البث المباشر
المملكة تتأثر الاثنين بامتداد منخفض جوي مصحوب بكتلة هوائية باردة ورطبة دراسة: اللياقة البدنية تقلل من نوبات الغضب بنسبة 75% مكسرات تحمي القلب: أفضل الأنواع التي تدعم صحة الشرايين رمضان والإيقاع المقلوب للنوم.. أثر عميق لا يُرى التستوستيرون والصيام.. هل يهدم رمضان هرمون الرجولة أم يعيد ضبطه؟ حين يكتب قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية…يكتب مستقبل الدولة وظائف برواتب ضخمة يرفضها كثيرون بسبب مسمياتها الغامضة النائب الربيحات ينتقد إلغاء اجتماع لجنة العمل ويطالب الحكومة بسحب مشروع قانون الضمان روسيا تجمد الضرائب على صادراتها من الحبوب عملية أمنية تُنهي حياة أشهر تاجر مخدرات في المكسيك القوات المسلحة الأردنية تسير قافلة مساعدات تضم 6 شاحنات إلى المستشفى الميداني الأردني نابلس/9 مديرية الأمن العام تطلق موائد الإفطار الرمضانية لنزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل أبو السمن يتفقد مشروع صيانة طريق وادي شعيب ملحس: التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي لا علاقة لها بأداء صندوق الاستثمار أو قراراته الاستثمارية منافسات الزلاجة الجماعية للرجال بأولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 أيلة تجدد شراكتها الاستراتيجية مع تكية أم علي للعام 2026 نموذج " هاكابي " فى الدبلوماسية حزب العمال يحذر الطوباسي العيسوي ينقل تعازي الملك وولي العهد إلى عشيرتي المجالي وبني عطا يقظة "الشرطة الخاصة" تمنع كارثة في ماركا الشمالية

حين يكتب قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية…يكتب مستقبل الدولة

حين يكتب قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية…يكتب مستقبل الدولة
الأنباط -

البرفسور عبد الله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

ليست القوانين التعليمية نصوصًا إجرائية لتنظيم المدارس والجامعات، بل وثائق سيادية تُعيد تشكيل العقل الجمعي، وتحدد موقع الدولة في الاقتصاد العالمي، وترسم أفقها لعقود مقبلة. فالدول لا تنهض بوفرة الموارد وحدها، بل بصلابة فلسفتها التشريعية. والقانون التعليمي لا يُقاس بعدد مواده، بل بعمق تعريفاته، ودقة هندسته، وقدرته على إنتاج إنسان قادر على التفكير النقدي، والإبداع، والعمل في زمن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

في عالم يتبدل بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد مقبولًا أن يُبنى التشريع التعليمي على منطق إداري تقليدي أو إعادة تدوير عبارات عامة بلا أدوات قياس صارمة. السؤال الجوهري ليس: هل لدينا قانون جديد؟ بل، هل لدينا فلسفة تعليمية جديدة تُعيد تعريف وظيفة التعليم في الدولة؟

عند العودة إلى أول قانون للمعارف في إمارة شرق الأردن قبل قرن تقريبًا، نجد نصوصًا موجزة لكنها واضحة الغاية، التعليم مشروع سيادي لبناء دولة ناشئة وربط الجيل بخدمة الوطن. لم تكن الموارد وفيرة، لكن الرؤية كانت محددة، والتنفيذ منضبطًا، فكان التعليم أداة تأسيس. ثم جاء قانون عام 1964 في سياق توسع مؤسسي شامل، فارتبط التعليم بمشروع تحديث الإدارة العامة وبناء جهاز كفؤ. وفي تلك المرحلة تمتعت الجامعة الأردنية باستقلال أكاديمي فعلي، ما أتاح تخريج جيل أسّس لإدارة عامة فاعلة، وقطاع خاص ناشئ، وكفاءات طبية وهندسية وتعليمية ذات حضور إقليمي.

غير أن البيئة تغيرت. توسعت الجامعات، تضخمت أعداد الطلبة، واتسعت الفجوة بين المخرجات وسوق العمل. وتراجعت الاستقلالية تدريجيًا لصالح مركزية إدارية مكثفة، وغيرها من المرجعيات. هنا يبرز السؤال الحاسم، هل تراجع النص عن صلابته، أم تراجعت فلسفة التطبيق؟ وهل انتقل التعليم من مشروع سيادة إلى إدارة أعداد؟

الدول التي أعادت تموضعها في النظام العالمي لم تعتمد نصوصًا إنشائية، بل هندسة قانونية تربط التعليم مباشرة بالاقتصاد والبحث والابتكار. في كوريا الجنوبية ارتبط التشريع بمنظومة بحث وتطوير صارمة ومعايير دقيقة لاعتماد البرامج، واستثمار كثيف في العلوم والهندسة. وفي سنغافورة بُني القانون على إعداد "إنسان المستقبل" عبر تأهيل مهني عالٍ للمعلم، ومناهج قائمة على الكفايات، وتقييم يقيس التفكير النقدي وحل المشكلات. أما فنلندا فاختارت استقلالية المدارس والمعلم، وتقليل الاختبارات المعيارية لبناء مهارات طويلة المدى. وفي تايوان دُمج التعليم الصناعي المتقدم بالبحث التطبيقي وربطت الجامعات بمجمعات التكنولوجيا. بينما جعلت إستونيا التعليم الرقمي ركيزة سيادية منذ استقلالها عام 1991 ضمن بنية تشريعية ملزمة.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس جمال الصياغة، بل هندسة القانون، ووضوح الفلسفة، تحديد الكفايات بدقة، وربط التمويل بالأداء، ومنح استقلالية حقيقية مقابل مساءلة صارمة، وتعريف التقييم بوصفه قياسًا للقدرة لا مجرد عبور شكلي. هناك، القانون أداة تحوّل لا إطار إدارة.

من هذا المنظور تُقرأ مسودة قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية 2026. فليست كل لحظة تشريعية لحظة تحوّل، بعض القوانين تُكتب لإدارة الواقع، وأخرى لإعادة تعريفه. المسودة تبدو إصلاحية من حيث إعادة هيكلة المؤسسات وربطها المعلن بسوق العمل، وإنشاء مجلس تربية وتعليم وطني بصلاحيات واسعة. غير أن التدقيق يكشف إشكالات بنيوية تمس جوهر الفلسفة لا شكل التنظيم. ويبقى السؤال، هل نؤسس لدولة إنتاج معرفي، أم نعيد تنظيم دولة استيعاب تقليدية؟

نقل بعض النصوص الدستورية إلى القانون قد يُقرأ بوصفه فلسفة تكاملية تجعل القيم الدستورية مرجعية تنفيذية. غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الاستدعاء الرمزي، بل في تحويل المبادئ إلى التزامات قابلة للقياس. فالدستور يجيب عن سؤال "لماذا"، أما القانون فعليه أن يجيب عن "كيف".

تكشف مادة التعريفات عمق الفلسفة الحاكمة للقانون. فالتعريف ليس تفصيلًا لغويًا، بل عدسة تُقرأ من خلالها بقية المواد. من الناحية الشكلية المادة منظمة، لكن من الناحية الاستراتيجية، نجد ملاحظات جوهرية. تعريف التعليم العالي "كمرحلة زمنية" لا كإطار كفايات يعكس منطقًا إداريًا لا معرفيًا. وهنا السؤال، هل التعليم العالي، زمن أم قيمة. وتعريف المناهج بوصفها "مجموعة مقررات" يعيد إنتاج فلسفة الحصص بدل فلسفة المهارات، ويُبقي ثقافة الحفظ متقدمة على التفكير النقدي والعمل الجماعي والمهارات الرقمية والتعلم القائم على نتائج قابلة للقياس. السؤال هل هذا التعريف سليم امام فلسفة القرن 21. أما تعريف "حقل التخصص" بصيغة فضفاضة لا تميز بين البرنامج الأكاديمي والمسار المهني والشهادة التقنية والدرجة العلمية، فيفتح الباب لتوسعات غير منضبطة بمسميات أكاديمية.

الأخطر أن النص يعرّف الهياكل أكثر مما يعرّف الفاعلين. لا تعريف دقيقًا للمعلم بوصفه مهنيًا مرخّصًا له مسار احترافي وتطوير إلزامي ومساءلة قائمة على الكفاءة، ولا للطالب بوصفه صاحب حق تعليمي متكافئ يُقيَّم وفق معايير شفافة. هذا الخلل ليس مسألة شكلية، بل مؤشر فلسفي عميق.

كما يعكس تعريف الكتب المدرسية، مركزية مغلقة في إنتاج المعرفة، من دون فتح المجال لموارد تعليمية مفتوحة وتعددية المصادر الرقمية. أما تنظيم المراكز الثقافية وبرامج التدريب القصيرة من دون إطار جودة قانوني صارم وارتباط ملزم بسوق العمل، فينذر بتضخم شهادات محدودة القيمة الاقتصادية.

وفي ملف التقييم، وهو قلب الفلسفة التعليمية، ينبغي أن يقوم على ثلاثية واضحة، النزاهة، والعدالة، والثقة المجتمعية. حماية سرية الامتحان ضرورة، لكن تحصين القرارات من المراجعة الإدارية أو القضائية يمس جوهر الحوكمة الرشيدة. الفارق جوهري بين حماية الوثيقة من الإفشاء وحماية القرار من المساءلة. العدالة الإجرائية لا تُضعف النظام، بل تمنحه شرعية. فالتقييم تعبير صريح عن رؤية الدولة للإنسان، وهل نقيّم لبناء المهارة أم لفرز الدرجات؟

ان التعريفات الواردة في القانون تعكس توجه إداري تنظيمي أكثر من كونه إصلاحيًا تربويًا، وغياب فلسفة واضحة للتعلم الحديث، وتركيز على الضبط والترخيص أكثر من الجودة والمخرجات، وتعريفات تقليدية لا تعكس اقتصاد المعرفة، بل تعكس عقلية إدارية تقليدية، لا فلسفة تربوية تقدمية.

وعلى مستوى الحوكمة، تمنح المركزية المكثفة مجلس التربية والتعليم الجديد، موقعًا محوريًا في رسم السياسة التعليمية، وتمنح الوزير صلاحيات واسعة. غير أن تضخم الصلاحيات من دون حدود دقيقة قد يحوّل المجلس من عقل استراتيجي إلى مركز ثقل تنفيذي. المركزية قد تضبط الإيقاع، لكنها تُقيّد الابتكار، ما لم تُوازن باستقلال أكاديمي وإداري ومالي واضح مقابل مساءلة قائمة على الأداء.

وتزداد الإشكالية بوجود رئيس هيئة الاعتماد في مجلس صنع القرار، إذ يختلط قرار صنع السياسة، والقرار التنفيذي بالدور الرقابي، فتتآكل المسافة المؤسسية اللازمة للموضوعية. ويخلق تضاربًا وظيفيًا ويضعف الرقابة. الفصل بين من يصوغ السياسة ومن يراقب تنفيذها ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرط جودة وثقة عامة.

وتتعمق الإشكالية في غياب نص صريح لمن سيقوم بالتنسيب بتعيين رؤساء الجامعات الرسمية. اختيار رئيس الجامعة قرار يحدد هوية المؤسسة ووزنها البحثي وصلتها بالاقتصاد والمجتمع. الغموض هنا يفتح باب الاجتهادات ويخلط بين الدور السياسي في رسم السياسات والدور الأكاديمي في قيادة المعرفة.

في المستوى الأعمق، في العصر الحديث قوانين التعليم ليست دفتر تنظيم، بل أداة تموضع وطني في اقتصاد المعرفة. أي تشريع لا يربط التعليم بمرصد مستقل لبيانات سوق العمل، ومجالس قطاعية، وتمويل قائم على الأداء، وإطار رقمي ملزم يدمج الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والبرمجة ضمن المهارات الأساسية، سيبقى إطارًا شكليًا يعيد إنتاج الفجوة بين المؤهل والمهارة. فالتعليم بناء قدرة لا نقل معلومة، ومسار ممتد لتشكيل إنسان قادر على التفكير النقدي، والابداع، واتخاذ القرار.

السؤال الجوهري ليس كم أنشأنا من مجالس (ما زالت تجربة المجالس القطاعية في هيئة تنمية وتطوير المهارات، والتي لم تصمد أكثر من 5 سنوات)، بل هل شيّدنا منظومة تُنتج مهارة حقيقية وتواكب تحولات الاقتصاد؟ فالتشريع المتقدم لا يعلن النوايا، إنه يبني آليات تقيسها وتحاسب عليها.

الملك، أكد مرارًا أن الأردن ينبغي أن يتحول إلى دولة إنتاج واقتصاد معرفي وتمكين شبابي. غير أن الرؤية لا تتحول إلى واقع إلا حين تُترجم إلى قواعد ملزمة، وآليات قياس، ومساءلة واضحة. فالرؤية يجب ان تجد سندها في نصوص تنفيذية دقيقة، وقوة قانونية، ولنا تجارب في الإخفاقات التنفيذية.

التجارب المقارنة تثبت أن الفارق بين النجاح والتعثر ليس في الموارد، بل في فلسفة التعليم. في التجارب الناجحة، التعليم مشروع سيادة طويل المدى ومحرك اقتصاد وعدالة اجتماعية. أما حين يُختزل إلى إدارة ملفات أو استجابة ظرفية، فإنه يفقد روحه ويتحوّل إلى إجراء بلا أثر استراتيجي.

أن إدارة التحفظات بصمت مؤسسي تطرح سؤالًا مقلقًا، لماذا لا يُدار الخلاف في نقاش وطني شفاف؟ التجارب المقارنة تثبت أن الجدل الصريح ضمانة الإصلاح، وأن تمرير تشريعات مصيرية بلا مساءلة علنية يُنتج أزمات لاحقة تُكلّف الدولة سنوات من التصحيح، ولنا في ذلك تجارب.

صحيح أن المسودة تتضمن إيجابيات تنظيمية، وتوحيد هياكل، وضبط صلاحيات، وإشارات إلى الكفايات، ودعم اجتماعي للطلبة، لكنها تبقى تحسينات إدارية أكثر من كونها إعادة تأسيس لفلسفة التعليم.

كما ان النصوص، تحتوي مفاهيم غير واضحة، مثل انشاء صندوق الضمان الاجتماعي، وهو غير صندوق التكافل الاجتماعي (حسب المادة 14)، وكأنه لا يوجد لدينا مؤسسة ضمان اجتماعي، الا إذا كان هناك شيء غير مفهوم، وفرض ضريبة معارف بقيمة 2 (حسب المادة 16) على كل شاغر عقار، مالكاً او مستأجراً، وهي غير ضريبة المسقفات المتعارف عليها؟ وكان المواطنين ينقصهم مزيداً من الضرائب، او ان التعليم مجاني؟

في النهاية، التعليم مشروع سيادي، لا مجرد إدارة ملفات. نحن لا نعدّل قانونًا فحسب، بل نعيد تعريف موقع الدولة في معادلة المعرفة. إما أن يتحول النص إلى وثيقة تأسيسية لدولة إنتاج معرفي، بمنطق إلزامي قابل للقياس، فنفتح عقدًا من الصعود المستدام، أو يبقى إطارًا إداريًا يُحسّن الشكل ويؤجل التحول.

القوانين الكبرى لا تُقاس بعدد موادها ونصوصها، بل بقدرتها على نقل الدولة من نموذج إلى آخر. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يجوز تأجيله، هل نكتب قانونًا يرضي اللحظة، أم نصًا يصنع مستقبل الدولة؟ فالتعليم ليس قطاعًا داخل الدولة، إنه مصنع السيادة ذاته.

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير