البث المباشر
رئيس الوزراء يصدر بلاغاً لترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسَّسات الحكوميَّة بمشاركة الأردن.. اجتماع وزاري خليجي روسي لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية الأشغال تباشر أعمال صيانة لمدخل مدينة العقبة حماية المستهلك: تثمن قرار دولة رئيس الوزراء بوضع سقوف سعرية ليس تغيير أسماء.. بل تغيير نهج: الوطن أمانة فوق الحسابات والتيارات بدعم من "صناعة عمان" حضور مميز للمنتجات الأردنية في فعاليات البازار الخيري الدبلوماسي الدولي في كينيا الكويت: وفاة شخص وأضرار جسيمة في هجوم إيراني على محطة للكهرباء وتقطير المياه أجواء غائمة جزئياً اليوم وارتفاع درجات الحرارة يومي الثلاثاء والأربعاء لماذا نفقد شهيتنا عندما نمرض لا تتخلص من قشور الجوز!.. فوائد صحية مذهلة 4 أنواع نادرة للخرف لا علاقة لها بالذاكرة! مقتل عامل هندي في هجوم إيراني على محطة كهرباء في الكويت لا تسمعوا لهم ... لأنّ وعيُنا هو درعُنا نور العامري .. كل عام وأنتِ بألف خير الأرصاد : تقلبات جوية وارتفاع تدريجي على الحرارة يتخلله أمطار متفرقة ترامب: الإيرانيون يرغبون بشدة في التوصل إلى اتفاق وكالة الطاقة الذرية: المحطة النووية في خنداب بإيران خرجت من الخدمة مصرع 17 شخصا وإصابة 26 جراء فيضانات في أفغانستان وزير الخارجية يشارك بالاجتماع الوزاري لجامعة الدول العربية قرارات مجلس الوزراء

انزلقت الغريزة إلى الغنيمة

انزلقت الغريزة إلى الغنيمة
الأنباط -
المحامية هبة أبو وردة
منذ بدء الخليقة، كانت لقمة العيش سؤالَ البقاء الأول، ونداءَ الجسد في وجه الطبيعة. لكن في هندسة النفوذ، لا تتعامل القوى الكبرى مع الأشياء بوصفها محايدة؛ فكلّ أداة قابلة للتحوّل إلى سلاح، وكلّ حاجة قابلة لأن تصبح وسيلة سيطرة؛ وهكذا انزلقت الغريزة إلى الغنيمة، والغذاء إلى منظومة عقيدة.
في فكر الجيوبوليتيك الحديث، لم يعد الخبز مجرد حقّ بيولوجي، بل صار امتيازًا سياسيًا، والسيادة باتت تُقاس بمدى قدرة الدولة على التحكم بتدفّق الغذاء، وعلى استخدامه أداةً لتأديب الخصوم، ومكافأة الحلفاء، وتفكيك الشعوب من الداخل؛ فمن يُمسك بخيوط الطعام، يُمسك بخيوط القرار، ومن يُجوّع يُصادر الكلمة، ويزرع الخضوع على هيئة رغيفٍ نادر.
في أغلب جيوش العالم، تسبق المعركةَ الهتافات، أما في المؤسسة العسكرية الأميركية، فتسبقها "وجبة الطمأنينة المُبرمجة”، شريحة "ستيك” معتّقة، سلمون مدخّن وشوكولاتة مستوردة، وكأن الذوق بات جزءًا من العقيدة القتالية، وكأن الطعام نفسه أصبح بيانًا استراتيجيًا مغلّفًا بورق القصدير؛ حيث لا يُرفع السوط، قبل أن تُرفع أغطية الصحون اللامعة.
في فلسفة الجاهزية الأميركية، لا يُشحَذ السيف قبل أن تُشحَذ الشوكة، ولا تُرفع الراية إلا بعد أن تُرفع أغطية الصحون؛ فالانضباط هناك يُروَّض بترف المائدة، لا بصرامة التدريب، الجندي الأميركي يُدلّل، يُكافَأ، تُدار رغبته قبل سلاحه، ويُصاغ ولاؤه على طبقٍ فاخر، حتى الوجبات تُصمَّم وفق البيئة النفسية والمناخية للعنصر البشري؛ لأن الانتماء يُعاد تشكيله عبر دفء الحساء، والإرادة تُروَّض بالحلويات.
وكما هو معتاد، لم يكتفِ الكيان باستلهام الدعم العسكري من واشنطن، بل تبنّى أيضًا فلسفتها في إدارة الحرب عبر المعدة؛ فكما تُبرمج أمريكا لائحة العشاء السنوي لجيوشها كأداة جاهزية نفسية ومعنوية، فقد نسجت تل أبيب نسخةً صهيونية من هندسة الجوع الأميركية، رفاهٌ مفرط داخل الثكنة، وتجويعٌ منهجي في القطاع، كأن فلسفة الحرب نفسها أصبحت تُطبَع على الرغيف.
بدأ الكيان يعتمد سياسة غذائية يفرّق فيها بين الجندي والمُحاصَر؛ حيث تفيض مائدة الأول تحت شعار "الاستحقاق السيادي”، بينما يُقصى الثاني عن الخبز بذرائع أمنية؛ ففي غزة، المشهد نقيضٌ حاد، الجوع وسيلة إذلال وتفكيك صامتة، من لا يُقتل بالقصف، يُترك ليختنق جوعًا، ومن ينجُ من القذيفة، لا ينجو من كأس الماء الفارغ.
بيوسياسة احتلال تُمارس عبر المعدة، حيث كل لقمة تُمنَع هي قرارٌ عسكري، وكل بكاءٍ على مائدةٍ فارغة هو جزء من العقيدة التي ترى أن التجويع يُجفّف روح المقاومة، فقد تم "هندسة الجوع”، وتحويله إلى سلاحٍ ناعم، خفيّ، بلا صفارات إنذار؛ والتغاضي عن هذا النمط من الحرب، هو إعلانُ موتٍ بطيءٍ للأخلاق السياسية، وإلغاء غير معلن لمفهوم "الإنسان المدني” من قاموس الحماية الدولية.
ففي القانون الدولي، يُصنّف تجويع المدنيين كجريمة حرب بموجب البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، لكن الأخطر الأكبر من الجريمة، هو أن تتحوّل إلى سياسة مسكوت عنها، ويدخل العالم في منظومة كارثةٍ أخلاقية ممنهجة، بين شمالٍ تُصاغ فيه الطاعة بالبروتين، وجنوبٍ يُؤدَّب فيه الإنسان بالجوع.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير