزواج، وقد تتحول لاحقاً إلى أحد أبرز أسباب الخلافات الزوجية والطلاق، خاصة عندما يعجز الزوجان عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
واختتمت بني مصطفى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في رفع سقف التوقعات لدى الشباب بشأن أنماط الحياة والإنفاق، ما أدى إلى زيادة الضغوط المالية والاجتماعية المرتبطة بالزواج وتأسيس الأسرة، مؤكدة أن معالجة هذه التحديات تتطلب تعزيز الوعي المالي والنفسي، إلى جانب إيجاد حلول اقتصادية تسهم في تحسين مستوى المعيشة والاستقرار الأسري.