البث المباشر
Kazakhstan Prepares for High-Level Diplomatic Week with International Leaders المنطقة العسكرية الشرقية تحبط محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة مديرية الأمن العام تدعو إلى أخذ الحيطة والحذر خلال الأحوال الجوية الملك يغادر أرض الوطن متوجها إلى كازاخستان كتلة باردة تؤثر على المملكة وامطار الجمعة والسبت الأرصاد الجوية: كتلة هوائية باردة نسبياً ورطبة تؤثر على المملكة اعتباراً من وأمطار يومي الجمعة والسبت "حلم بخيانتها فقتلها" .. جريمة مأساوية تثير الصدمة في مصر "قصر الرعب" في كاليفورنيا يكشف عن جرائم صادمة ضد 26 طفلا البنوك الرقمية ... معاملات بالمليارات وتحديات أمنية تختبر ثقة العملاء أزمة الطاقة تهز العالم والنفط كيف سيجد ضالته؟ والاقتصاد العالمي إلى أين ؟ بنك الإسكان ينظم يوماً صحياً توعوياً لموظفيه بعنوان "وعيك قوة" بالتعاون مع مؤسسة الحسين للسرطان الدولة والاسلام السياسي.. تعايش الضرورة ام استئصال الوجود الفيصلي يتعثر أمام التعاون السعودي بثلاثية أسعار النفط عالميًا تهوي 9% .. وتسجل أدنى مستوى من أيلول طبابة سلاح الجو الملكي تحصل على اعتماد هيئة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) شكر على تعاز من عائلة القضاة ولي العهد يزور مجمع "تكنوبول" للعلوم والأعمال في أستونيا ولي العهد عبر إنستغرام: من لقاءاتي اليوم فخامة الرئيسة الأستونية أوله ماديسي في العاصمة تالين العيسوي يحضر تشييع جثمان والدة أيمن الصفدي في الزرقاء مجلس أمناء جامعة المملكة للعلوم الطبية يعقد اجتماعاً لمتابعة مستجدات تأسيس الجامعة وإنشاء مرافقها

