عالم تُدار فيه الدول قبل أن تُهاجم والقوة تقاس بما تختزنه الأرض من ثروات
اعتقال مادورو يرسل إشارات دولية، والاحتياطيات النفطية الكبيرة بين أدوات تفاوض وفرص اضطراب للأسواق
الأنباط – عمر الخطيب
بلاسمة : عودة نفط رخيص تُبطئ الاستثمار وتعيد هيكلة الطاقة
عقل : صدمة محدودة للأسواق رغم التغييرات الكبيرة في فنزويلا
أصبح الزمن يقاس بإعادة رسم قواعد اللعبة نفسها وليس بالقوة العسكرية فقط حيث تُصنع السيطرة في غرف الإدارة قبل أن تُلوَّح في ساحات المواجهة ويصبح الفعل غير المتوقع أقوى من أي ضربة مباشرة، في هذا العالم لا تُحمى الأنظمة بقدر ما تدار الخسائر ولا تُنقذ الأفراد وإنما تُصان المنظومات وتتبدل السيادة من شعار سياسي إلى معادلة بقاء مرتبطة بما تختزنه الأرض من ثروات لا بما يرفع فوقها من أعلام.
التحرك الأميركي تجاه فنزويلا هو تهديد واضح لإعادة ضبط النفوذ العالمي رسالة تقول "نحن هنا ومن يخرج عن الخط يُعاد ضبطه أو يُكسر"، هنا تتجلى الدولة العميقة بـ أوضح صورها؛ الهدف هو الاستمرارية لا الكرامة والبقاء لا القرار والعقوبات هي ادة تفاوض تُظهر أن الصمود وحده لا يكفي وأن تغيير السلوك هو مفتاح النجاة.
ورغم حساسية المشهد، بقيت أسواق النفط هادئة نسبيا لأن الإنتاج الفنزويلي الفعلي لا يتجاوز مليون برميل يوميا والفائض العالمي وضعف القدرة على الإنتاج يجعل الصدمة محدودة، أي عودة تدريجية للنفط الفنزويلي بعد رفع العقوبات واستثمارات ضخمة ستضع أوبك+ أمام تحديات جديدة، لكنها لن تخلق انهيارا فوريا.
المفارقة هنا أن النفط كـ قوة سياسية واقتصادية يمكن أن يكون سلاحا هائلا ، لكن ما أضعف أن تمتلك قوة لا تعرف التحكم بها وأن تخاف من العقوبات بينما تحوي تحت الأرض خُمس الاحتياطي العالمي.
فهل تسعى واشنطن لإعادة ضبط فنزويلا، أم لإرسال رسالة لكل منتج نفطي السيادة بلا قرار ليست نعمة بل عبء؟ وهل تدرك كاراكاس أن أكبر مخاطرها ليست فقدان النفط وإنما العجز عن استخدامه بذكاء
الدولة العميقة ومنطق النجاة
بين خبير الطاقة الدكتور فراس بلاسمة أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن قراءته كـ حدث أمني أو سياسي معزول وأنما كـ عملية "تسليم محسوبة" داخل بنية الدولة العميقة هدفها الأساسي تقليص الخسائر النظامية لا حماية الأشخاص، مؤكدا أن الدولة العميقة حين تختار التخلي عن رأس النظام يكون للحفاظ على استمرارية الدولة بوصفها هيكلًا وظيفيًا، حتى وإن كان ذلك على حساب السيادة الرمزية والكرامة السياسية.
وأشار بلاسمة إلى أن سرعة الاعتقال و صمت أدوات الحماية و غياب أي كلفة داخلية على الطرف الأمريكي تكشف عن ميزان قوى مختل تُدار فيه الشرعية كـ أداة ضغط وتستخدم شعارات الحرية كـ غطاء لـإعادة ضبط النفوذ، مبينا أن الأخطر من سقوط الشخص هو قبول منظومة الحكم بـ منطق "الإذعان الوقائي" أي التسليم لـ تفادي الفوضى والتنازل لـ تجنّب الانهيار، ما يفتح سؤالا سياديا عميقا حول معنى الدولة حين تدار بـ منطق النجاة لا بـ منطق القرار.
النفط يعيد ترتيب النفوذ
أما على الصعيد الطاقي، أوضح بلاسمة أنه في حال صح سيناريو فكّ الارتباط بين الدولة الفنزويلية والقيادة السياسية السابقة، سواء عبر تسليم أو إخراج أو تحييد، فإن العالم سيكون أمام تحول في قواعد اللعبة وليس مجرد تغيير سياسي ففنزويلا ليست دولة هامشية في قطاع الطاقة وإنما تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم وتشكل عقدة سياسية -طاقوية في منظومة العقوبات الدولية، مبينا أن أي تفكيك للأزمة السياسية قد يفتح الباب أمام تخفيف تدريجي للعقوبات، وعودة النفط الفنزويلي إلى الأسواق العالمية ما يسهم في كسر جزء من اختناق الإمدادات، مؤكدا أن هذا السيناريو سيقلل من هشاشة السوق وخلق ضغط نزولي متوسط على أسعار النفط، لان الأسواق تتفاعل مع التوقعات بالإضافة الى الواقع.
وأضاف بلاسمة أن مجرد الإحساس بإمكانية عودة دولة نفطية كبيرة إلى السوق، ومراجعة نظام العقوبات المفروضة عليها كفيل بـ تخفيف علاوة المخاطر الجيوسياسية وتهدئة الأسعار نسبيا دون أن يصل ذلك إلى حد الانهيار، مشيرا إلى أن الأثر الأعمق سيكون داخل "أوبك+" حيث ستربك العودة التدريجية لـ فنزويلا حسابات الحصص وخطط الخفض الطوعي وإدارة المعروض ما يفرض ضغوطا إضافية على المنتجين مرتفعي الكلفة والدول التي تعتمد على سعر توازني مرتفع.
وتابع بلاسمة أن ما يحدث يبعث رسالة خطيرة للدول الخاضعة للعقوبات مفادها أن العقوبات ليست أبدية لكنها مشروطة بـ تغيير سلوكي لا بـ صمود رمزي وهو ما سيؤثر مباشرة على حسابات دول طاقوية أخرى تعيش عزلة أو اشتباكا سياسيا طويل الأمد مع الغرب، لافتا الى أن الولايات المتحدة تعزز نفوذها في أسواق الطاقة العالمية من خلال التحكم بـ مفاتيح العقوبات وفتح وإغلاق "صنابير الشرعية" وإعادة إدماج أو عزل المنتجين ما يعيد تثبيت دورها كـ منظم غير رسمي لـ سوق الطاقة العالمي.
وأشار إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن عودة نفط رخيص نسبيا وتخفيف الضغوط السعرية سيؤديان إلى إبطاء نسبي للاستثمار في الطاقة المتجددة في بعض الأسواق وتراجع الحافز السياسي للتحول السريع، إلا أن الدول الذكية ستستغل هذا الاستقرار لإعادة هيكلة قطاعاتها الطاقية لا للاسترخاء.
الاستقرار فرصة لا بديل
أما بالنسبة للدول المستوردة للطاقة مثل الأردن، أكد بلاسمة أن أي تهدئة في أسعار النفط ستنعكس إيجابا على الميزان التجاري وكلفة الكهرباء والنقل والصناعة، محذرا من الاعتماد على تحسن خارجي دون إصلاح داخلي يشكل "وهمًا استراتيجيا" مشددًا على أن الاستقرار العالمي يجب أن يكون فرصة لإصلاح الداخل لا بديلا عنه، وأن ما سيحدث لا يمثل انتصارا سياسيا ولا انهيارا لـ سوق الطاقة وإنما إعادة ضبط هادئة لـ منظومة الطاقة العالمية تقوم على قاعدة واضحة وهي "من يلتزم بالقواعد يعاد إدماجه ومن يتحداها يدار بالضغط لا بالانفجار" مؤكدا أن الطاقة ستبقى اللغة السياسية الأوضح والأكثر براغماتية والأقل عاطفية.
تداعيات سياسية لاعتقال مادورو
ومن جانبه، قال خبير الطاقة هاشم عقل أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن فصله عن السياق السياسي الدولي إذ شكل اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو تطورا بالغ الحساسية، لكنه لم يترجم إلى صدمة فورية في الأسواق العالمية مضيفا أن الخطوة الأمريكية (رغم ما أثارته من إدانات دولية) تعكس مقاربة تقوم على إدارة التحولات السياسية في الدول الغنية بالطاقة من خلال أدوات الضغط والشرعية وليس عبر المواجهة العسكرية المباشرة، مؤكدا أن الجدل القانوني حول شرعية مادورو في ظل عدم اعتراف واشنطن بـ نتائج انتخابات 2024، وفر غطاء سياسيا للتحرك الأمريكي دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار إقليمي أو اضطراب واسع.
الفائض العالمي يهدئ السوق
وفيما يتعلق بالجانب الطاقي، أوضح عقل أن محدودية تأثير الحدث على أسعار النفط تعود إلى واقع الإنتاج الفنزويلي الحالي الذي لا يتجاوز مليون برميل يوميا، أي أقل من 1% من الإنتاج العالمي، على الرغم من امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، مشيرا إلى أن استمرار الفائض العالمي في الإمدادات وعدم تعرض البنية التحتية النفطية الفنزويلية لأضرار مباشرة ساهم ذلك في تهدئة رد فعل الأسواق، مشددا على أن أي عودة تدريجية وقوية للنفط الفنزويلي في حال تخفيف العقوبات ودخول استثمارات أمريكية، ستضع تحديات حقيقية أمام تحالف "أوبك+" وسيربك حسابات الحصص وخطط إدارة المعروض خاصة للدول مرتفعة الكلفة.
صدمة محدودة لأسعار النفط والدول المستوردة
اقتصاديا، أشار عقل أن الأسواق تعاملت مع الحدث بـ وصفه "صدمة محدودة" لما يشهده النفط من تراجع في الاسعار بـ نحو 20% خلال عام 2025، وتوقعات وكالة الطاقة الدولية باستمرار فائض الإمدادات خلال عام 2026، مرجحا أن يكون التأثير على الأسعار في المدى القصير محصورا ضمن ارتفاع طفيف مرتبط بـ علاوة المخاطر الجيوسياسية بينما يميل الأثر المتوسط والطويل الأمد نحو الضغط النزولي إذا رفعت العقوبات وتعزز المعروض العالمي.
وفيما يتعلق بـ الدول المستوردة للطاقة مثل الأردن، فيشير إلى أن التطورات الحالية لن تنعكس فورا على تسعيرة المحروقات وأن الاتجاه العام يبقى نحو الاستقرار أو الانخفاض الطفيف ما دام فائض العرض العالمي قائما.