الأنباط -
تقليص أيام العمل في القطاع العام
حماده أبو نجمة
ما تطرحه الحكومة حول دراسة إعادة تنظيم أسبوع العمل في القطاع الحكومي من خلال تمديد عطلة نهاية الأسبوع إلى ثلاثة أيام يهدف أساسا إلى ترشيد كلف التشغيل في المباني الحكومية وتخفيف الضغط المروري وكلف النقل والطاقة بالتوازي مع التوسع في الحكومة الإلكترونية وتقديم الخدمات الرقمية.
غير أن النقاش حول هذه الفكرة يرتبط حكما بطبيعة العمل الحكومي وجودة الخدمة العامة وقدرة الإدارة العامة على التكيف مع يوم عمل أطول وعدد أيام عمل أقل، كما يرتبط بواقع اجتماعي واقتصادي أوسع لا سيما في ظل الفجوة القائمة بين أنماط العمل في القطاعين العام والخاص.
من منظور معايير العمل الدولية ينظر إلى تنظيم وقت العمل كجزء أساسي من مفهوم "العمل اللائق" الذي يربط بين حماية الصحة وتحسين الإنتاجية والاستدامة وتقليل الهدر وليس كمسألة إدارية محضة، فمنظومة معايير العمل الدولية لم تكتف بوضع سقف أعلى لساعات العمل بل انتقلت إلى الدعوة لتقليل الزمن المخصص للعمل باعتبار ذلك أداة لتحسين الأداء وجودة المخرجات وليس عبئاً اقتصادياً.
وتكتسب هذه الخلفية المعيارية أهمية خاصة في الحالة الأردنية إذ أن ساعات العمل المعمول بها حالياً في القطاع الحكومي تبلغ سبع ساعات يومياً ولمدة خمسة أيام في الأسبوع، أي ما مجموعه خمس وثلاثون ساعة عمل أسبوعياً، وهو مستوى يقع أصلاً ضمن النطاق الذي تستهدفه الاتجاهات الدولية الحديثة لتقليص زمن العمل، وفي المقابل يعمل القطاع الخاص وفق سقف يصل إلى ثمان وأربعين ساعة أسبوعياً، وهو أمر يعكس فجوة بنيوية في سوق العمل لا يعالجها المقترح المطروح.
الفكرة المطروحة تمثل تحولاً إلى نموذج ضغط ساعات العمل الأسبوعية عبر إطالة يوم العمل إلى ثماني ساعات ونصف أو تسع ساعات، وهو تحول ينقل النقاش من سؤال حول "كم نعمل؟" إلى سؤال "كيف نعمل؟" وبأي كلفة على جودة الخدمة والجهد الذهني سيكون ذلك؟
في القطاع الحكومي تحديداً لا يقاس الأداء بعدد ساعات التواجد في مكان العمل بل بجودة الخدمة المقدمة للمواطنين وسرعة إنجاز المعاملات وحسن اتخاذ القرار والتفاعل المهني مع الجمهور، وتشير التجارب المقارنة إلى أن إطالة يوم العمل تؤثر سلباً في هذه العناصر خصوصاً في الساعات الأخيرة من الدوام حيث يظهر أثر التعب الذهني بوضوح في الأعمال الإدارية والخدمية التي تعتمد على التركيز والدقة، وأي تراجع في جودة الخدمة أو زيادة في زمن الانتظار سينعكس مباشرة على رضا المواطنين وثقتهم بالمؤسسات العامة.
وهنا يطرح السؤال حول الجاهزية المؤسسية بوصفها العامل الحاسم في تقييم هذا الخيار، فالدول التي أعادت تنظيم وقت العمل بنجاح لم تفعل ذلك عبر تعديل جدول الدوام فقط بل عبر إعادة تصميم شاملة للخدمة العامة شملت رقمنة الإجراءات من البداية إلى النهاية وتقليل الهدر الإداري وتبسيط الموافقات وإعادة توزيع عبء العمل زمنياً، وفي غياب هذا المستوى من الجاهزية يتحول تقليص أيام العمل إلى ضغط إضافي على الموظف والمواطن معاً بدل أن يكون أداة تحسين.
فالدول التي اختارت تخفيض مجموع ساعات العمل الأسبوعية مثل فرنسا أو آيسلندا فعلت ذلك في إطار إصلاحات تنظيمية أوسع هدفت إلى رفع الكفاءة وتقليل الإرهاق، أما الدول التي لجأت إلى ضغط نفس الساعات في أيام أقل كما في بعض التجارب الأوروبية فقد واجهت تحديات واضحة تتعلق بالإرهاق وجودة الأداء، وهو ما جعل هذا النموذج أكثر حساسية خصوصاً في القطاعات الخدمية، وفي التجربة الإماراتية نجد أن إعادة تنظيم أسبوع العمل في القطاع الحكومي لم تتم إلا كجزء من مشروع إصلاح إداري متكامل يقوم على قياس الأثر وتحسين الخدمة لا على تغيير شكلي في عدد الأيام، وهو درس بالغ الأهمية للحالة الأردنية.
ولا يمكن التغاضي عن البعد الاجتماعي لهذا الخيار فتطبيق نموذج أربعة أيام عمل مع يوم عمل أطول في القطاع الحكومي وفي سوق يعمل فيه القطاع الخاص ستة أيام وبساعات أطول سيقرأ اجتماعياً على أنه توسيع للفجوة بين القطاعين حتى لو كانت دوافع القرار إدارية ومالية، وهذه القراءة الاجتماعية تمثل عاملا مؤثرا في قبول السياسات العامة واستدامتها.
اقتصادياً قد يحقق إغلاق المباني الحكومية يوماً إضافياً وفورات في الطاقة والنقل لكن هذه الوفورات ليست مضمونة وقد تقابل بكلف بديلة ناجمة عن ازدحام أكبر في أيام العمل المتبقية أو زيادة العمل الإضافي لتغطية تراكم المعاملات أو تمديد تشغيل الأنظمة لساعات أطول يومياً، وهو ما يعني أن أي وفر مالي محتمل لا يمكن فصله عن أثره على جودة الخدمة وكفاءة الأداء.
في المحصلة لا يمكن فصل عناصر هذا النقاش عن بعضها البعض، فإعادة توزيع ساعات العمل على أربعة أيام وضغط الزمن اليومي وأثر ذلك على الخدمة العامة وانعكاسه على الفجوة بين القطاعين العام والخاص كلها حلقات في سلسلة واحدة، وإذا كان الهدف الحقيقي هو تحسين الأداء الحكومي وتقليل الكلف ودفع الحكومة الإلكترونية إلى الأمام فإن الإطار الأكثر اتزاناً يكمن في الإصلاح أولا ثم إعادة تنظيم وقت العمل وليس العكس