ذاكرة الحاضر في رواية "عندما تزهر البنادق" لبديعة النعيمي

ذاكرة الحاضر في رواية عندما تزهر البنادق لبديعة النعيمي
الأنباط -

أَثناء مؤتمر جامعة بترا الَّذي كرِّس لصورة القدس في الرِّواية العربيَّة، في تشرين الثَّاني عام 2019 قابلتُ الدكتور عادل الأُسطى للمرَّة الأُولى وجهاً لوجه، وسأَلته، حسب حدِّ علمه، وهو القارئ النِّهم، النَّاقد، المُتابع للأَدب الفلسطينيِّ والعربيِّ الَّذي يتعلَّق بفلسطين، إن كان يعرف ثمَّة من كتب عن دير ياسين رواية، لأَنَّني كنتُ انتهيت من كتابة رواية "يس" عنها، فأَخبرني أَنَّه –حدَّ علمه- لا يعرف أَحداً كتب رواية عنها، خاصَّة، وإن كان ثمَّة الكثير من الأُدباء مرُّوا بها، وبالمجزرة من خلال أَعمالهم الرِّوائيَّة.
فوجئتُ برواية "عندما تزهر البنادق" بعد أَن تعرَّفتُ ببديعة، منذ أَسابيع، وأَهدتني نسخة منها، فوجئتُ بأَنَّ أَحداثها تدور في دير ياسين، وذلك ما شجَّعني أَكثر على قراءتها بتمعُّن، وسأَلتُ نفسي: ما الَّذي يدعو كاتبين لا تربط بينهما أَيَّة معرفة مسبقة للكتابة عن الموضوع ذاته، في اللَّحظة ذاتها؟
أَذكر أَنَّني كنتُ أُطالع باهتمام كبير تلك الأَعداد السَّنويَّة من مجلَّة الهدف الَّتي كانت تخصَّص للكتابة عن غسَّان كنفاني، وأَعماله، في ذكرى استشهاده، وأَذكر أَنَّ ثمَّة من كتب أَنَّ غسَّان الَّذي كتب في القضيَّة جلَّ أَعماله، استطاع أَن يثبت أَنَّ القضيَّة الواحدة، لها من الوجوه ما يسمح بكتابة آلاف الأَعمال المختلفة، الإبداعيَّة، ذلك لأَنَّ القضيَّة الإنسانيَّة في يد المبدع تتحوَّل إلى مادة غزيرة للكتابة.
لا بدَّ أَنَّ شرط الكتابة متعلِّق بزاوية الرؤية، وكلَّما تحرَّكت هذه الزَّاوية قليلاً تفتَّحت الآفاق برؤى مختلفة بوسعها أَن تبعث أَسئلة جديدة مختلفة.
إنَّ بعض الكتابة هي استدعاء بطريقة أَو بأُخرى للماضي، ليس من أَجل توثيق الماضي فحسب، إنَّما لجعل هذا الماضي مرآة للحاضر، وذلك ما ذهبت إليه بديعة في روايتها.
ربَّما ذلك يدفعنا إلى الاعتراف بأَنَّ الكتابة ردَّة فعل بطريقة ما حتَّى لو لم تبد كذلك، أَو بدت ردَّة الفعل هذه متأخِّرة، فالكتابة عن النَّكسة الآن، أَو النَّكبة، أَو مجزرة ما، أَو حرب ما، أَو حدث ما، لن يكون المقصود به في المحصِّلة النِّهائيَّة الحدث نفسه، فقط، إنَّما انعكاس هذا الحدث في مرآة الحاضر، سواء على الصَّعيد السِّياسيِّ، أَو الاجتماعيِّ أَو النَّفسيِّ، أَو الفكريِّ أَو غيرها، ويهيَّأُ لي أَن المحرِّض على الكتابة، أَعني المحرِّض الدَّاخليَّ اللاَّمرئيَّ هو الواقع ذاته، تطوُّراته، وانعكاسه من خلال اللاَّوعي، وأَنَّ ما يدعو للكتابة ببساطة هو الواقع الَّذي يحاول أَن يمحو آثار المجزرة، ويتجاوز عنها، رغم أَنَّ الدم ما يزال يقطر من أَصابع القتلة، لا من مجزرة دير ياسين فحسب، بل من كلِّ المجازر الَّتي ظلَّت تُقترف منذ تلك اللَّحظة حتَّى الآن.
ستعلِّق بديعة الجرس منذ اللَّحظة الأُولى، منذ العنوان الموحي، حيث يمكن للبنادق أَيضاً أَن تُزهر في نيسان، ومنذ تقديمها للعمل:
قال لي جدِّي: لا تثقي بالذَّاكرة كثيراً، فقد تخون صاحبها يوماً.
أَلم تخن الذَّاكرة الكثيرين؟
حين تخون الذَّاكرة أَصحابها، يصبح التأريخ واجباً مقدَّساً.
تؤسِّس بديعة في روايتها لما جرى في دير ياسين، وحولها، منذ عام 1920، خوفاً من تساقط بعض التَّواريخ والشَّواهد من الذَّاكرة، تدخل القرية من خلال الحج أَسعد، وعائلته، وبدايات الانتداب، مع انتهاء الحكم العثمانيِّ للمنطقة، وشخصيَّة زينب الَّتي تسير عبر مسارين زمنييَّن: الأَوَّل ما قبل المجزرة، أَثناء طفولتها وبداية شبابها، والثَّاني بعد المجزرة، أَثناء وجودها في مشفى للأَمراض العصبيَّة نتيجة للصَّدمة الَّتي أَصابتها جرَّاء ما جرى في دير ياسين، وفقدانها أَهلها.
تكرِّس بديعة التأريخ، عبر كتابة تواريخ الأَحداث، بدقَّة متناهية، وكأَنَّها بذلك تحاول أَن تكون وفيَّة للمقولة الَّتي صدَّرت بها عملها، أَي للذَّاكرة.
هل تخون الذَّاكرة بالفعل؟ هل تتداعى ذاكرة الشُّعوب وتنهار؟
لا شكَّ أَنَّ بديعة تدرك تماماً أَبعاد تلك الحرب الَّتي تخوضها الصُّهيونيَّة ضدَّ كلِّ ما هو فلسطينيٍّ، إذ إنَّ "إسرائيل" لا تكتفي فقط باحتلال كلِّ شبر فارغ من ذاكرة الشَّعب الفلسطينيِّ، بل إنَّها تعمل على استحداث ثقوب في الذَّاكرة، عبر احتلالها، وتقطيع أَواصر العلاقة بينها، تماماً كما تفعل بالأَرض، ما سيدعو، حسب المعتقد الصُّهيونيِّ إلى إحداث قطيعة بين أَجزاء الذَّاكرة، وبالتَّالي الهويَّة، وبالتَّالي الانتماء، وقوَّة المنطق، وسيعمل ذلك كلُّه على احتلال هذه الذَّاكرة وحشوها بتفاصيل صغيرة تجعلها متناقضة مع نفسها، وغير قابلة للصُّمود أَمام تماسك الرِّواية الصُّهيونيَّة.
إنَّ خوض رواية تتقاطع مع التَّاريخ باعتقادي مغامرة ليست سهلة أَبداً، لأَنَّ الرِّواية ببساطة عليها أَن تتفوَّق على التَّاريخ نفسه، أَعني كتاب التَّاريخ، وذلك بحاجة إلى ذكاء استثنائيٍّ، وأَدوات أَوَّلها اللُّغة، والقدرة على بلورة شخصيَّات مقنعة وقد وُفِّقت بديعة بذلك.
إنَّها رواية التَّاريخ عبر انعكاساته في مرآة الحاضر.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير