بين عصرين ( العصر الذهبي والعصر المذهبي) كيف تنهض الأمة من جديد؟

بين عصرين  العصر الذهبي والعصر المذهبي كيف تنهض الأمة من جديد
الأنباط -
حازم الراوي
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد الصادق الأمين وعلى أهل بيته عليهم السلام وعلى صحابته الكرام ، ومن تبع هداه ومنهجه إلى يوم الدين ..
بعد ما أصاب الأمة العربية حاملة راية الإسلام من وهن وهوان ، وبعد ما تفرقت إلى أشياع وفرق وأطياف ، وبعد الابتعاد عن منهج الحياة الذي رسمه لنا القرآن الكريم وسنة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم ، وابتداع ما لم ينزله الله تعالى وما لم يفعله أو يقله أو يقرره نبينا وحبيبنا وقائدنا وأسوتنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعد ما انتشرت الفتاوى والأقاويل والأحاديث والرؤى المتناقضة والمتقاطعة خلال وسائط التواصل الاجتماعي ، وبعد ظهور الفتنة التي نعيش مآسيها الآن والتي كثر فيها القتل بين المسلمين أنفسهم بدافع التكفير وانتشار الطائفية المقيتة ، والتي أشار لها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، حيث جاء في قوله: (يتقارب الزمان ، وينقص العلم ، ويلقى الشُّحُّ ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج) . قالوا : يا رسول الله ، أيُّما هو ؟ قال : القتل القتل . ). وأضحت الفتية هي أساس الفتنة بعدما أفتى كل من هب ودب بغير علم ، أو بقصد إيقاظ الفتنة النائمة .
ومن كل هذا كان لا بد من وضع حدود لهذه الفوضى ، والانتقال من ظلمات الجهل والتخلف إلى أنوار المعرفة والعلم . هذه الحدود التي ينبغي أن ترتكز على معيار ثابت وخط فهم وتفاهم مشترك لجميع المؤمنين بغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم دون خلاف أو اختلاف.
وإذا كان من يشكك ببعض الأحاديث النبوية الشريفة فيصنفها إما أنها موضوعة أو ضعيفة ، فلا يعتمدها . فان الجميع يتفق أن لا خلاف على النص القرآني بحكم قول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ).
وهنالك الكثير من النظريات والأفكار التي دعت وتدعو إلى عدم الفرقة ونبذ ثقافة الكراهية والتطرف والغلو الذي يفضي إلى التشتت والاختلاف دون التوحد والائتلاف ، إلا أننا نرى أن أفضل وأسلم سبيل لتحقيق ذلك هو في عدم جعل الاختلاف في التفاصيل والجزء يتطور إلى مستوى النقمة على الأمة بدلا من الرحمة المرجوة . ولعل ذلك يشكل خط شروع لنهوض الأمة من جديد كما كانت عليه في العصور الذهبية .
ومن هنا جاءت فكرة القاء الضوء على الخطاب الإلهي المباشر الذي خص به سبحانه وتعالى كافة عباده المؤمنين دون استثناء بغض النظر عن ما هم عليه الآن من مذاهب وطوائف. فيضع لهم منهج موحد لا يقبل التجزئة ، ومتكامل للحياة في العقائد والعبادات والمعاملات والمحرمات وحفظ الدين والآداب والأخلاق . والخطاب الإلهي المباشر جاء بكافة الآيات القرآنية الكريمة التي خاطب بها الله عباده المؤمنين بصورة مباشرة بقوله سبحانه(يا أيها الذين آمنوا ) فوجدناها تسع وثمانين آية شاملة لكافة أوجه الحياة الدنيا وأوامر الله تعالى ونواهيه فيها. ونجد في هذه الآيات تكاملا في ما على المسلم المؤمن من التزامات لا ينبغي اعتماد وتبني بعضها والتخلي عن بعضها الآخر . فلا يجوز للمؤمن أن يلتزم بالعبادات ويفرط بالمعاملات التي أمر بها الله تعالى في خطابه المباشر له ، أو يخفق بالآداب المطلوبة ، أو ينساق وفق المحرمات التي حرمها الله تعالى . وهكذا فكلها سلة واحدة يجب التمسك بها . فهل يجوز أن نؤدي الفرائض ونقتل بعضنا البعض ؟ ، أو نقيم الصلاة ونتعاطى الربا ؟ أو أن نصوم ونكذب ؟ أو أن نزكي ونسرق ؟ أو نحج ونعتمر ونغتاب الآخرين؟
وللمؤمنين مكانة خاصة عند ربهم حيث خصهم تعالى بخطاب مباشر في هذه الآيات موضوع البحث ، وكذلك حباهم الله في آيات أخرى ، كما في قوله تعالى في الآية 38 من سورة الحج ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وفي الآية 19 من سورة الأنفال ( إن الله مع المؤمنين) والآية 68 من سورة آل عمران ( والله ولي المؤمنين) والآية 171 من سورة آل عمران (وان الله لا يضيع أجر المؤمنين ) والآية 88 من سورة الأنبياء ( كذلك ننجي المؤمنين ) والآية 47 من سورة الأحزاب ( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) .
وفي تمعننا بالمفردات التي تضمنها هذا الخطاب لعموم المؤمنين حتى قيام الساعة وجدنا فيها شرعة كاملة ، ومنهج حياة شامل لأغلب الأمور التي يحتاجها المؤمن ، فلا عليه أن يتعصب لمذهب ما دون آخر ، ولا يتمسك برأي شيخ ما دون غيره ، ولا يحتار ولا يختار ، فالقرآن الكريم حسم هذا الأمر في الآيات المحكمات. ونحن هنا لا ننفي الأثر الانعكاسي الطيب لمذاهب ديننا الحنيف في المفردات والتفاصيل ، ولا ندحض آراء العلماء الأفاضل ، بل أن آرائهم في الفروع يشكل فرشة واسعة من المرونة في شرح وفهم التفاصيل والمفردات الواردة فيها وليس الأصول ، حيث اعتمدوا رحمهم الله على القرآن والسنة النبوية المطهرة كمرتكز أساسي دون أي تعارض بينهم فيما ورد فيهما من نصوص وأصول وتفسير . وجميعهم بلا استثناء أعلام كرام وسادة عظام وعلماء اجلاء ( جعفر الصادق..ابو حنيفة النعمان.. الشافعي.. مالك..احمد بن حنبل....وغيرهم) سهروا وسخروا كل جهدهم ووقتهم وحياتهم لنصرة الدين فاضحوا منارا وفنارا للهداية الى طريق الإسلام القويم..
ولكن بعد انطلاق ما يسمى بثورتي المعلومات والتكنولوجيا وانتشار القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية والهواتف الذكية وغيرها والتي دخلت بيوتاتنا دون استئذان ، وما سببته من ظهور الكثير ممن نسبوا لأنفسهم العلم ، وهم جهلة فأصدروا الفتية التي تنشر الفتنة ، أو ممن تعمد في تشويه صورة ديننا الحنيف بنشر الأفكار التي لم تأتي بها مصادر الشريعة الإسلامية السمحة في القرآن والسنة والاجتهاد والإجماع والقياس أو حتى الاستحسان.. كان لابد من إيجاد السبيل الأوفق للعودة إلى شريعة الله تعالى التي خاطب بها المؤمن بشكل مباشر(يا أيها الذين آمنوا ) . ولعل أهم سمات هذه الآيات المحكمات أنها جاءت سهلة التعبير ، ويسيرة التفسير. فالمؤمن لا يحتاج فيها إلى التعكز على شيخ ما ، أو الاستنجاد بمذهب ما..وما عليه إلا أن يقرأها ويجسد مضامينها بسلوكه الذي يكسب به الأجر ويضمن به الثواب ، وبذلك تتوحد الرؤى للجميع فلا فرقة ولا تطرف لهذا أو ذاك ، فتنهض الأمة من جديد ..
تابعو الأنباط على google news
 
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الأنباط © 2010 - 2021
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الأنباط )